روايات

رزق يختبر رئتيه: التبغ السوري بين جمر الكلفة وضباب السوق!

رزق يختبر رئتيه: التبغ السوري بين جمر الكلفة وضباب السوق!

الكاتب: أحمد علي

ليست حقول التبغ على السفوح الساحلية مجرد مساحات خضراء تُسقى بالعرق وتقاوم تقلبات المناخ، بل هي ذاكرة أماكن، ومصدر عيش لآلاف العائلات، ومؤشر حسّاس على علاقة الدولة بالسوق والريف معاً.. في تشرين الثاني 2025 تتزاحم الحكايات: فلاح يقول إن الموسم «ضارب»، وآخر يؤكد أن «المؤسسة» لم تحدد بعد آلية الاستلام كاملة، وثالث يهمس أن «لا دخان هذا العام». فما بين الشائعة والواقع، وما بين التاريخ والسياسة، تبدو زراعة التبغ في سوريا على عتبة انعطاف يمكن أن يضعها إما على طريق تعافٍ منظّم، أو في مهبّ مزيد من الارتجال.

زراعة التبغ في سوريا: جذور تمتد أربعة قرون

دخل التبغ إلى بلاد الشام أواخر القرن السادس عشر مع انتقاله إلى السلطنة العثمانية، وسرعان ما رسّخ حضوره في مناطق الساحل والجبال، حتى غدت اللاذقية اسماً عالمياً في عالم «التبغ المُدخّن» بفضل تقنيات التجفيف بالنار ورائحة الأخشاب العطرية التي تمنحه طابعه النادر.

وهذا الامتداد التاريخي ليس سردية رومانسية فحسب؛ فالتوثيق يذكر أن اللاذقية مُنحت في فترات عثمانية حقّ زراعة أصناف محددة، وأن الزراعة خضعت مبكراً لأنظمة احتكار وجباية، وهي ملامح حكمت علاقتها بالدولة حتى اليوم.

تَحوَّل تاريخ زراعة التبغ في سوريا لاحقاً إلى قاعدة لصناعة محلية وأصناف سبعة باتت مألوفة في الأسواق: شكّ البنت، التنباك، فرجينيا، برلي، بصما، بريليب، وكاتريني، وهذا التنوع يعكس اختلافات في السقاية والمذاق والاستخدامات الصناعية، ويظل ركناً من هوية المنتج السوري وقدرته على الاندماج في خلطات السجائر والأرجيلة.

موسم 2025: بين الشائعة والواقع

رغم ما يُتداول شعبياً بأن «الموسم خاسر» أو أن «لا دخان هذا العام»، تُظهر معطيات المحافظات الساحلية والوسطى صورة أكثر تعقيداً. في طرطوس، مثلاً، حُدِّدت خطة الموسم 2024–2025 بنحو 3000 هكتار بعل و300 هكتار سقي، وهي أرقام تدلّ على استمرار الزراعة وخضوعها لبرامج وزارة الزراعة، حتى مع تراجع الدعم المباشر الذي كان يُقدَّم سابقاً عبر بذار ومبيدات مدعومة، أي أن زراعة التبغ لم تنقطع، لكنها تتقلّص وتُدار بموارد أشدّ شحّاً.

والتراجع ملموس في الأرقام أيضاً، فصحيفة «الثورة» الرسمية وثّقت في تموز 2025 انخفاض المساحات المزروعة في طرطوس من 3370 هكتاراً في الموسم الماضي إلى 2986 هكتاراً هذا العام، ما يشي بتأثير تكاليف الإنتاج وتذبذب السياسات أكثر مما يشي بانعدام المحصول، أي بعبارة أخرى، لا صحة لاستنتاج «لا دخان هذا العام» كتعبير يوحي بالندرة، لكن هناك صحة لقلق «القليل من الدخان وبكلفة أعلى».

تكاليف تتصاعد وسوق يضيق

عصب الأزمة اقتصادي بامتياز، فارتفاع أسعار المازوت والأسمدة خلال 2024 ترك أثره الثقيل على كل الزراعة، والتبغ في المقدمة لأنه عملٌ كثيف اليد العاملة وطويل الدورة، ورفعُ سعر ليتر المازوت المخصص للقطاع الزراعي، وتغيّر أسعار الأسمدة بشكل متواتر، كبّلا المزارع بين كلفة لا يملك سوى تحمّلها وبين تسعير شراء قد لا يغطي الهامش المعقول للربح.

وهكذا، تتسع الفجوة بين الأجر الجسدي الذي تبذله العائلة، وبين العائد النقدي الذي تنتظره عند التسليم.

ويزيد المرارة ما تتحدث عنه تقارير محلية من تأخر في صرف مستحقات الموسم الماضي لدى بعض المناطق، وتضارب في إشارات الاستلام والتسعير، وهي مسائل عندما تتراكم تُنتج انعدام يقين يدفع صغار المزارعين إلى تقليص المساحات أو هجر الزراعة مرحلياً.

ومع دخول «الدخان المهرّب» إلى السوق المحلي بكثرة وكثافة عالية، تتعرّض حلقات التصريف الرسمية لاضطراب يضغط على سعر المنتج الوطني وجودته. وهذه الشهادات والآراء متداولة بكثافة في منصات محلية عديدة وصحف، وأغلبها يحمّل السياسات والتهريب قسطاً كبيراً من المسؤولية.

من احتكار الدولة إلى بوابة القطاع الخاص

تقليدياً، احتكرت المؤسسة العامة للتبغ (الريجة السورية) شراء المحصول وتسويقه وتصنيعه، وفي 2024 حدثت نقطة تحوّل تشريعية مع المرسوم التشريعي رقم 16 الذي أجاز للقطاع الخاص الاستثمار في صناعة التبغ وشراءه لأغراض التصنيع والتسويق.

أنصار الخطوة رأوا فيها محاولة لإدخال مرونة وتمويل وخبرة صناعية جديدة، بينما حذّر آخرون من احتمالات احتكارٍ خاصٍّ أو انتقال ريعٍ عامٍّ إلى أيدٍ محدودة إذا غابت الحوكمة.. الأكيد أن الباب فُتح، وأن أثره على زراعة التبغ في سوريا سيُقاس بقدرة الدولة على ضبط شروط المنافسة وحقوق المزارعين والتسعير الشفاف.

ولفكفكة معادلة السعر، نذكر أنه كانت قد رفعت الحكومة السورية أسعار شراء المحصول لموسم 2024–2025 أكثر من مرة. إذ أعلنت لائحة في كانون الثاني 2024 (ما قبل سقوط السلطة) بأسعار جديدة بحسب الصنف، ثم جرى تحديث أوسع في آب من العام نفسه. لكن رفع السعر وحده لا يحلّ معضلة الكلفة عندما تقفز مدخلات الإنتاج بوتيرة أسرع، كما لا يعالج مشكلة السيولة وسرعة تسديد المستحقات، أو تحديث خطوط التصنيع.

عقوبات تتبدّل… وقيود تبقى

مشهد العقوبات تغيّر جزئياً في 30 حزيران 2025 حين أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) إلغاء برنامج العقوبات الأميركية على سوريا واستبداله بإطار جديد، خطوة قد تُخفّف بعض القيود على المعاملات مستقبلاً، وإن بقي أثرها الفعلي رهناً بالتطبيق العملي وتدفّق التمويل والتقنية.

في المقابل، ما تزال عقوبات أوروبية تستهدف «المؤسسة العامة للتبغ» وغيرها قائمة، ما يعني أن سلاسل التوريد والتمويل ستبقى متشابكة التعقيد، ولن ينعكس أي انفراج سريعاً على حقول الفلاحين ما لم تُعالج حلقات المدخلات والتصنيع والدفع.

ما الذي يحتاجه المزارع الآن؟

المدخل العاجل في هذا الموسم يتلخّص بثلاثة مسارات متوازية. أولاً، تثبيت يقين التسويق عبر إعلان مبكّر وواضح لمواعيد الاستلام ودرجات التصنيف وآليات الطعن واللجان الفنية المتجولة، فالثقة المؤسسية تقلّل الكلفة الخفية للهواجس.

ثانياً، جعل التسعير مرآةً فعلية للتكاليف عبر صيغ متحركة تُراجع ربع سنوياً، بحيث لا يتآكل السعر بأسرع من ارتفاع المازوت والسماد وأجور اليد العاملة. وثالثاً، تسريع صرف المستحقات عبر قنوات دفع مضمونة وسقوف سحب معقولة، لأن السيولة هي الفرق بين موسم يستمر وموسم يتوقف.

على المدى المتوسط، تستطيع زراعة التبغ في سوريا أن تتنفس إذا انتقلت من منطق «موسم ومحصول» إلى منطق «سلسلة قيمة» عبر مشاتل محسّنة، خدمات إرشاد وتعاقدات زراعية عادلة، معامل أكثر كفاءة تلتزم معايير نقاوة وتتبّع، وحماية ذكية للسوق من التهريب عبر ضبط الحدود ومعاقبة المستفيدين من الفوضى، لا المستهلكين.

ومع دخول القطاع الخاص، يصبح الامتحان الحقيقي في الحوكمة، أي ضمان ألا تتحول المنافسة إلى «احتكار بديل»، وألا يُترجم تحرير الصناعة إلى تهميش المزارع، بل إلى شراكة تُكافئ الجودة وتخفّف المخاطرة.

في الختام نقول، إن عقدة العقد كانت وستبقى في المعادلة اليومية للفلاح؛ كلفة يمكن تحمّلها، وسعر يضمن الربح المعقول، وسوقٌ لا تلتهمه المهربات ولا تعرقله البيروقراطية.. وحين تستقيم هذه الأضلاع الثلاثة يهدأ القلق في الحقول وتسترد الورقة وزنها، فيعود التبغ رزقاً لا مغامرة، ويحيا الريف بكرامة لا بانتظار الوعود.. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظلّ الفلاح يقاوم بما تبقّى من صبر ويطالب بسياسات عادلة تعيد للموسم اسمه، ولعمله ثمناً يليق بتعب السنين.

اقرأ أيضاً: بعد تحذيرات الفاو في سوريا: الزراعة تتدخل بتسهيلات للمزارعين

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.