اخبار مصر

جماعات ما دون الدولة.. شبح السيادة أم نتاج انهيارها؟

جماعات ما دون الدولة.. شبح السيادة أم نتاج انهيارها؟

بقلم: ريم ريّا

تعرف جماعات ما دون الدولة Non-State Actors (NSAs)، بأنها فواعل مسلحة أو تنظيمية لها قدرة مستقلة، قادرة على فرض السيطرة أو التأثير خارج إطار سلطة الدولة، وتنافسها على احتكار القرار وصنعه بشقيه الأمني والاقتصادي. ازداد ظهور تلك الجماعات خلال العقدين الماضيين على مستوى العالم، لكن الشرق الأوسط كان المسرح الأوضح لتوسعها، تحديداً بعد عام 2011.

في سوريا، شكّل عام 2012 نقطة تحوّل لاسيما مع دخول تنظيم القاعدة إلى البلاد، ممثلاً بما يعرف بتنظيم الدولة “داعش”، وما تبع ذلك من ظهور فصائل مسلحة متعددة بعضها تلقى دعماً مباشراً أو غير مباشر من قبل قوى خارجية، قبل أن يتم دمج معظمها لاحقاً ضمن التشكيلة العسكرية للدولة اليوم.

مع ذلك، ما زالت سوريا تعاني حتى الآن من استمرار “جماعات ما دون الدولة” بأشكال متعددة، سواء كانت تنظيمات عابرة للحدود أو كيانات محلية لها طابع عسكري أو سياسي، مثل “تنظيم قسد” أو المجلس العسكري الذي شكّل في السويداء العام الماضي 2025 أو ما يعرف باسم “الحرس الوطني” المرتبط بحكمت الهجري.

ليبقى السؤال: هل جماعات ما دون الدولة عرض للأزمة أم جزء من بنيتها؟، أم أنها بمثابة انفجار مؤجل ليس إلاّ، أو استثناء توجده المصالح الخارجية؟ سنحاول في هذا المقال الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها من الاستفسارات ذات الصلة.

أسباب نشوء جماعات ما دون الدولة في البلدان عامةً وسوريا خاصةً

في الحقيقة، لا تنشأ جماعات ما دون الدولة عادةً بوصفها ظواهر معزولة أو طارئة، بل تظهر في سياقات تتسم بتآكل قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة، سواء بسبب نزاعات داخلية طويلة، أو انهيار مؤسسات الحكم، أو تدخلات خارجية أعادت رسم موازين القوى داخل المجال الوطني.

وفقاً لهذا السياق يرى الباحث “ستاثيس كاليڤاس” في بحثه “The Logic of Violence in Civil War” عام 2006، أن الجماعات المسلحة غير الحكومية غالباً ما تتشكل في المناطق التي تتراجع فيها سلطة الدولة، حيث يؤدي غياب القوة الشرعية إلى خلق بيئات تسمح لفاعلين محليين أو عابرين للحدود بملء الفراغ الأمني والسياسي.

كما تشير الدراسات الحديثة، إلى أن نشوء الجماعات لا يرتبط فقط بالفراغ الأمني، بل يتداخل مع عوامل اجتماعية واقتصادية وأيديولوجية. فحسب تحليل ” RAND Corporation” في تقريرها عام 2019، حول الفاعلين المسلحين غير الدول، فإن الحروب الممتدة تخلق ما يعرف “بديناميات التكيّف”، حيث تطوّر الجماعات المسلحة هياكل تنظيمية واقتصادية خاصة بها، لتمكنها من الاستمرار حتى في ظل تغير موازين القوى.

جماعات ما دون الدولة، لا تكتفِ بممارسة العنف، بل تدخل في إدارة الموارد المحلية، وتفرض أحياناً أشكالاً من الجباية وتبني شبكات ولاء اجتماعي، ما يجعلها الأقرب إلى كيانات شبه سلطوية تنافس الدولة على وظائفها الأساسية.

في الشرق الأوسط، يتضاعف هذا المسار بفعل العامل الخارجي، فدراسات عديدة من بينها “Non-State Armed Actors in the Middle Eastعام 2018، تؤكد أن معظم جماعات ما دون الدولة في المنطقة لم تتشكل بمعزل عن دعم إقليمي أو دولي، سواء كان دعماً عسكرياً مباشراً، أو سياسياً أو عبر تسهيلات لوجستية واقتصادية. هذا الدعم لا يمنح القدرة لتلك الجماعات على البقاء فحسب، بل يشكل عملية تبلور لأيديولوجيات عابرة للحدود، تجعل من تلك الجماعات أقل اندماجاً في السياق الوطني، وتجعلها أكثر استعداداً لمنافسة الدولة.

أما في السياق السوري، فقد تكاثفت كل أسباب نشوء “جماعات ما دون الدولة” مع بعضها. فمنذ عام 2012، أدى تراجع سيطرة الدولة على أجزاء واسعة من البلاد إلى جانب تعدد خطوط النزاع، إلى خلق بيئة مثالية لظهور جماعات مسلحة متنوعة، تختلف في مرجعيتها وأهدافها، لكنها اشتركت في كونها فواعل ما دون الدولة. مع مرور الوقت في سوريا واشتداد الصراع وتَفسخ الخريطة السورية، لم يعد وجود تلك الجماعات مرتبطاً فقط بالصراع العسكري، بل بات جزءاً من بنية أزمة أعمق تتعلق بتآكل العقد الاجتماعي، وتفكك السلطة في البلاد، وغياب مسار سياسي جامع قادر على ضبط الوضع.

اقرأ أيضاً: لا ديمقراطية في سوريا إلاّ إذا كُسرت “اللعنة”!

النفوذ العسكري والاقتصادي لجماعات ما دون الدولة في سوريا

تُظهر البيانات المتقاطعة الصادرة عام 2023 عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام SIPRI،  ومشروع ACLED لرصد النزاعات المسلحة عام 2024، أن جماعات ما دون الدولة في سوريا وصلت إلى مرحلة كونها فاعلاً مادياً لا يمكن اختزاله بوصف أمني فقط.

كما تشير تقديرات الأمم المتحدة حتى نهاية عام 2024، إلى أن عدد المقاتلين المنضوين تحت جناح جماعات مسلحة غير حكومية داخل الأراضي السورية يتراوح بين 180 ألفاً و220 ألف مقاتل. موزعين بين فصائل محلية، وتشكيلات ذات ارتبط خارجي وتنظيمات عابرة للحدود.

بدورها تشير خرائط النزاع آنذاك، أن لتلك الجماعات نفوذاً مباشراً أو غير مباشر على نحو 35 إلى 40 %من الجغرافيا السورية بدرجات متفاوتة من السيطرة، لكن مع قدرة واضحة على تعطيل سيادة الدولة حتى في المناطق التي لا تديرها اقتصادياً وإدارياً.

كما أن الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بهذه الجماعات، بما في ذلك الجباية المحلية، التهريب، السيطرة على المعابر غير الرسمية، واستغلال الموارد، ولّدت عائدات سنوية تتراوح بين 1.3 و1.9 مليار دولار. في الشمال الشرقي وحده، تشير تقارير International Crisis Group (2023) إلى أن الجماعات المسلحة المرتبطة بإدارة الأمر الواقع سيطرت على ما يقارب 70% من إنتاج النفط السوري خلال الأعوام الماضية، بعائدات سنوية قدرت بين 800 مليون ومليار دولار في سنوات الذروة، حتى مع تراجع الإنتاج.

أما عن الإنفاق العسكري، فقدرت دراسة RAND Corporation (2019) أن كلفة تشغيل الفصائل المسلحة غير الحكومية في سوريا، من رواتب وتسليح ولوجستيات، تجاوزت 2.5 مليار دولار بشكل سنوي، عند احتساب الدعم الخارجي المباشر وغير المباشر.

كانت خريطة السيطرة والنفوذ في سوريا بعد سقوط النظام السابق 8 كانون الأول 2024، تتوزع بين مناطق الحكومة الجديدة التي تسيطر على 69.3% من مساحة البلاد، وبين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي كانت تسيطر على 27.8%، فيما توزعت باقي المساحة بين ما يسمى بـ”قوات الحرس الوطني” في السويداء التي تسيطر على 2.8%، إضافة إلى وجود 0.1% يحتلها “كيان الاحتلال الإسرائيلي”.

في وقتٍ سابق، شكلت نسبة سيطرة قسد قبل سقوط النظام 25.68%، وسيطرت “قسد” على مساحة جغرافية تتركز بالكامل تقريباً شرق نهر الفرات، وهي تقارب 51.961 كيلومتر مربع. تمتد هذه المناطق من المثلث الحدودي مع العراق وتركيا، مروراً بكامل محافظة الحسكة، وتشمل سيطرة كاملة محافظة على الرقة باستثناء بعض المناطق قبل استرجاعها من قبل الدولة السورية في 17 كانون الثاني الجاري من العام الحالي 2026.

وتتضارب الأرقام بشأن عدد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، وكانت “قسد” تتحدث عن امتلاكها لنحو 100 ألف مقاتل قبل انسحابها من الرقة ودير الزور. فيما تشير تقارير متنوعة ومن بينها تقديرات البنتاغون لعام 2017 إلى أن عددها كان يتراوح بين 45 و50 ألف مقاتل. كما تشير تقارير إلى أن عدد مسلحي “الحرس الوطني” في السويداء ما بين 4000 إلى 5000 مقاتل.

وقد حذر رئيس المخابرات العراقية “حميد الشطري“، من عودة خطر تنظيم داعش، مشيراً إلى أنه يرى نمواً كبيراً في عدد مقاتلي التنظيم في سوريا. وقال “الشطري” في مقابلة أجرتها معه صحيفة واشنطن بوست الأميركية إن عدد مقاتلي التنظيم في سوريا ارتفع من نحو ألفي مقاتل إلى 10 آلاف مقاتل في غضون عام واحد فقط. وهذا الرقم يفوق ما جاء في أحدث تقرير لمجلس الأمن الدولي، والذي قدَّر عدد أعضاء التنظيم في سوريا والعراق مجتمعين بنحو 3 آلاف مقاتل حتى شهر آب من العام الماضي 2025.

أما عن تعامل المجتمع الدولي مع جماعات ما دون الدولة، فهو تعامل براغماتي انتقائي، تحكمه اعتبارات الأمن أكثر من مبادئ السيادة. فبينما يصر الخطب الرسمي للأمم المتحدة على مركزية الدولة الوطنية، تُظهر الممارسات العملية تعاملاً مع فاعلين خارج كنف الدولة، وينظر لهم أحياناً كأدوات “للضرورة الأمنية” أو شركاء “ظرفيين” في مكافحات تهديدات أمنية في مقدمتها تنظيم الدولة “داعش”.

في هذا السياق، مثلت “قسد” في سوريا حالة نموذجية، إذ حظيت بدعم عسكري وسياسي ومالي مباشر من أمريكا القائدة للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة. وعلى الرغم من كون “قسد” وما تزال حتى اليوم “كياناً ما دون الدولة”، إلا أن الكونغرس الأمريكي أقرّ ضمن قوانين الموازنة الدفاعية السنوية منذ عام 2016، تخصيص أجزاء من ميزانية وزارة الدفاع لتمويل برامج “التدريب والتجهيز” لقسد، تحت بند مكافحة الإرهاب والاستقرار المحلي في شمال شرق سوريا. وهو ما دفع كثيرين ممّن يبنون تحليلاتهم على نشرات الأخبار وليس على القراءة الاستراتيجية، لاعتبار أنّ دعم أمريكا لقسد غير محدود ولا يمكن أن تسمح بانسحابها من الرقة ودير الزور، وهو ما ظهر الخطأ فيه الأيام الماضية.

المجتمع الدولي لا يمنح تلك الجماعات شرعية قانونية كاملة، لكن بنفس الوقت يمنحها اعترافاً “وظيفياً” محدوداً، يربط وجودها بدورها المحدد، من دون معالجة فعلية لتأثير وجودها على سيادة الدولة ووحدة أراضيها.

سبل التعامل.. التفاوض أم الصراع العسكري

لقد رأينا أن الجماعات المسلحة من غير الدول قد تقتنع من خلال الحوار وحملات التوعية بضرورة العمل وفقاً للمعايير الدولية. ومن أحد الأمثلة على ذلك معاهدة الحد من استخدام وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد عام 1997. ومن خلال الاستخدام الشامل لأسلوب الحوار من قِبل منظمة نداء جنيف، وقعّت عدد من الجماعات المسلحة من غير الدول صكوك الالتزام التي تلزمهم بنصوص المعاهدة المذكورة.

كما قدّمت النرويج المساعدة في المشروع الريادي لمنظمة نداء جنيف، حيث يستهدف هذا المشروع الجماعات المسلحة من غير الدول بالإضافة إلى حماية النساء والفتيات في النزاع المسلح. وفي اجتماع انعقد في كانون الأول 2010، اجتمع أعضاء ثمان جماعات مسلحة آسيوية لمناقشة العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات والتزمت تلك الجماعات بالعمل نحو الامتثال للمعايير الدولية حول هذه القضية.

ووفقاً لتقارير إعلامية ونتائج خلصنا إليها من خلال البحث، أن التجارب المقارنة في النزاعات المعاصرة مع جماعات ما دون الدولة تظل محكومة بمعادلة مُركبة تتجاوز ثنائية الحسم العسكري أو التسوية السياسية.

بعد نهاية الحرب الباردة، تم تحليل 80 حالة صراع مع جماعات مسلحة غير حكومية، وخلصت النتائج إلى أن نحو 30% من هذه النزاعات لم تنتهِ بحسم عسكري كامل، مقابل 40% منها انتهت عبر تسويات سياسية، أو ترتيبات دمج تدريجي، أو تفكيك وظيفي لتلك الجماعات داخل مؤسسات الدولة. ومن خلال عمليات البحث، تبيّن أن الاعتماد الحصري على القوة مع هذه الجماعات، غالباً ما يؤدي إلى إعادة إنتاج جماعات أخرى بصيغ جديدة، في حال بقاء بيئات سياسية واقتصادية حاضنة لها.

في الشق السوري، المعادلة أكثر تعقيداً بسبب التداخل المحلي والإقليمي والدولي. فالتطور الأخير المتمثل في إعلان الحكومة السورية تمديد مهلة وقف إطلاق النار مع قسد لمدة 15 يوماً، دعماً للعملية الأمريكية لنقل سجناء تنظيم “داعش” من سجون قسد إلى العراق، يعكس نمطاً عملياً من إدارة الصراع قائم على الاحتواء المرحلي بدلاً من استمرار المواجهة المفتوحة.

بحسب بيان وزارة الدفاع السورية، يأتي التمديد في إطار تفاهم أوسع يشمل استكمال البحث في مستقبل دمج المؤسسات الكردية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة، بعد انتشار القوات الحكومية في مناطق واسعة شمال وشرق البلاد وانسحاب قسد منها.

في الواقع، حتى ولو كان هذا المسار مؤقتاً وهشاً، فإنه يوضح أن طرح التفاوض هنا ليس بديلاً نهائياً عن الدولة، بل أداة انتقالية لتقليص كلفة العنف ومنع أي فراغ أمني يمكن أن تستغله داعش، التي عادت لتكثيف نشاطها في بعض المناطق مستفيدةً من هشاشة الترتيبات القائمة.

بالمحصلة، التجربة السورية أوضحت أن الحل في هذه البلاد لا يكمن في الصراع الشامل ولا في التسويات المتجزأة وحدها، بل بمزيج من الاحتواء السياسي ومعالجة الجذور البنيوية لنشوء النزاع، مع الأخذ بعين الاعتبار الرعاة الخارجيين لتلك الجماعات سواء “قسد” أو غيرها. فالمعالجة الحقيقية للجذور شرط لا غنى عنه وإلا ستبقى البلاد تحت رحمة إعادة تدوير العنف، مهما تغيرت الأسماء وتبدلت خرائط السيادة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.