بقلم: ديانا الصالح
في مشهد بات مألوفاً لمدينة حلب، يتجدد انقطاع المياه للأسبوع الثاني على التوالي قبيل عيد الفطر، ما يضع الأهالي أمام تحديات مادية ونفسية مضاعفة، فبدلاً من التفرّغ لتحضيرات العيد وتجهيز الأطفال، استنزف تقنين المياه وشراؤها من الصهاريج ميزانياتهم المنهكة أصلاً.
ويأتي هذا الانقطاع ليناقض تصريحات رسمية سابقة طمأنت بحل مشكلة انقطاع المياه في حلب، عقب اتخاذ إجراءات فنية نوعية، إلا أن الواقع يعكس صورة مغايرة تماماً، حيث يجد السكان أنفسهم مجدداً أمام أزمة تتكرر في أوقات حساسة، مما يثير تساؤلات حول مدى فعالية الحلول المُعلنة وقدرتها على الصمود.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
انقطاع المياه في حلب
أثار انقطاع المياه في حلب موجة استياء لدى الأهالي، لا سيما أن الأزمة تتزامن مع قدوم عيد الفطر وتصاعد الحاجة للمياه، الأمر الذي يتجلى بوضوح في ملامح الأحياء التي اضطر سكانها للشراء من الصهاريج إلى جانب تقنين استهلاكهم واقتصاره على الاحتياجات الأساسية كالطبخ والتنظيف.
هذا الواقع لم يقتصر على المظاهر العامة في الأحياء، بل ينعكس مباشرة على الحالة النفسية للسكان، حيث أعرب مواطنون عن حزنهم لتكرار حالة الانقطاع سنوياً قبل أيام من العيد، وكأنها بمثابة عقوبة مقنعة لحرمانهم من الفرح.
وفي سياق التشكيك بالوعود والتطمينات الرسمية، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بانتقادات الأهالي للإجراءات المتبعة في حل أزمة انقطاع المياه في حلب، متسائلين عن مصير مولدات ضخ المياه التي كانت تستخدم خلال السنوات الماضية أثناء أزمات الكهرباء.
فيما يستنكر فريق آخر الاهتمام بالشكليات أكثر من الأساسيات، حيث ينتقد أبو محمد التوجه الحكومي نحو تحسين دوار القلعة على حساب مواضيع أكثر أهمية بالنسبة لحياة المواطن اليومية كالمياه والكهرباء، مستنكراً عدم تركيب طاقة بديلة لمحطات الضخ لا سيما الخفسة التي تمد حوالي 5 آلاف نسمة.
وعلى الرغم من إعلان مؤسسة مياه حلب، تنفيذ مجموعة من الإجراءات وأعمال الصيانة في عدد من الأحياء مثل الفردوس والحيدرية، مع توسيع شبكة قرية الخفسة، إلا أنها لم تُحدث أي فرق ملموس في وضعها، وفقاً لشهادات الأهالي.
مؤسسة المياه تدعو إلى التفهّم
أوضحت مؤسسة المياه في محافظة حلب أن أساس الأزمة يعود إلى الانقطاع المتكرر في التيار الكهربائي بمحطات المعالجة ضمن منطقة الخفسة، الأمر الذي أفضى إلى انخفاض مستوى المياه التي تُضخّ إلى الأحياء، مسلطة الضوء على الأثر المباشر للانقطاع الكهربائي ساعات طويلة على برنامج التزويد، بالتالي حصول اضطرابات كبيرة في وصول المياه.
كما أشارت المؤسسة إلى أن أحدث هذه الانقطاعات، تسبب بتوقف محطات المعالجة لمدة تتجاوز الثماني ساعات متتالية، مما أدى إلى وقوع خلل كبير في خارطة توزيع المياه على مختلف الأحياء.
فيما يعكس البيان تشابك الضغوط الخدمية في مدينة حلب، حيث تظهر بشكل جلي الأزمة الكهربائية التي تعانيها المنطقة إلى جانب تهالك البنية التحتية والظروف المعيشية القاسية، مما يجعل مهمة تلبية الاحتياجات الرئيسية من أكثر المهام مشقةً.
ورغم هذه التوضيحات الفنية التي تعزو سبب أزمة المياه إلى الكهرباء، تتعالى أصوات عدد من الأهالي وتأكيداتهم أن المياه لم تصل إلى هذا الحد من السوء قبل سنوات رغم عدم وجود الكهرباء نهائياً، مما يضع عدة علامات استفهام حول آلية التنسيق بين وزارتي الكهرباء والمياه وفعالية الخطط البديلة إن وجدت.
ومع تصاعد الشكاوى وكثرة التساؤلات، تبرز فجوة واضحة بين الواقع الميداني والتطمينات الرسمية السابقة، منها تصريح وزير الطاقة محمد البشير، الذي أكد انتهاء أزمة المياه بعد اتخاذ عدة إجراءات فنية لاستمرار التغذية، مشيراً إلى توصيل خط كهربائي احتياطي يمتد من سد تشرين حتى محطة البابيري.
الطاقة الشمسية حل استراتيجي
يُعتبر تشغيل محطات الضخ بالطاقة الشمسية أحد أبرز الحلول العاجلة للحد من مشكلة انقطاع المياه في حلب، وغيرها من المدن السورية التي تعاني من نقص حاد في إمدادات المياه نتيجة للاعتماد على المضخات الكهربائية.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى تنفيذ وزارة الطاقة مشاريع لضخ المياه باستخدام أنظمة الطاقة الشمسية، ولكنها اقتصرت على عدة مبادرات منها افتتاح محطة في العترب بريف حلب، إلى جانب حقل للطاقة الشمسية ضمن محطة العرشاني في إدلب.
ورغم أهمية تلك الخطوة إلا أن انتشارها لا يزال محدوداً، وفي ظل الحاجة المتصاعدة للكثير من المناطق المتضررة من الانقطاع الكهربائي وما يرافقه من انعكاس سلبي على إمدادات المياه، يبقى التساؤل حاضراً بقوة: لماذا لا يتم توسيع تلك المبادرات لتشمل المناطق الأكثر ضرراً؟
وفي ظل المطالبات بتوسيع هذه المشاريع، تبرز أهمية التحول إلى الطاقة البديلة لإيجاد حل مستدام لأزمة المياه في المناطق المتضررة، وتعقيباً على ذلك، يوضح الخبير في القطاع الكهربائي محمد خير بك، أن الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية في تشغيل محطات المياه، يمكن أن يوفر حلاً مزدوجاً وهو تقليص استخدام الطاقة التقليدية التي تتطلب تكاليف مرتفعة كالوقود من جهة، وإيجاد حل مجاني ومستدام للكهرباء بما يضمن استقلال محطات المياه واستمرارية التشغيل حتى في حال انقطاع الإمداد الكهربائي الحكومي من جهة أخرى.
كما يشير خير بك إلى استدامة الفوائد من الألواح الشمسية، فهي لا تحتاج إلى أعمال صيانة معقدة بل تقتصر على الحد الأدنى منها، حيث تدوم إلى نحو 25 عاماً دون أعطال، محفزاً على الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية نتيجة لما تتمتع به سوريا من مقومات مجدية كالإشعاع الشمسي العالي طوال العام لا سيما الأجزاء الشمالية الشرقية منها، بفضل موقعها الجغرافي.
تجارب خارجية
أثبتت عدة تجارب دولية أن الاعتماد على الطاقة الشمسية لمضخات المياه حلّ فعال ومستدام، أبرزها مدينة وابي في إثيوبيا، فبعد عطش دام سنوات نتيجة لارتفاع أسعار الوقود والنقص المتكرر في إمدادات المياه، عادت إليها مجدداً بفضل مضخة تعمل على الطاقة الشمسية.
وأدى هذا التحول إلى تدفق المياه يومياً نحو 26 نقطة توزيع، ليشكل نقلة نوعية في حياة مواطني المدينة الذين يصل عددهم إلى 17 ألف نسمة، مما وفر عليهم مشقة السفر لساعات لتأمين المياه، في مشهد يحقق الاستدامة وتكافؤ الفرص أيضاً.
يمكن الاستفادة من تجربة إثيوبيا لتحقيق جدوى شاملة وواسعة النطاق، وذلك يحتاج إلى دراسات دقيقة وسياسة وطنية شاملة، قادرة على التخطيط والتنفيذ وفق جدوى اقتصادية واضحة، بالاشتراك مع القطاع الخاص والمجتمع المحلي أو بمساعدة المنظمات الدولية.
تبقى مسألة الخروج من أزمة انقطاع المياه في حلب، رهينة التنسيق المتكامل بين الجهات المعنية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية بتنفيذ مشاريع أنظمة الطاقة الشمسية على نطاق أوسع، عبر إشراك القطاع الخاص والمجتمع المحلي، مع ضمان إرفاق الحلول الإسعافية بأسس طويلة المدى لتحقيق الاستدامة وتكافؤ الفرص.
اقرأ أيضاً: مذكرتا تفاهم في مجال الطاقة ترسمان مستقبل التعاون السوري المصري