الكاتب: أحمد علي
تتبدل لغة الجماعات العنيفة حين يتغير ميزان القوة من حولها، لكنها لا تتخلى بسهولة عن الهدف الأهم بالنسبة إليها، وهو الحفاظ على حضورها بوصفه معنى قبل أن يكون سلاحاً. لهذا تبدو دراسة الخطاب أكثر من تمرين لغوي، فهي قراءة لطريقة التفكير وحدود المرونة، وكيف يحاول الفاعل المتطرف إعادة تعريف المجتمع والدولة في لحظة انتقال سياسي.
في هذا السياق تأتي ورقة الباحث نوار شعبان التي تقدم تحليلاً خطابياً لافتتاحيات صحيفة النبأ التابعة لتنظيم داعش ضمن الأعداد من 472 إلى 522، المنشورة بين كانون الأول ديسمبر 2024 وتشرين الثاني نوفمبر 2025، بهدف تفكيك معالجة التنظيم للملف السوري بعد سقوط الأسد وصعود الحكومة السورية الانتقالية كما يصفها الباحث.
أهمية هذا النوع من القراءة لا تنبع من فضول تجاه الدعاية، بل من قدرتها على كشف الطريقة التي يُعاد بها ترتيب الخصوم في ذهن التنظيم، وكيف تُحمل مفاهيم الشرعية والعدالة معاني تخدم التعبئة.
ملامح خطاب داعش في سورية
تعتمد الدراسة منهج تحليل محتوى يركز على الافتتاحيات التي أحالت مباشرة إلى سورية أو إلى الحكومة الانتقالية أو إلى الفاعلين المرتبطين بالملف السوري. وقد بلغت العينة ثلاث عشرة افتتاحية، واعتمدت الفقرة وحدة التحليل الأساسية لأنها أصغر بنية دلالية مكتملة في نصوص الصحيفة. وتوضح الورقة أن الترميز يجمع هذه النتائج ضمن ثلاثة محاور كبرى تساعد على قراءة التحريض والتعبئة، وآليات التكفير، واستشراف ما يعده التنظيم للمستقبل.
هذه التفاصيل المنهجية ليست هامشاً، لأنها تفسر لماذا تبدو النتائج مركزة على اللغة التي يصوغ بها التنظيم معنى الصراع، لا على خبر العمليات اليومية. ومن هنا يصبح خطاب داعش في سورية مرآة لمرحلة ما بعد السيطرة الإقليمية، حيث يحاول التنظيم تعويض خسارته الميدانية بتضييق دائرة الانتماء وتوسيع دائرة العداء، ثم تحويل هذا العداء إلى شرعية عنف قابلة للتدوير في كل سياق جديد.
وفي قلب هذا الجهد الدعائي تظهر صحيفة النبأ بوصفها منصة لإنتاج سردية متماسكة، لا مجرد نافذة إخبارية، وهي سردية تقوم على تعريف تكفيري للآخر ونزع شرعيته، ثم تقديم العنف كاستجابة لازمة لا كقرار قابل للمراجعة.
العدو الجديد داخل الساحة
تخلص الورقة إلى أن بوصلة العداء في خطاب صحيفة النبأ تتحول من صورة العدو الخارجي المرتبط بالنظام السابق إلى ما تسميه الدراسة الداخل المرتد، أي خصوم يُقدَّمون بوصفهم جزءاً من البيئة الاجتماعية والسياسية الجديدة التي نشأت بعد سقوط الأسد.
هنا لا يظهر الخصم كمنافس سياسي فحسب، بل كتهديد عقائدي يبرر نزع الشرعية عنه، ويفتح باب العنف بوصفه واجباً لا خياراً. وتوضح الدراسة أن التنظيم يستخدم هذا التحول ليعيد تعريف مفاهيم مثل الولاء والردة، بما يسمح له بتغيير قائمة الأهداف دون تغيير جوهر السردية، ثم تقديم نفسه باعتباره الحارس الأخير لما يصفه بالقتال الحقيقي.
ولأن خطاب داعش في سورية يحتاج إلى خصم قريب كي يبقى قابلاً للتعبئة، فإنه يعيد هندسة صور الفاعلين المحليين عبر ربطهم بخيوط خارجية، بحيث يصبح النقاش حول الأداء السياسي مجرد تفصيل أمام تهمة الارتهان. بهذه الطريقة تتحول السياسة إلى مرادف للخيانة في ذهن المتلقي، ويتراجع المجال الرمادي الذي يسمح بتعدد الآراء داخل المجتمع.
شرعنة العنف عبر اللغة
تؤكد الدراسة أن التنظيم يصعد شرعنة العنف عبر تقديمه بوصفه عدلاً إلهياً، ثم يربط ذلك بمعجم تكفيري يوسع دائرة الاستهداف لتشمل مؤسسات الحكم والخدمات.
هذه النقلة مهمة لأنها تنقل العنف من كونه فعلاً موجهاً ضد خصم عسكري إلى كونه رسالة اجتماعية تسعى إلى إرباك الحياة اليومية، وإظهار الدولة الجديدة عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الأمان.
كما تتوقف الورقة عند أدوات لغوية أخرى مثل استعارة التدجين التي تستخدم لتجريد الخصوم من صفة الفاعل المستقل، وتحويلهم إلى أدوات قابلة للإدارة والضبط داخل منظومة سياسية مندمجة مع الغرب بحسب توصيف التنظيم.
وعندما تتكرر هذه الصور في خطاب داعش في سورية، فإنها تعمل على مستوى نفسي أيضاً، لأنها تبني ثنائية بسيطة بين جماعة نقية وجماعة ملوثة، وتغلق باب التسويات التي تحتاجها أي مرحلة انتقالية. وفي الوقت نفسه تمنح العنف وظيفة تأسيسية داخل المجتمع، لا باعتباره استثناءً بل باعتباره وسيلة لإعادة ترتيب الحدود بين من يُعدون داخل الجماعة ومن يُدفعون إلى خارجها.
أثر الخطاب على الاستقرار
لا تتعامل الورقة مع الدعاية بوصفها كلاماً معزولاً، بل كعامل يمكن أن يهدد مسار التحول السياسي عبر تشويه رموزه وتقويض ثقة المجتمع المحلي بها، حتى لو لم يكن التنظيم قادراً على إسقاطها عسكرياً.
وتلفت الدراسة إلى أن التنظيم يراهن على استمرار مخاطبة الفئات الهشة والساخطة، فيمنحها وعداً بالثأر والتمكين وهوية مقاتلة، ما يجعله خياراً حاضراً في أذهان بعض هذه الفئات إذا عجزت السلطات عن الاستجابة لحاجاتها.
من هنا يمكن فهم لماذا يصبح تحسين الخدمات واستعادة الثقة جزءاً من السياسة الأمنية، وليس مجرد ملف إداري. فكل مساحة يشعر فيها الناس بأن الدولة بعيدة أو بطيئة تتحول، وفق منطق الدعاية المتطرفة، إلى دليل جديد على فشل السلطة وتبرير لمعاداة المجتمع لها.
ما الذي تقترحه الدراسة
في خاتمتها تذهب الورقة إلى أن مواجهة الخطر لا يمكن اختزالها في المقاربة الأمنية وحدها، وتقترح مساراً متعدد المستويات يجمع بين تفكيك شبكات الخلايا عبر عمل استخباري منسق ومتقدم، وتجفيف هوامش التجنيد عبر خدمات سريعة ومرئية في المناطق الهشة، ومواجهة خطاب التنظيم بخطاب ديني رصين واستراتيجية اتصال مضادة توثق الأداء وتحاصر المعجم التكفيري في المجال العام.
وهذه المقاربة تذكير بأن خطاب داعش في سورية يعيش على ثغرتين متلازمتين، ثغرة الخوف وثغرة فقدان الثقة. وعندما تُملأ هاتان الثغرتان بإجراءات محسوبة وبخطاب عام يشرح الحقائق دون تهويل، يصبح التضليل أقل قدرة على التحول إلى تعبئة، ويصبح العنف أقل قابلية لأن يتقمص صورة العدالة.
في المحصلة تتيح القراءة الخطابية التي تقدمها الدراسة فهماً عملياً لطريقة تكيف التنظيم مع لحظة انتقالية حساسة، وكيف يحاول أن يحول الاختلاف إلى تكفير، والفراغات الخدمية إلى فرص تجنيد. وهي تضع أمام القارئ سؤالاً بسيطاً لكنه عملياً حاسم جداً، أي مستقبل نريده لسورية، مستقبل تُدار فيه الخلافات عبر مؤسسات قابلة للمحاسبة، أم مستقبل تلتهمه السرديات العنيفة حين تضعف الدولة وتتراجع العدالة؟
اقرأ أيضاً: تحول كبير في ملف داعش: هل انتهى في سوريا؟!