بقلم هلا يوسف
تعد محافظة حمص من أكثر المدن المهتمة بتربية النحل، لما له من أثر اقتصادي وبيئي واضح. وعلى الرغم من أهمية هذا القطاع، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة متمثلة بالجفاف المستمر، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، وتأثيرات الحرب على المناحل، التي أدت إلى تراجع عدد الخلايا بشكل ملحوظ. ومع هذه التحديات بدأت الجهات المعنية تحركها لإحياء القطاع من جديد، ودعمه لمواجهة التحديات عبر توقيع اتفاقيات تنص على تقديم قروض للنحالين.
فقد وقع اتحاد النحالين العرب فرع سوريا اتفاقية مع بنك البركة لتقديم القروض ميسرة للمربين في حمص. وتهدف هذه القروض إلى تمكين النحالين من شراء مستلزمات الإنتاج الأساسية مثل النحل، والخلايا، والأخشاب، والفرازات. حيث تبدأ القروض من 25 مليون ليرة سورية، بينما تختلف شروط الضمان حسب قيمة التمويل، فالقروض الصغيرة تقتصر على ضمانة شخصية، في حين يتطلب التمويل الأكبر ضمانة عقارية، وتتيح الاتفاقية فترة سداد تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، مع إمكانية الدفع خلال الموسم.
يشرح المهندس همام فياض، عضو مجلس إدارة الاتحاد، أن هذا الدعم المالي يأتي في وقت حرج، إذ أدى الجفاف المتكرر إلى خروج عدد من المربين من السوق. لذلك جاءت هذه القروض لمساعدة المربين على ترحيل خلايا النحل إلى مناطق توفر المراعي، وهو ما يسهم مباشرة في زيادة الإنتاج.
لا يمكن الحديث عن إنتاجية النحل في حمص دون النظر إلى الأرقام والإحصاءات. إذ تضم المحافظة حوالي 11 ألف مربي نحل يمتلكون نحو 550 ألف خلية، وفق آخر الإحصاءات. ورغم هذا العدد الكبير، شهد الموسم الماضي انخفاضاً ملحوظاً في الإنتاجية، إذ بلغ إنتاج الخلية الواحدة نحو 2 كيلوغرام فقط بسبب الجفاف وتغيرات المناخ.
وبحسب المهندس أيمن شلار، رئيس شعبة النحل في مديرية زراعة حمص، فإن كمية العسل وجودته تتأثر بشكل مباشر بالمواسم والظروف البيئية. فالربيع يشهد إنتاج عسل الحمضيات واللوز، بينما الصيف يوفر أزهار اليانسون والكينا، وفي الخريف تنتج الخلايا عسل القطن والسمسم، ومع نهاية الموسم يتم جمع أنواع أخرى مثل العجرم والشيح الجبلي. في حين تتأثر الكميات المنتجة بتوافر المياه وخدمة المحصول، وهو ما يوضح أن الظروف المناخية تلعب دوراً محورياً في استقرار القطاع.
لكن لا تتوقف التحديات عند المناخ فقط، بل تشمل أيضاً ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وعدم استقرار أسعارها، بالإضافة إلى نقص الأماكن المخصصة لوضع الخلايا، وانخفاض أسعار العسل البلدي مقارنة بالمستورد، وظاهرة سرقة الخلايا ورش المبيدات أثناء موسم الإزهار، عدا عن صعوبات النقل والحراسة وارتفاع أسعار الوقود. كل هذه العوامل تجعل التمويل والدعم الفني ضرورياً، ليس فقط لاستمرار الإنتاج، بل لضمان استدامة القطاع على المدى الطويل.
ويعمل اتحاد النحالين العرب في حمص على تقديم دعم متكامل للمربين، يشمل التسهيلات المالية عبر القروض الميسرة، وتأمين الأدوية لمكافحة الأمراض الخطيرة مثل مرض الفاروا، ومنح بطاقات خاصة لتسهيل عمليات ترحيل الخلايا بين المراعي المختلفة. كما ساهمت الدورات التدريبية التي تقدمها كلية الهندسة الزراعية بجامعة حمص واتحاد الغرف الزراعية في رفع مستوى خبرة المربين الجدد، إذ يحتاج النحال عادة من أربع إلى خمس سنوات لاكتساب المهارة الكافية لإدارة المناحل بكفاءة وتقليل مخاطر الفشل.
يؤكد المهندس ماهر الكردي، مدير مكتب اتحاد النحالين العرب في حمص، أن عودة النشاط إلى القطاع بدأت تظهر بعد عودة المربين إلى منازلهم وعودة انتشار المناحل في معظم المناطق، حيث شهدت المحافظة تحسناً ملحوظاً في تربية النحل. ومع ذلك يشدد على أن الدعم المستمر يبقى ضرورياً، سواء من خلال تخفيض تكاليف الإنتاج، أو توفير الخبرة للمربين الجدد، أو فتح أسواق لتصريف المنتجات.
وبالعودة إلى ما قبل عام 2011، كانت تربية النحل منتشرة في سوريا حيث وصل عدد الخلايا إلى نحو 650 ألف خلية، وكان يعمل في القطاع حوالي 35 ألف أسرة سورية. لكن خلال سنوات الحرب، فقدت البلاد نحو 85% من إجمالي النحل السوري، ما أثر على الإنتاجية بشكل كبير، خصوصاً في المناطق التي شهدت النزاعات المباشرة. ومع ذلك، وبعد عدة سنوات من الركود النسبي، استعاد القطاع نحو 80% من نشاطه، بعودة النحالين إلى أعمالهم وانخرطت أعداد جديدة في المهنة، رغم أن إنتاجية الخلايا لا تزال منخفضة نتيجة الظروف المناخية.
في النهاية، يواصل مربو النحل في حمص عملهم بتحويل رحيق الأزهار إلى أجود أنواع العسل الطبيعي، على الرغم من كل التحديات، مؤكدين أن استمرار القطاع مرتبط باستمرار الدعم الحكومي، وتوفيره الظروف المناسبة لازدهار إنتاج العسل، وتعزيز مكانة المنتج في الأسواق المحلية والخارجية.
اقرأ أيضاً: تربية النحل في اللاذقية ثروة طبيعية تعصف فيها التحديات