بقلم هلا يوسف
تواجه محافظة حمص كغيرها من المحافظات السورية، تحديات متراكمة في قطاع المياه نتيجة اهتلاك البنية التحتية، وازدياد الطلب، وتأثيرات الجفاف والتغيرات المناخية خلال السنوات الماضية. وفي هذا السياق تواصل الجهات المعنية بالتعاون مع الجهات الداعمة تنفيذ مشاريع حيوية تهدف إلى تحسين واقع مياه الشرب، وتعزيز الاستقرار المائي، وتأمين الخدمة للسكان ولاسيما في المناطق التي تشهد عودة الأهالي.
وفي خطوة مهمة على هذا الطريق، وضعت مؤسسة مياه حمص بئر بلدة كفرلاها رقم 11 في الخدمة، بهدف تأمين مياه الشرب للمواطنين في المنطقة. وأوضح مدير الوحدة الاقتصادية في كفرلاها حسن الأحمد، أن المشروع تم تنفيذه بالتعاون مع هيئة الأعمال الخيرية العالمية التي قدمت الدعم المالي الكامل، ما أسهم في إنجازه ضمن المدة المحددة.
وأوضح الأحمد أن العمل في المشروع بدأ مع مطلع شهر تشرين الثاني من العام الماضي، وانتهى بشكل كامل في نهاية الشهر الأول من عام 2026، مشيراً إلى أن المشروع يهدف إلى تعزيز الاستقرار المائي في مدينة كفرلاها، وضمان إيصال المياه بشكل دوري، إضافة إلى تخفيف الأعباء المادية عن الأهالي الذين اضطروا سابقاً للاعتماد على صهاريج المياه الجوالة ذات التكلفة المرتفعة.
وتضمنت الأعمال حفر بئر بعمق 182 متراً وبغزارة تقارب 33 متراً مكعباً في الساعة، إلى جانب تركيب مضخة غاطسة باستطاعة 40 حصاناً، وتركيب 84 لوح طاقة شمسية باستطاعة 640 واط لكل لوح، حيث جرى الاعتماد حالياً على الطاقة البديلة في تشغيل البئر. ويؤمن هذا البئر مياه الشرب لنحو 15 ألف نسمة، مع ضمان تدفق مستمر للمياه، خاصة في ظل عودة المهجرين وازدياد عدد السكان في البلدة.
تحسن التخزين المائي في سد الرستن ودوره الاستراتيجي
بالتزامن مع مشاريع الآبار، شهد سد الرستن في محافظة حمص تحسناً ملحوظاً في مستوى التخزين المائي عقب الهطولات المطرية الأخيرة، إذ بلغ حجم التخزين الحالي نحو 55 مليون متر مكعب. وأوضح مدير الموارد المائية في حماة، المهندس رياض العبيد، أن هذا الارتفاع يعود إلى الأمطار التي شملت منطقة الحولة، إضافة إلى التدفقات الواردة من حوض نهر العاصي الممتد بين محافظتي حمص وحماة، لافتاً إلى أن السد استقبل خلال يوم واحد فقط قرابة 5 ملايين متر مكعب من المياه، بمعدل تدفق وصل إلى 60 متراً مكعباً في الثانية.
وأكد العبيد أن السد وقنواته تخضع لمراقبة مستمرة على مدار الساعة، وأن جميع التجهيزات الفنية بحالة جيدة، ولا توجد أي مخاوف حالياً من الفيضانات، إذ ما زال المخزون ضمن الحدود الآمنة، مع وجود خطة طوارئ دائمة للتعامل مع أي مستجدات.
من جهته بيّن مدير سد الرستن المهندس موسى حساب، أن السعة التخزينية القصوى للسد تصل إلى نحو 250 مليون متر مكعب، وهو منشأ منذ عام 1958 وتم وضعه في الخدمة بعد أربع سنوات، بطول 446 متراً وارتفاع 67 متراً. وأشار إلى أن المنطقة عانت جفافاً واضحاً خلال العقد الماضي، ما أثر على منسوب التخزين، معتبراً أن المستوى الحالي طبيعي في هذه الفترة من السنة، مع توقعات بارتفاعه حتى نهاية موسم التخزين. كما لفت إلى أن أعمال صيانة شاملة أُجريت للسد في تشرين الأول الماضي، شملت الجوانب الكهربائية والميكانيكية لضمان الجاهزية.
ويعد سد الرستن من المنشآت المائية المهمة المصنفة من الدرجة الثانية في سوريا، لما له من دور رئيسي في مشاريع الري وتوليد الطاقة الكهربائية، إضافة إلى أهميته الاقتصادية والسياحية.
خطط حكومية ومشاريع لمواجهة أزمة المياه في مدينة حمص
وفي إطار معالجة التحديات المائية، تم عقد اجتماع موسع في كانون الثاني من هذا العام في مبنى محافظة حمص، برئاسة وزير الطاقة محمد البشير، وبمشاركة الجهات المعنية بقطاعي المياه والصرف الصحي. وناقش الاجتماع أولويات تنفيذ مشاريع الموارد المائية والصرف الصحي لعام 2026، وتقييم احتياجات قطاع الطاقة، واستعراض ما أُنجز خلال عام 2025.
وأشار الوزير البشير إلى أن الوزارة تعمل على تأسيس المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، بهدف تعزيز التنسيق المؤسسي ورفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات، موضحاً أن تمويل المشاريع يعتمد على مزيج من الموازنة الاستثمارية، والتعاون مع المنظمات الدولية، وحملات التبرعات، إضافة إلى القروض الخارجية، ومنها القرض السعودي الذي خصص منه 150 مليون دولار لقطاعي الطاقة والمياه. كما شدد على ضرورة الإسراع في معالجة المشاريع المتوقفة، وتوجيه دعم إضافي للمناطق الريفية.
كما أوضح مدير الموارد المائية في حمص المهندس محمد الحسين، أن عدد السدود في المحافظة يبلغ 35 سداً بطاقة تخزينية تقارب 406 ملايين متر مكعب، مشيراً إلى أن خطة عام 2026 تتضمن مشاريع حيوية، أبرزها إعادة تأهيل واحة تدمر، ومشروع ري بساتين القريتين، وتعزيز الموارد المائية لنهر العاصي.
أما مدير مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي في حمص، المهندس عبد الهادي عودة، فاستعرض إنجازات عام 2025، والتي شملت تحسين منسوب مياه عين التنور وضمان استمرار الضخ في المدينة وريفها، مع التأكيد على الحاجة لإعادة تأهيل عدد من محطات المياه القديمة، ودعمها بأنظمة طاقة شمسية، وتأمين شبكات كهربائية مستقرة، إلى جانب حفر آبار جديدة. كما أشار مدير شركة الصرف الصحي في حمص، المهندس محمد عامر خليل، إلى تنفيذ أعمال تجديد لشبكات الصرف وتشغيل محطات معالجة جديدة، مع التركيز على مناطق عودة السكان.
إجراءات إسعافية لتخفيف أزمة المياه في حمص
وضعت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي بئرين في الخدمة لتغذية حيي عشيرة والسبيل خلال الصيف الماضي، وجاء ذلك في سبيل التخفيف من أزمة المياه في مدينة حمص. وأوضح المهندس عبد الهادي عودة أن بئر حي عشيرة، التي استفاد منها نحو 4000 نسمة، كانت تعمل بشكل جزئي، وتمت صيانتها وتركيب مجموعة توليد كهربائية باستطاعة 200 ك.ف.أ لضمان ضخ يصل إلى 80 متراً مكعباً في الساعة.
كما أعادت المؤسسة تشغيل بئر حي السبيل بعد توقف دام أربع سنوات، بغزارة 55 متراً مكعباً في الساعة، ليستفيد منها نحو 2000 نسمة في أحياء السبيل والعباسية والبياضة. وأشار عودة إلى أن المؤسسة جهزت وشغلت منذ حزيران الماضي عدداً من الآبار في منطقتي دحيريج وعين التنور لتعزيز كميات المياه المتاحة.
بينما يعد نبع عين التنور المصدر الرئيسي لمياه الشرب في حمص، إذ كان يضخ سابقاً ما بين 130 و140 ألف متر مكعب يومياً، إلا أن هذه الكمية انخفضت خلال الصيف الماضي إلى مستوى بين 80 و85 ألف متر مكعب يومياً نتيجة انخفاض المنسوب والواردات المائية. وفي مواجهة هذا التراجع جرى خلال العام الماضي تأهيل 12 بئراً من أصل 50 بئراً ضمن إمكانيات المؤسسة، إضافة إلى تأهيل عدد آخر بالتعاون مع المحافظة، في إطار خطة تهدف إلى إعادة تأهيل جميع الآبار وربطها بشبكة التوزيع.
وأوضح عودة أن هذه الآبار تعد حلولاً إسعافية مؤقتة ولا تعوض الاعتماد الكبير على عين التنور، مشيراً إلى وجود 10 آبار في دحيريج، 9 منها حالياً في الخدمة، بعد أن كانت 4 فقط تعمل قبل عدة أشهر، وتم ربطها بخط معفى من التقنين لتكون رديفة للنبع الرئيسي.
كما أشار إلى مشاريع استراتيجية مستقبلية، منها إعادة تأهيل محطة تصفية عين السمك التي تستجر المياه من نهر العاصي بغزارة تقارب 15 ألف متر مكعب يومياً، حيث يجري التنسيق مع منظمات دولية، وقد أبدت منظمة اليونيسيف استعدادها لإعادة تأهيل المحطة. إضافة إلى ذلك، توجد دراسات لاستجرار المياه من الأحواض المأمونة مثل حوض السمعليل، وحفر آبار جديدة ونقل المياه إلى مدينة حمص، رغم الكلفة المرتفعة لهذا المشروع.
في الختام، هناك اهتمام كبير من قبل الجهات المعنية بتحسين واقع المياه في محافظة حمص، وعلى الرغم من التحديات التي تواجه القطاع في المدينة، إلا أن الأمل كبير في موسم مطري جيد خلال عام 2026.
اقرأ أيضاً: مدينة حمص عطشى في ظل نقص المياه .. هل يستجيب أعالي العاصي؟