سياحة و سفر

تشظي كرد سوريا: تاريخ الخلافات وأجندات النفوذ في شمال سوريا

تشظي كرد سوريا: تاريخ الخلافات وأجندات النفوذ في شمال سوريا

بقلم هلا يوسف

لا يمكن فهم مآلات “قوات سوريا الديموقراطية” ولا موقع الأكراد في المرحلة السورية الجديدة من دون التوقف عند الانقسام الداخلي الذي حكم التجربة الكردية خلال سنوات الثورة وما بعدها. فهذا الانقسام لم يكن خلافاً تنظيمياً عابراً بين أحزاب، بل انقساماً في المرجعيات، وفي تعريف العلاقة مع الدولة السورية، وفي موقع القرار السياسي والعسكري، وصولاً إلى انسحاب وسقوط القوات من مناطق الرقة ودير الزور.

أنتج هذا التشظي في القرار الكردي، وعدم وجود توافق، مسارات متوازية لا يمكن التوفيق بينها في الكثير من الحالات. تحوّل هذا الانقسام إلى عامل حاسم في إضعاف القدرة على صياغة موقف كردي موحد، وفي تعقيد أي محاولة للتفاوض أو الاندماج ضمن المعادلة السورية العامة.

ينطلق هذا المقال من هذه النقطة تحديداً، باعتبار أن تفكيك الانقسام الكردي هو المدخل الأساسي لفهم ما آلت إليه قسد، ولماذا وصل الأكراد إلى موقع سياسي مشتت، رغم امتلاكهم واحدة من أكثر التجارب نفوذاً على الأرض خلال سنوات الصراع.

نتج عن هذه الصراعات بروز أحزاب سياسية وأخرى مسلحة. وجاء حراك الأكراد كجزء من حراك الشعب السوري عام 2011، ليضع بصمته في الثورة السورية، ويفرض لنفسه مركز ثقل سياسي وعسكري في كل المفاوضات. غير أن هذا الحراك تم تنظيمه وتسليحه أحياناً من قبل الأحزاب الكردية في الدول المجاورة، وخصوصاً أربيل العراق. ما نتج عنه خلافات حادة داخل البيت الكردي خلال الأعوام السابقة، وبرز بشكل أكبر بعد سقوط النظام وتسلم الحكومة الجديدة. في هذا المقال سنشرح خلفيات انقسام الأكراد في موقفها من الحكومة الحالية. وكيف تشكلت الأحزاب على مر سنوات الثورة السورية.

نشأ خلال الثورة السورية حزبان أساسيان، قادا الحراك الكردي السوري خلال الثورة السورية، وهما المجلس الوطني الكردي الذي تم دعمه من قبل رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، والآخر حزب الاتحاد الديموقراطي الذي يتم اتهامه بالتعامل مع أكراد قنديل في جبال العراق، وتنظيم PKK حزب العمال الكردستاني برئاسة عبد الله أوجلان المصنف على أنه تنظيم إرهابي في أغلب الدول. لكن ما كان تأثير كل حزب على أرض الواقع؟

المجلس الوطني الكردي: نشأة وأهداف ومحددات النفوذ

تأسس “المجلس الوطني الكردي” في 26 تشرين الأول 2011 في مدينة أربيل، برعاية مباشرة من رئيس إقليم كردستان العراق “مسعود البارزاني”، كردة فعل على توسع نفوذ حزب “الاتحاد الديمقراطي” في شمال سوريا. ضم المجلس نحو 15 حزباً وفصيلاً سياسياً، وكان الهدف من تأسيسه إيجاد مظلة سياسية كردية مستقلة، تمثل مختلف التيارات وتضمن تنسيقاً مع المعارضة السورية، بما فيها “المجلس الوطني السوري”.

أبرز أحزاب المجلس كان الحزب “الديمقراطي الكردي السوري”، الذي تأسس عام 1957، وحافظ على ارتباط وثيق بالحزب “الديمقراطي الكردستاني العراقي”، في حين ارتبط الحزب “الديمقراطي التقدمي الكردي” برئاسة “عبد الحميد درويش” بحزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” بزعامة “جلال الطالباني”، مما أعاد إنتاج التنافس التاريخي بين الحزبين العراقيين داخل الساحة السورية.

في هيكليته ضم المجلس جمعية عمومية من 26 عضواً، وهيئة تنفيذية برئاسة الدكتور “عبد الحميد بشار”، ولجان متخصصة في التعليم والثقافة والعلاقات الخارجية، ما منح المجلس مظهراً مؤسسياً متماسكاً، لكن التعدد الداخلي سرعان ما أصبح مصدر خلاف، إذ تباينت التوجهات السياسية والارتباطات الخارجية لكل حزب، وظهرت صعوبة توحيد القرار الداخلي.

لعبت تركيا دوراً محورياً في دعم “المجلس الوطني الكردي”، إذ اعتبرت هذا المجلس الممثل الشرعي للأكراد السوريين، على عكس “حزب الاتحاد الديمقراطي” الذي ربطته أنقرة “بحزب العمال الكردستاني”. في آب 2012 التقى وزير الخارجية التركي “أحمد داود أوغلو” بممثلي المجلس في أربيل، بينما رفض اللقاء مع “الاتحاد الديمقراطي”، ما أكد رغبة أنقرة في تعزيز المجلس كأداة للحد من نفوذ الحزب الكردي الموالي لقنديل.

وفي الوقت نفسه حاول المجلس التواصل مع المعارضة السورية للنظام السابق، المعترف بها دولياً، خاصة “المجلس الوطني السوري”، مطالباً بالاعتراف الدستوري بالهوية الكردية وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية، ضمن إطار الحل السياسي الشامل للأزمة السورية وفق القرار الدولي 2254. لكن هذه المحاولات لم تثمر على الأرض، وظل المجلس يعاني من ضعف التأثير الداخلي رغم الاعتراف الدولي ودعم تركيا والبارزاني.

حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD): مشروع القوة والارتباط بقنديل

على الجانب الآخر ظهر حزب الاتحاد الديمقراطي منذ تأسيسه عام 2003 كحزب قوي، ومرتبط بفكر “عبد الله أوجلان”، مؤسس “حزب العمال الكردستاني“، ومصنف إرهابياً لدى عدة دول. وبحسب “معهد كارنيغي للشرق الأوسط”، ينظر إليه كفرع سوري لحزب العمال الكردستاني، ويعد من أبرز أحزاب المعارضة الكردية في سوريا، مع عضوية في هيئات مثل “هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي” و”مجلس شعب غربي كردستان”.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تبنى الحزب موقفاً معادياً لغالبية المعارضة، واتجه لمواجهة المجلس الوطني الكردي سياسياً، مستفيداً من التوتر التاريخي بين أوجلان وبارزاني. وبحسب مصادر تركية، لم ينشأ الحزب داخل سوريا، بل في جبال قنديل شمال العراق، كامتداد عسكري لحزب العمال الكردستاني، حيث اتُهم بتهجير أكراد موالين لبارزاني، واغتيال وأسر شخصيات كردية بارزة، وبالتعاون الضمني مع نظام الأسد في بدايات الثورة.

برز صالح مسلم كأبرز قياديي الحزب، إذ انخرط في أنشطة حزب العمال الكردستاني منذ التسعينيات، وأسهم في تأسيس الحزب عام 2003، وانتُخب رئيساً مشتركاً له مع آسيا عبدالله عام 2012، واستمر حتى 2017، قبل أن تتولى القيادة المشتركة شاهوز حسن وعائشة حسو.

أما على الصعيد العسكري، شكلت “وحدات حماية الشعب” الجناح المسلح للحزب، وامتدت سيطرتها عقب انسحاب قوات النظام عام 2013، وصولاً لتأسيس “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في أواخر 2015 بطلب أمريكي، بهدف دمج العرب والأقليات الأخرى، مع إبقاء الثقل العسكري للقوات الكردية.

برزت الوحدات في معركة كوباني عام 2015 ضد “داعش”، وتلقت دعماً جوياً وبرياً من الولايات المتحدة ضمن التحالف الدولي، وتمددت على مساحات واسعة في شمال سوريا. وكانت تشير تقديرات بعض المصادر وجود نحو 100 ألف مقاتل، مجهزين بأسلحة أمريكية متقدمة، ومن أبرز قادتهم جوان إبراهيم، و”مظلوم عبدي” قائد قوات قسد.

محاولات توحيد الصف.. وتصاعد الخلافات داخل البيت الكردي

شكلت السيطرة الفعلية لحزب الاتحاد الديمقراطي على مناطق شمال وشرق سوريا بعد انسحاب قوات النظام السابق عام 2013 نقطة تحول كبيرة، وهذه النقطة نفسها فتحت أبواب الخلافات بشكل أكبر مع المجلس الوطني الكردي. إذ استفاد حزب الاتحاد من الدعم الدولي في مواجهة “داعش”، بينما اختار المجلس الوطني الكردي الاصطفاف مع قوى المعارضة السورية، ما أدى لتعرضه لمضايقات واعتقالات من قبل حزب الاتحاد، وتراجع الثقة بين الطرفين، وفشل المحاولات المتكررة لرأب الصدع، بالرغم من الوساطات المحلية والدولية.

ففي تموز 2012، حاول مسعود البارزاني رأب الصدع بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي عبر ما عرف “بإعلان أربيل”، الذي نص على تقاسم السلطة في المناطق الكردية وتشكيل “الهيئة الكردية العليا”، إلا أن الاتفاق لم يصمد طويلاً، إذ جمد المجلس عضويته في الهيئة عام 2015 بسبب خلافات على انتخابات الهيئات المحلية في منطقة الجزيرة.

تركزت أيضاً الخلافات حول ملف “بيشمركة روج”، التي تشكلت عام 2012 من منشقين عن الجيش السوري السابق وشبان متدربين في إقليم كردستان العراق، ويقدر قوامها بنحو 7 آلاف مقاتل، بالإضافة إلى أكثر من 20 ألفاً تلقوا تدريباً. حيث طالب المجلس بعودتها إلى المناطق الكردية والمشاركة في حمايتها، بينما تحفظت الإدارة الذاتية على ذلك، ما كشف عن جدية الانقسامات حول السلطة والإدارة، والتقاسم السياسي.

كما استمر النزاع حول حضور المجلس في المؤتمرات السياسية الكردية التي أقامتها قسد عقب سقوط النظام وتسلم الحكومة السورية الجديدة، إذ تجاهلت قسد دعوة المجلس للحضور، مما زاد من الحملات الإعلامية الشرسة ضد بعضهم، وزاد معه الشكوك حول إمكانية توحيد الصف الكردي والتوصل إلى اتفاق دائم.

من كان يحكم القرارات في شمال شرق سوريا.. قسد أم قنديل؟

لفهم طبيعة القرار داخل قوات سوريا الديمقراطية، لا بد أولاً من النظر إلى الأبعاد الخارجية التي تؤثر على تشكيلاتها وقياداتها. فعلى الرغم من أن “قسد” تقدم نفسها كقوة محلية متعددة المكونات، إلا أن النفوذ الفعلي لا يقتصر على المكونات السورية داخلها، بل تمتد خطوطه إلى خارج الحدود، إلى مناطق وجود حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمال العراق. هذا الواقع يفتح المجال لتحليل الدور الذي تلعبه قوى خارجية في رسم السياسات العسكرية والإدارية لقسد، ويكشف عن تنسيق بين القيادة الرسمية على الأرض والقرارات الإستراتيجية التي تتخذ من خارجها.

يرى الباحث أنس الشواخ أن نفوذ قنديل داخل قوات سوريا الديمقراطية ليس شكلياً أو محدوداً بالدعم والتنسيق، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير المباشر في رسم التوجهات السياسية والعسكرية الكبرى للقوات. ويشير الشواخ إلى أن هذا النفوذ يجعل من الصعب على القيادة المحلية، بما فيها مظلوم عبدي، اتخاذ قرارات مستقلة تعبر عن إرادة الأكراد الحقيقية في شمال وشرق البلاد، حيث يفرض عليها هامش ضيق تتحرك ضمنه. ويستدل الشواخ على ذلك بالإشكالية التي رافقت توقيع اتفاقي 10 آذار و18 كانون الثاني مع الحكومة السورية، إذ لم تتمكن القيادة المحلية من الالتزام بمضامين الاتفاقات، وجرى تجنب حضور مراسم التوقيع في اتفاقية 18 كانون الثاني، مما يعكس تراجع السلطة الفعلية لمظلوم عبدي على الأرض.

من جانبه يرى الباحث التركي محمد أمين جنكيز أن الأحداث في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب تمثل دليلاً عملياً على محدودية دور القيادة المعلنة لقوات سوريا الديمقراطية. فبحسب جنكيز أبدى مظلوم عبدي ورئيسة دائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد استعداداً للانسحاب والتوصل إلى تفاهم مع الحكومة السورية، لكن توجيهات مباشرة من قيادة قنديل دفعت قوات “الأسايش” إلى خيار المواجهة العسكرية، متجاهلة أي مرونة سياسية أبدتها القيادة المحلية، مما يؤكد سيطرة تيار قنديل على القرار الميداني.

ويضيف الباحث عامر المثقال أن البعد الجغرافي للحسكة يعزز هذه الهيمنة، فهي تمثل آخر معاقل قوات سوريا الديمقراطية ومركز ثقلها السياسي والعسكري والإداري، وكونها تحتضن أكبر كتلة سكانية كردية يجعلها مقر القرار الفعلي للإدارة الذاتية. ويشير المثقال إلى أن هذه المعادلة تفسر ضعف مقاومة قوات سوريا الديمقراطية في مناطق أخرى مثل دير حافر ومسكنة وشرق حلب، وفي الرقة ودير الزور، مقارنة بالحسكة، حيث يظل نفوذ قنديل واضحاً من خلال السيطرة على القرار الأمني والسياسي والإداري. كما يوضح المثقال أن الحدود مع إقليم كردستان العراق تمنح قسد إمكانية إمداد ودعم خارجي مباشر، مما يعمق قدرة قنديل على التحكم في العمليات السياسية والعسكرية بعيداً عن أي رقابة محلية.

في النهاية، يبقى المشهد معقداً داخل البيت الكردي. وفي هذا الوضع الحرج الذي تمر فيه قوات سوريا الديموقراطية في الحسكة، فإن أمامها خيارين لا ثالث لهما: إما المواجهة العسكرية مع الجيش السوري، وإما إتمام الاتفاق الأخير القاضي بتسليم الحسكة للحكومة السورية مع ضمان الأخيرة بقاء قواتها على أطراف الحسكة، واندماج قوات قسد كأفراد ضمن الجيش الجديد.

اقرأ أيضاً: المواطنة المعلقة: قصة الأكراد السوريين بين إحصاء الحسكة ومرسوم الاعتراف

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.