لم يغب مشهد الحرائق عن الساحل السوري منذ بداية هذا العام، إذ تعرض لسلسلة عنيفة قضت على مساحات كبيرة من الغطاء النباتي الذي لف تلك الجبال وحمى البلد منذ آلالف السنين من التغيرات المناخية القاسية، ومع امتداد هذه الحرائق وتكرارها أصبحت الرئة السورية في حالة اختناق سنشهد تأثراتها خلال السنوات القادمة من جفاف، وقلة الأمطار، ونقص في الأمن الغذائي، لذا في هذا المقال سنستعرض مجموع الحرائق التي تعرضت لها الغابات السورية خلال هذا العام.
بداية الحرائق في هذا العام
كانت بداية الحرائق في غابات الساحل السوري وأكبرها في 3 حزيران، واستمرت حتى 11 تموز تم فيها القضاء على مساحة بحوالي 6 آلاف هكتار بحسب مديرية الزراعة في اللاذقية، بينما أعلن وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح أن الحرائق دمرت مئات الآلاف من الأشجار على مساحة تقارب 10 آلاف هكتار.
بذلت الحكومة السورية جهود كبيرة لإخمادها الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة السورية لإخمادها، والتي وصل عدد بؤرها إلى عشر نقاط في محافظتي اللاذقية وطرطوس.
وقد سجل يومي 6 و9 تموز أكثر الأيام نشاطاً ، إذ كانت الحرائق تمتد على ثلاثة محاور رئيسية: محور قسطل معاف، محور ربيعة، ومحور الغسانية والكشيش، وانتشرت النيران بسرعة لتطال مناطق سرايا والمزرعة وبيت صبيرة والخضراء والرمادية والمحمودية والحبشة وبسقيين والحسينية وبيت عوان والميدان والشقراء وبيت حليبية ودرويشان وبيت قدار والتفاحية.
وفي محافظة اللاذقية، سجّل هذا الموسم 17 حريقاً في عدة قرى وبلدات، من بينها وادي باصور وشلف وكفرتة واسطامو وأطراف والمشرفية ووريثة الحجل وعين اللبن وحميم ورأس العين وفنجرة والدغمشلي والرقيق والعيدو وبسيسين، إلى جانب اللواء العسكري 107، أما في محافظة طرطوس، فقد اندلعت حرائق في قريتي النقيب والغنيمة، إضافة إلى حريقين آخرين في ريف حماة على الطريق بين قبر فضة والرصيف، في حين أشار “البرنامج السوري للتغير المناخي” عبر بيان له أنه منذ بداية عام 2025 تم تسجيل أكثر من 3000 حريق.
أما طبيعة الحرائق، فلم تكن ثابتة، بل متغيرة بحسب العوامل الطبيعية والبشرية، فسرعة الرياح واتجاهها ساعدت اللهب على الانتشار بسرعة من منطقة إلى أخرى، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة ذات التضاريس الحادة والتلال المرتفعة والوديان العميقة، ما أعاق وصول فرق الإطفاء إلى بعض المراكز.
وقد شاركت 62 فرقة من الدفاع المدني السوري وفرق الإطفاء، إلى جانب الهلال الأحمر السوري، في جهود الإخماد، بالإضافة إلى مساهمات دولية، فقد أرسلت تركيا 11 آلية وطائرتين مروحيتين، بينما أرسلت الأردن طائرتين ومركبات إطفاء وطواقم متخصصة، وشاركت لبنان بطائرتي إطفاء، إلى جانب دعم قبرص للجهود الإقليمية في إخماد الحرائق الحراجية في سوريا.
عودة الحرائق في شهر آب
عادت الحرائق للاندلاع في مناطق جديدة منذ خمسة أيام في 12 آب في جبال وقرى سهل الغاب بريف حماة الغربي، فقد قضت النيران على بلدات فقرو وعناب ومرداش، باتجاه الجنوب نحو طريق بيت ياشوط الرابط بين مدينتي حماة واللاذقية.
ويواجه الدفاع المدني السوري صعوبات كبيرة في السيطرة على الحرائق أبرزها شح مصادر المياه ووعورة التضاريس، مما يصعب إطفاء النيران، وبحسب سامر نصار، مدير مركز الدفاع المدني في السقيلبية، فإن سيارات إطفاء موجودة عند كل 100 متر على طول طريق بيت ياشوط، لضمان منع انتقال النيران من الغرب إلى الشرق، مشدداً على الجهود الكبيرة لمنع أضرار المدنيين أو منازلهم.
من جانبه، قال فريد العلي، أحد رجال الإطفاء في سهل الغاب، إن النيران اندلعت في مناطق وعرة جداً لا تصلها إلا فرق الإطفاء المشاة، وأضاف: “كان التعامل معها بأدوات بسيطة، ومع الرياح الشديدة لم يعد بإمكاننا السيطرة عليها بالكامل”.
وكانت قد رصدت فرق الدفاع المدني أربع بؤر حريق رئيسية وسط الجبال، أكبرها في بلدة فقرو، التي تشكل خطراً على انتشار الحرائق في قرى وجبال بيت ياشوط، المشهورة بطبيعتها الخضراء وتضاريسها المرتفعة.
وأكد المهندس عبد الستار العلي، مدير مؤسسة مياه حماة، أنهم استنفروا جميع المناهل في المنطقة وفقاً لمستوى المياه في الينابيع القريبة من الحرائق في سلحب ومصياف وشطحة، مشيراً إلى تفعيل أكثر من 25 منهلاً لدعم عمليات الإطفاء، وأضاف أن نقص مصادر المياه والطاقة يمثل أكبر تحديات فرق الإطفاء، إذ أن معظم المصادر هي ينابيع تعاني من انخفاض المناسيب، مثل نبع أبو قبيس ونهر البارد، مما يؤثر على تزويد الصهاريج بالمياه، إضافةً إلى محدودية الكهرباء ومجموعات التوليد لتشغيل المضخات.
في الوقت نفسه، هب أهالي مناطق الغاب للعمل جنباً إلى جنب مع الدفاع المدني لمنع امتداد الحرائق، وقال عبد الرحمن المحمد، من قرية نهر البارد، إنه كان من بين المتطوعين، وأشار إلى أن سيارات الأطفاء لم تتمكن من الوصول إلى بعض البؤر.
استمرار بعض الحرائق وتخوف من عودة بعض البؤر للاشتعال
ومتابعة لآخر تطورات الحرائق لليوم، تمكنت فرق الإطفاء من وقف تمدد النيران في غابات منطقة كسب، ووادي النبعين والشجرة، وقرب تلة النسر في ريف اللاذقية، رغم وجود بؤر ما تزال مشتعلة في وادي النبعين، تم التعامل مع هذه البؤر عبر مد خراطيم إطفاء لمسافة تزيد عن 1200 متر، أما في مناطق باب جنة ودير ماما بصلنفة، تم محاصرة النيران، والفرق مستمرة في عمليات التبريد والمراقبة، وفي مناطق بروما بجبل الأكراد، فقد توقفت النيران عن الامتداد، وجرى إخمادها، مع استمرار فرق الإطفاء في التبريد والمراقبة للتأكد من عدم تجددها.
وعلى محور ريف حماة الغربي، وبالتحديد في بلدة شطحة، توجد بؤر حرائق على قمم جبال مرتفعة، والفرق تعمل على عزلها ومراقبتها لمنع أي تمدد محتمل، بينما تم السيطرة على انتشار النيران في ناعورة جورين، والفرق مستمرة بعمليات المراقبة والتبريد، أما في بلدة المزحل، امتدت الحرائق باتجاه منطقة القشاطي، والفرق تعمل على منع أي توسع إضافي.
في حين تمت السيطرة على النيران على طول طريق بيت ياشوط وسط مراقبة مستمرة لمنع أي انتشار بسبب الرياح القوية، وكانت الحرائق قد ألحقت أضراراً بالمنازل يوم الخميس في عدة مناطق، منها بلدة شطحة وقرى عناب وأبو كليفون ومرداش بريف حماة.
اقرأ أيضاً: بعد حرائق غابات اللاذقية.. ما هي خطة وزارة الزراعة لتعويض الغطاء النباتي؟