بقلم هلا يوسف
لم تستطع العقوبات الدولية أن تُغيب السوريين عن ما يجري في العالم الرقمي، وخصوصاً في مجال الألعاب الإلكترونية، حيث شقوا طريقهم لشرائها بطرقهم الخاصة. فقد انتشرت في السنوات الماضية تجارة بطاقات الشراء الرقمية الخاصة بالألعاب (prepaid / gift cards)، سواء كانت لشراء شدات داخلية لألعاب مثل PUBG وFree Fire أو بطاقات متاجر مثل Google Play وPlayStation Network. هذا الانتشار لم يحدث صدفة، بل جاء نتيجة شروط معقدة في نظام الدفع الإلكتروني داخل سوريا وغياب الخدمات البنكية الدولية المعتادة، ما دفع السوق إلى التكيف بطرق أخرى للدفع عبر الإنترنت.
يوجد في السوق السوري اليوم متاجر محلية متخصصة في بيع هذه البطاقات الرقمية، حيث يمكن للاعبين شراء أكواد الشحن الخاصة بالألعاب أو بطاقات رصيد المتاجر الرقمية وتلقيها مباشرة عبر الواتساب أو البريد الإلكتروني بعد الدفع بطرق محلية مناسبة للمواطنين داخل البلاد.
يكمن السبب وراء هذا الانتشار عدم عمل بطاقات الدفع الإلكترونية الدولية التقليدية مثل Visa وMastercard بشكل اعتيادي في سوريا، وذلك منذ بداية الحرب في سورية وما تلاها من قيود وعقوبات على النظام المصرفي، مما جعل التعاملات الإلكترونية البنكية محدودة أو شبه معدومة. في مثل هذه الظروف وجد اللاعبون ومشترو المحتوى الرقمي طرقاً بديلة للوصول إلى وسائل الدفع عبر شراء بطاقات مسبقة الدفع أو بطاقات هدايا (gift cards) تستخدم على المنصات الرقمية.
هذه البطاقات لا تحتاج عادة إلى حساب بنكي دولي، بل يتم شراؤها عبر متاجر محلية أو عبر الدفع بطرق أخرى مثل المحافظ الإلكترونية أو حتى العملات الرقمية في بعض الحالات، ويتم استخدامها بعد ذلك في المتاجر أو الألعاب عبر إدخال الكود على المنصة المستهدفة لإضافة الرصيد أو شراء المحتوى.
ورغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة التي توضح حجم سوق بطاقات الألعاب الرقمية في سوريا، مثل إجمالي قيمة شراء شدات الألعاب أو بطاقات المتاجر الرقمية خلال سنة واحدة، إلا أن بعض المؤشرات العملية من واقع الاستخدام اليومي تعطي صورة تقريبية عن حجم الإنفاق في هذا المجال.
على سبيل المثال في بعض منصات الشحن وشراء الألعاب المرتبطة بمنصة Steam، يظهر وجود عشرات المشتركين النشطين. بحثنا عن حالة واحدة لنتمكن من استخدامها للقياس، فظهرت إحدى المنصات وفيها نحو 24 مشتركاً، وتعرض ألعاب بأسعار قريبة من الأسعار العالمية، إذ يبلغ سعر لعبة مثل Doom حوالي 29 يورو، وهو ما يعادل تقريباً 339 ألف ليرة سورية بحسب سعر الصرف المتداول. وبالاعتماد على هذا الرقم يمكن تقدير متوسط قيمة المشتريات الإجمالية لهؤلاء المشتركين في هذه المنصة فقط، بما يقارب 8 ملايين ليرة سورية، وهو رقم يظل محدوداً كنموذج، لكنه يعكس نمط إنفاق حقيقي ومتكرر.
كما تنتشر في السوق المحلية محال متخصصة ببيع ساعات اللعب على الحواسيب المخصصة للألعاب، حيث تعرض باقات بأسعار تعتبر مقبولة نسبياً مقارنة بالدخل المحلي، مثل 5 ساعات لعب مقابل 50 ألف ليرة سورية، أو 50 ساعة لعب بحوالي 325 ألف ليرة سورية. هذه الخدمات تشير إلى وجود طلب مستمر على الألعاب، حتى في حال عدم القدرة على الشراء المباشر عبر الإنترنت.
كما توفر منصات محلية بطاقات شحن للألعاب والمتاجر الرقمية بأسعار متوسطة، تتراوح غالباً بين 15 ألف و20 ألف ليرة سورية لبطاقات الشحن الصغيرة، وهو ما يجعلها الخيار الأكثر انتشاراً بين اللاعبين خاصة لدى فئة الشباب، بالإضافة إلى الشراء من محفظة ليرات التي تتراوح أسعار بطاقاتها بين حوالي 50 ألف وصولاً إلى 6 ملايين ليرة سورية بحسب اللعبة ونوع البطاقة. هذه الأرقام وإن كانت جزئية، تعكس الطلب الجزئي للإنفاق على الألعاب الرقمية داخل سوريا، حتى في ظل القيود البنكية وغياب وسائل الدفع الدولية التقليدية.
أسباب قوة السوق في سوريا
عاش الاقتصاد السوري فترة طويلة من الاعتماد على النقد والأدوات غير البنكية، بسبب العقوبات المالية التي أثرت على قدرة البنوك السورية على الانخراط في شبكة الدفع الدولية. هذا الغياب للخدمات البنكية العالمية خلق فجوة في السوق حاولت التجارة الرقمية المحلية ملئها. بينما ازداد الطلب على الألعاب الرقمية والمحتوى الترفيهي عبر الإنترنت، مما عزز من انتشار بطاقات الشحن الرقمية وأكواد الألعاب. وهذا ما جعل هذا النوع من التجارة يحافظ على نمط مستمر من النشاط، حتى مع تغيرات الحملات الاقتصادية والاجتماعية في السنوات الماضية.
في الواقع بعض السوريين حتى يتشاركون تجاربهم بشكل غير رسمي على منصات النقاش، مشيرين إلى أن بطاقات الهدايا أصبحت الخيار العملي لشراء الألعاب أو المحتوى الرقمي في ظل عدم عمل البطاقات البنكية التقليدية.
دخول Mastercard وVisa إلى نظام الدفع السوري قريباّ
مؤخراً، ظهرت تطورات مهمة من شأنها أن تغير هذا المشهد تدريجياً. حيث بدأت كل من شركتي Mastercard وVisa الإعلان عن تعاونات مع مصرف سوريا المركزي والمؤسسات المالية المحلية، بهدف بناء نظام دفع إلكتروني حديث داخل سورية، يسمح بإصدار بطاقات دفع وبناء بنية تحتية متطورة.
فقد وقعت Mastercard مذكرة تفاهم في أيلول 2025 مع مصرف سوريا المركزي لتبادل الخبرات والعمل على تطوير نظام الدفع في البلاد، وهي خطوة تُنظر إليها كإشارة قوية على إمكانية إعادة تشغيل خدمات الدفع الحديثة بعد سنوات من العزلة البنكية.
وفي كانون الأول 2025 أعلنت Visa عن خارطة طريق استراتيجية مع مصرف سوريا المركزي لبناء نظام دفع رقمي متوافق مع المعايير الدولية، يتضمن إصدار بطاقات دفع وربط المحافظ الرقمية، مما يفتح الباب أمام إعادة دمج النظام المالي السوري في الشبكات العالمية. ومع بداية 2026 تم وضع الخطط موضع التنفيذ عبر شراكات مع بنوك مثل QNB لتوسيع خدمات الدفع باستخدام بطاقات Mastercard داخل سوريا، وهو ما قد يُتيح في المستقبل القريب للمواطنين الحصول على بطاقات بنكية دولية تعمل داخل وخارج البلاد.
هل هذا يعني نهاية السوق الحالي؟
من غير المتوقع أن تختفي تجارة بطاقات الألعاب الرقمية في سوريا على المدى القصير. فحتى مع دخول أنظمة الدفع البنكية العالمية سيبقى هناك طلب على بطاقات الشحن الرقمية لأسباب متعددة مثل سهولة الاستخدام، وتوافرها لدى تجار محليين، وعدم حاجة المستخدم لإجراءات بنكية معقدة. لكن على المدى المتوسط والطويل، إذا نجحت جهود إدخال نظام بطاقات دولي رسمي أدى إلى قبول واسع في السوق المحلية، فمن المرجح أن يقل الاعتماد على طرق الدفع البديلة تدريجياً لأن الخدمات البنكية ستوفر حلولًا أكثر أماناً وسهولة للتسوق عبر الإنترنت.
باختصار، تجارة بطاقات الألعاب الرقمية في سوريا لم تكن مجرد ظاهرة عابرة، بل جاءت لتتكيف مع واقع اقتصادي خاص، إذ أسهمت في سد فجوة كبيرة في وسائل الدفع الإلكتروني في البلاد. ومع التطورات الأخيرة في التعاون بين الشركات العالمية مثل Mastercard وVisa والبنوك السورية، من الممكن أن نشهد تحولاً جذرياً في طريقة الدفع عبر الإنترنت في المستقبل. لكن حتى يتم تطبيق ذلك سيبقى سوق البطاقات الرقمية جزءاً مهماً في حياة اللاعبين والمستهلكين الإلكترونيين داخل سوريا.
اقرأ أيضاً: ماذا يعني أن تتحول سوريا إلى مركز مالي في الشرق الأوسط؟