اخبار مصر

جريمة “هدى شعراوي” تفتح ملف العاملات المنزليات الأجنبيات في سوريا

جريمة “هدى شعراوي” تفتح ملف العاملات المنزليات الأجنبيات في سوريا

بقلم: ريم ريّا

منذ الإعلان، في 29 كانون الثاني 2026، عن مقتل الفنانة السورية القديرة هدى شعراوي داخل منزلها في العاصمة دمشق، وما تبعه من توقيف العاملة المنزلية التي كانت تعمل لديها واعترافها بارتكاب الجريمة، عاد ملف العاملات المنزليات الأجنبيات في سوريا إلى واجهة النقاش العام. لم تقتصر الأسئلة المطروحة على الجانب الجنائي وحده، بل امتدت لتطال الإطار القانوني الذي ينظم وجود هذه الفئة، وآليات استقدامها، ومسؤوليات الدولة والمجتمع تجاهها. حادثة فردية، لكنها أعادت فتح نقاش مؤجل حول منظومة قانونية واجتماعية شديدة الحساسية.

العاملات الأجنبيات في سوريا.. أرقام وقانون وتشريعات حديثة

حسب بيانات وزارة لشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا، قد بلغ عدد العاملات المنزليات الأجنبيات عام 2021 نحو 1017 عاملة. وتشير تقارير رسمية سابقة إلى أن أعداد العاملات تراجعت خلال سنوات الحرب، قبل أن تعود للارتفاع النسبي مع إعادة فتح باب الاستقدام عبر مكاتب مرخصة. كما أفادت مصادر إعلامية في عام 2024، أنه بالرغم من الحرب في سوريا تم استقدام الخادمات الأجنبيات، بشكل مستمر ولم يتوقف. والجنسية الفلبينية كانت الأعلى أجراً ب 400 دولار. وسجلت الزيادة بنسبة 341.3%.

في 20 آذار عام 2024، أقر مجلس الشعب السوري آنذاك، مشروع قانون يعدل فيه بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 65 لعام 2013 وتعديلاته، الناظم لأحكام استقدام وتشغيل العاملات في المنازل من غير السوريات، ليصبح قانوناً نافذاً.

ووفقاً لما صرح به وزير الشؤون الاجتماعية والعمل “لؤي المنجد” آنذاك، جاء التعديل بهدف توفير الحماية القانونية للعاملات اللواتي دخلن القطر عن غير طريق المكاتب المرخصة أو تجاوزت مدة إقامتهن الأربع سنوات، إضافةً إلى تشديد الغرامات ورفع بدلات الترخيص بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي حينها.

أما على صعيد الجنسيات المسموح باستقدامها، أوضحت المصادر لرسمية حينها وأصحاب المكاتب المرخصة، أن الاستقدام كان يقتصر سابقاً على العاملات الفلبينيات والإندونيسيات، قبل ان يسمح لاحقاً بجنسيات أخرى، من بينها السيرلانكية، الهندية، الكينية، الأوغندية، وبعض الجنسيات الإفريقية. وذلك ضمن ضوابط تحددها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

اقرأ أيضاً: في محافظة اللاذقية.. المكياج في قفص الاتهام والقانون خارج القاعة

الوضع القانوني للعاملات المنزليات الأجنبيات في القانون السوري

يُنظم عمل الأجانب في سوريا بشكل عام، قانون العمل الموحد رقم 91 الصادر  عام 1959. وقد خص الفصل الخامس منه هذا الموضوع، لا سيما المادتين 35 و36.

تنص المادة 35، على جواز مزاولة الأجانب لأي عمل صناعي أو تجاري أو زراعي أو مهني، بما في ذلك الخدمة المنزلية، بشرط الحصول على ترخيص من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وأن يكون الأجنبي مصرحاً له بالإقامة في سوريا، مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل.

أما المادة 36، فتحيل إلى الشروط والإجراءات التنفيذية للحصول على ترخيص العمل، والتي نظمها القرار رقم 124 لعام 1981. ويحظر هذا القرار على أي صاحب عمل تشغيل أجنبي دون ترخيص، أو تشغيله في مهنة أو محافظة غير المحددة في الترخيص. ويعاقب مخالفو هذه الأحكام، وفق المادة 219 من قانون العمل، بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر، أو الغرامة، أو بكلتا العقوبتين.

إلى جانب ذلك، شكل المرسوم التشريعي رقم 65 لعام 2013، الإطار الخاص باستقدام وتشغيل العاملات المنزليات من غير السوريات، حيث اشترط الاستقدام حصراً عبر مكاتب مرخصة، وتوقيع عقود عمل رسمية، والحصول على الموافقات الأمنية، وتأشيرات الدخول. إضافةً إلى فحوص طبية تضمن خلو العاملة من الأمراض المعدية.

كما حدد المرسوم مدة الإقامة القصوى بأربع سنوات، وعدلها قانون 2024، عبر آليات تسوية وغرامات. كما تلزم الأنظمة النافذة  المكاتب بتأمين سكن مؤقت للعاملات، وتسجيل أي تنازل عن خدمات العاملة لدى إدارة الهجرة والجوازات، تحت طائلة غرامات مالية تصل إلى ثمانية ملايين ليرة سورية، فضلاً عن مسؤولية المستفيد عن العاملة طيلة فترة العقد.

العمالة الأجنبية بعد تعديلات 2024.. حماية قانونية أم تنظيم متأخر

بعد مصادقة مجلس الشعب في 20 آذار 2024، على تعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 65 لعام 2013 وتعديلاته. بدا أن المشرع السوري يحاول رسم حدود واضحة لاستقدام ووجود العاملات المنزليات الأجنبيات في البلاد. من خلال توسيع صلاحيات الدولة في الاستقدام، ورفع بدلات الترخيص، إضافةً إلى تشديد الغرامات، وإدخال آليات تسوية لوضع العاملات اللواتي تجاوزن مدة الإقامة المسموح بها.

من الواضح أن هذا التعديلات لم تكن مجرد رفعة إجرائية في رسوم أو غرامات، بل جاءت في سياق حديث عن “حماية قانونية” للعاملات أنفسهن، وفق ما أكد وزير الشؤون الاجتماعية والعمل حينها. لكن مع ذلك يظل السؤال القانوني والعملي معلقاً حول: ما إذا كانت هذه التعديلات قد قاربت بالفعل الثغرات الأساسية في الإطار التشريعي، أم أنها جاءت في توقيت متأخر عن حاجة السوق ومستجيب لضرورة تنظيم استقدام العاملات فقط على مستوى المكاتب المرخصة من غير ضمانات تنفيذية قوية لحمايتهن.

في الواقع، لا تزال الفجوة بين النصوص القانونية والممارسات على الأرض واضحة حتى بعد ما يقارب السنتين من صدور التعديلات، بين الشروط الرسمية لاستقدام العمالة المنزلية، وواقع حياة عمل متشعب، وبين الضمانات التي تبدو مثالية في نصوص القانون وبين آليات تنفيذ وإشراف متأخرة في الميدان. تطرح تساؤلات جدية لا تقتصر على مسألة التنظيم القانوني وحده، بل تمتد إلى مدى فعالية هذه التعديلات في تحقيق حماية حقيقية للعاملات ومستخدميهن. في مجتمع ما يزال يعيد ترتيب أولوياته بعد سنوات الصراع والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

بالمحصلة، تكشف جريمة قتل “هدى شعراوي”، بما حملته من صدمة إنسانية ورمزية، عن فجوة أوسع من مجرد فعل جنائي. فهي تضع منظومة تشغيل العاملات المنزليات الأجنبيات في سوريا تحت مجهر المساءلة، بين نصوص قانونية موجودة وتطبيق متعثر. وبين حاجات اجتماعية واقتصادية بمقابل هشاشة إنسانية وقانونية.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.