بقلم: ديانا الصالح
تعاني أحياء عدة في محافظة دير الزور من أزمة مركبة تشمل سوء الخدمات الرئيسية وتدهور الوضع المعيشي، وسط ما يصفه الأهالي بالإهمال الحكومي الواضح، مشيرين إلى أن الوعود الرسمية بقيت حبيسة الورق دون أي تنفيذ فعلي، وفي هذا السياق، يثور تساؤل ملحّ: هل باتت الفجوة بين الأهداف الإعمارية المُعلنة والواقع الخدمي في دير الزور غير قابلة للردم؟ أم أنّ التعافي والمضي قدماً يحتاج من الوقت والجهد أكثر ممّا يمكن تخيّله؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
تردي الواقع الخدمي في دير الزور
في توصيف الواقع الخدمي في دير الزور تقول المواطنة (رؤى.ع) “لسوريا اليوم 24”: “الوضع في المنطقة صعب جداً من مختلف النواحي، مع وجود تفاوت نسبي بين الأحياء خدمياً، فهناك عائلات تعيش أحوالاً ميسورة مقابل آخرين لا يستطيعون تأمين لقمة عيشهم”.
وتوضح رؤى أن خدمة المياه هي الوحيدة مقبولة حالياً، رغم تباين جودتها بين المناطق، فهي مقبولة ضمن مناطق الرديسات وسينما فؤاد وستة إلا ربع إضافة إلى الجبيلة والموظفين، بينما تعاني مناطق أخرى من انقطاعات طويلة وأعطال مزمنة في الكهرباء والمياه مثل الشيخ ياسين والعرضي وأحياء في الميادين وغيرها من الأماكن التي تفتقر لخطوط المياه الرئيسية.
وبما يخص ملف الطرقات فجميعها متهالكة، يسودها الغبار صيفاً وتتحول إلى مجمع للسيول والبرك المائية شتاءً، مما يجعلها عبئاً كبيراً على معيشة الأهالي لا سيما عند هطول الأمطار التي تشلّ حركة الأسواق، مستشهدة بما خلّفته الهطولات الأخيرة، حيث امتلأتِ الشوارع بالوحل والبرك نتيجة غياب شبكة التصريف السليمة، إضافة إلى حاجتها للصيانة من الحفر الكثيرة المهددة للسلامة العامة، وتشير رؤى إلى معاناة أصحاب السيارات من كثرة التصليحات خاصةً تلك المستخدمة للعمل، مما أثقل كاهلهم بمصاريف زائدة في ظل غلاء لم يعد يُحتمل.
علاوة على ذلك، تضيف المواطنة أن غلاء الأسعار حرم الأهالي من أبسط مقومات الحياة، معربة عن حزنها لما آل إليه حالهم، بقولها: “دير الزور من أغنى المناطق بثرواتها ولكنها تعاني فقراً شديداً لا يعكس هذا الغنى، حيث يضطر الأهالي للاستغناء عن احتياجاتهم الأساسية أو تقنينها للبقاء”، وتتابع: “الأسعار ملتهبة وتفوق قدرتنا المادية، حتى بتنا نسأل عن السعر ونمضي دون شراء نتيجة للفقر وانعدام فرص العمل”.
كما تتطرق رؤى إلى سوء النظافة، حيث يقتصر عمل سيارات البلدية على المكب فقط دون تنظيف الشوارع، قائلةً: “عملية التنظيف التي تقوم بها سيارات البلدية غير سليمة وتزيد الوضع سوءاً”، لافتةً إلى معاناة عمال النظافة الذين يعملون بأيديهم دون قفازات أو كمامات أو حتى ألبسة واقية مما يعرض صحتهم للخطر.
إضافة إلى ذلك، تؤكد رؤى وجود تمييز بين الأحياء، فهناك بعض العمال يقومون بتنظيف شوارع وحارات دون أخرى باستخدام عربية القمامة البدائية، معلقةً: “حق النظافة متاح لحارات دون غيرها”.
شكاوى متكررة دون استجابة أو اهتمام، هذا ما تصفه المواطنة في ختام حديثها: “تقدم الأهالي بشكاوى عديدة لكن دون جدوى، فإما أن تقابل بالتجاهل وعدم الاستقبال، أو باستجابة مؤقتة ليومين على الأكثر لمنطقة أو منطقتين ثم تعود القضية مجدداً إلى رفّ النسيان”.
تهالك الطرقات
تعاني دير الزور اليوم من شبكة طرقية متهالكة تملؤها الحفر والشوائب الفنية التي كشفتها الهطولات المطرية الأخيرة، ولا شك أن ذلك متوقع بعد سنوات طويلة من الحرب والعمليات العسكرية وما رافقها من مرور عربات ثقيلة زعزعت من متانتها وقدرتها على التحمل، مما يعكس خللاً بنيوياً قاتماً لا تكفيه الحلول الترقيعية التي لا ترقى لاسم حلول أو إدارة أزمة، في ظل تردي الواقع الخدمي في دير الزور بشكل يفوق التوقعات.
ولكن المفارقة التي تثير الجدل اليوم، تكمن فيما يصفه الأهالي بهشاشة الإصلاحات والفساد، حيث تحول الشارع الذي يمتد من جامع الصفا إلى كلية العلوم إلى مشهد مخزٍ من السيول كغيره من الأزقة، رغم كونه الوحيد الذي حظي بأعمال صيانة وتعبيد عقب التحرير، مما يعكس وجود مشاكل فنية قد تكون ناجمةً عن رداءة مواد الصيانة أو انعدام المسؤولية والشفافية في تطبيق مشاريع التأهيل، وفقاً لما يراه ناشطون محليون.
فيما ينتقد متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي الاستجابة الضعيفة من قبل الجهات المعنية مع غياب الخطط المسبقة لتلافي هذه المخاطر، رغم تكرارها ومعرفة الأسباب الكامنة وراءها، والتي يتمحور أبرزها في انسداد المصارف الصحية، وتراجع متانة الطرقات وانحدارها بشكل معاكس لاتجاه الصرف، فضلاً عن افتقار المحافظة للآليات والتجهيزات اللازمة، ما يمثل صورة أخرى للخلل الهيكلي والوظيفي الذي يعمق أزمة الواقع الخدمي في دير الزور، وفقاً لرأي خبراء الهندسة.
أما بالنسبة للمصيبة الأكبر فهي التعامل مع الحفر بردمها باستخدام تربة زراعية، كمحاولة من مجلس بلدية المدينة للحد من الأضرار التي خلفتها العاصفة، مما يكشف حجم المأساة الخدمية وقصور الحلول على مبادرات تفتقر لدراسة فنية أو بعد نظر لما يمكن أن تسببه هذه العملية من تفاقم للمشكلة عند أول زخات مطرية.
وهذا ما يؤكده الناشط المحلي قصي الأبكع، عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يشير إلى خطر تفاقم الأزمة بدلاً من حلها وضبطها، نتيجة لمبادرة مجلس المدينة بردم الحفر بالتربة، وهذا ما يعني أن تتحول تلك التربة إلى وحل يجري مع الأمطار إلى إلى المصارف الصحية، مما يؤدي إلى انسداد الشبكات وخلق مشكلة جديدة تزيد من حجم الأزمة الأساسية، مؤكداً أن هذا النوع من الإجراءات يجب تنفيذه وفقاً لإشراف وتخطيط هندسي قادر على دراسة وضع الطرقات وتقييم الحلول، لا سيما في ظل الوضع المتردي للبنية التحتية المتهالكة أصلاً.
ويشير الأبكع إلى وجود عدة حلول إسعافية منطقية، مثل ردم الحفر بواسطة الأنقاض المنتشرة ضمن المدينة ذاتها، أو من خلال فرش البحص الصغير مع إضافة مواد تزيد من تماسكها كالنفط الخام، منتقداً هذه الإجراءات بوصفها سريعة وغير مبنية على أسس هندسية فنية، مما يجعلها تحدياً جديداً أمام الأهالي مع أول هطول للأمطار.
الوضع الكهربائي والتوزيع العادل للثروات
وفقاً لشهادات الأهالي فهناك تحسن نسبي في بعض المناطق ولكنه لا يرقى لوصفه بالتعافي، بينما لا تزال أحياء أخرى تعاني انقطاعاً متكرراً لساعات طويلة، مما يعكس تفاوت الخدمة بين المناطق.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الطاقة السوري محمد البشير عودة الكهرباء إلى كلّ من حيّي خسارات والحمدانية بعد 9 سنوات من الانقطاع، وتجدر الإشارة إلى أن ذلك يعود لتنفيذ مشروع يستهدف تركيب شبكة توتر منخفض بطول يبلغ 5500 م.
إلا أن المثير للجدل هو تعليقات متابعين من سكان المنطقة على وسائل التواصل الاجتماعي بالتشكيك في التنفيذ الفعلي الشامل للحيين، مبينين أن ما حصل هو تحسين لإنارة شارع ليس إلا، وأن ما يُعرض على الإعلام طاقة شمسية حسب قولهم، فيما أشار آخرون إلى أن الكهرباء على الرغم من قساوة تقنينها إلا أنها أفضل قليلاً مما سبق.
وإلى ذلك، تعكس تصريحات التعافي المُعلن وما يقابلها من شكوك جماهيرية حول صحتها، حجم الفجوة التي خلفها سوء الإدارة المؤسساتية، التي قيدت المجتمع بسلاسل اختناق معيشي وخدمي، وفقاً لما يؤكد ناشطون محليون.
وعلى الرغم من كون دير الزور مصدراً مهماً للموارد النفطية إلا أن حصتها تقع في ذيل قائمة المخصصات الكهربائية، فهي أقل من 50 ميغاواط، وفي هذا السياق، يستنكر مراقبون تلك الحصة، معتبرين أنها لا تزيد عن حصة حي واحد من الأحياء الدمشقية، مؤكدين ضرورة توجيه الحصة الأكبر من العوائد النفطية للمحافظة والتي يجب ألا تقل عن 50% من إيرادات المعابر، لتسهم في إعادة إعمار المنطقة وتشجيع عودة النازحين وفقاً لرأيهم.
أما بالنسبة للتفاوت النسبي بالوضع الخدمي بين الأحياء، فيبدو ضعف الثقة بالسلطات المحية واضحاً عبر اقتراح متابعين لتشكيل “لجنة دولية” لضمان شفافية ملف إعادة الإعمار والتوزيع العادل للمشاريع بين المناطق دون تمييز، وذلك في حال التوجه الحقيقي للبناء بعيداً عن حبر الخطط والاتفاقيات المؤجلة.
لسنا بصدد مناقشة جمود ملف إعادة الإعمار والاتفاقيات المليارية المُعلنة، ولكننا سنسلط الضوء على الانتقائية التي يشعر بها الأهالي وفقاً لشكاويهم التي تلقينا بعضها، وتابعنا بعضها الآخر، مما يهدد بخلق فجوة راسخة سواء على الصعيد التنموي أو الاجتماعي، بدلاً من العمل على مبدأ تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للخدمات بما يضمن ترسيخ الأواصر الاجتماعية وتلاشي مخاطر الكبت الاجتماعي والاحتقان.
توصيات مقترحة
كما ذكرنا في الأعلى، توجد عدة حلول تتعلق باستثمار عائدات النفط التي لم تُوظف بعد فيما يخدم المحافظة، فوفقاً لرأي ناشطين محللين يُعتبر تخصيص نحو 30 إلى 50% من عوائد المعابر حقاً لمحافظة دير الزور، لتكون دفعاً حقيقياً لتوظيف الموارد المحلية لخدمة الأهالي.
وفي سياق متصل يبين الصحفي والناشط المحلي عامر هويدي عبر قراءة نقدية له على فيسبوك، أن دير الزور اليوم تقف على مفترق طرق إما الاستمرار في ذات الطريق المسدود بإدارة الأزمات وفقاً للأدوات البدائية، أو التوجه نحو الشفافية وتفعيل الطاقات المحلية لانتشال المحافظة من واقعها الخدمي المتردي والأمني المتذبذب بفعل الفوضى بين الحين والآخر.
كما يؤكد هويدي أن الأزمة في دير الزور تتعدى حدود الماديات، فهي تتطلب أيضاً إعادة هيكلة نظام الإدارة المحلية بالكامل، مع ضمان ترسيخ مبدئي الشفافية والكفاءة، إضافة إلى تعزيز دور المجتمع سواء في الرقابة أو المساءلة.
يبدو أن الواقع الخدمي في دير الزور يحتاج إلى سياسة استراتيجية قادرة على دمج الحلول الإسعافية لمساندة الأهالي في الوقت الحالي، والحلول طويلة المدى عبر وضع خطط مدروسة تهتم بالإنسان أولاً ثم الثروات، مما يشكل بداية حقيقية للتعافي وإعادة الإعمار.
اقرأ أيضاً: أسواق دير الزور بلا استقرار ومواطن مرهق بلا خيارات