بقلم هلا يوسف
لا تزال تعاني محافظة درعا من أزمة نقص الكتب المدرسية على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الفصل الدراسي الثاني، مما حولها إلى عبء يومي بالنسبة للطلاب والأهالي. ففي الوقت الذي يفترض أن يحصل فيه كل طالب على كتبه منذ بداية العام الدراسي وتبديلها مع الفصل الدراسي الثاني، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين للبحث عنها في المستودعات والمكتبات الخاصة، أو اللجوء إلى طباعة نسخ مصورة بتكاليف مرتفعة، في ظل شح واضح بالكميات المتوفرة وظهور سوق سوداء ترفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
نقص حاد وطلب متزايد
أكد عدد من الأهالي في درعا أن النقص في الكتب المدرسية أدى إلى انتشار بيعها خارج المؤسسات الرسمية بأسعار مرتفعة نتيجة قلة المعروض. فبعض الكتب يتم بيعها بأسعار تتراوح بين 17 و27 ألف ليرة سورية، فيما تصل أسعار بعض الكتب الحرة إلى 35 ألف ليرة، وسجل في درعا بيع كتابي الاجتماعيات والتربية الإسلامية بسعر بلغ 65 ألف ليرة.
هذا الارتفاع الكبير دفع العديد من الطلاب إلى طباعة الكتب المفقودة على نفقتهم الخاصة، حيث تتراوح تكلفة طباعة الكتاب الواحد بين 20 و25 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ مرهق للأسر، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
توضيحات رسمية وأسباب أزمة الكتب
من جهته، أوضح مدير فرع المؤسسة العامة للمطبوعات والكتب المدرسية في درعا وائل الزعبي، أن تأمين الكتب لجميع المحافظات كان مهمة صعبة هذا العام، بسبب ضعف القدرة على طباعة جميع المناهج المطلوبة، إضافة إلى الزيادة الكبيرة في الطلب نتيجة عودة الطلاب المهجرين والنازحين.
وأشار الزعبي إلى أن معظم الإمدادات المرسلة من الكتب خلال النصف الثاني من العام الدراسي تم توجيهها إلى محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، بسبب الحاجة الملحة بعد تحرير مناطق الجزيرة السورية، إذ تم إرسال مليون نسخة إلى تلك المناطق. أما درعا، فقد وصلت إليها منذ بداية الفصل الدراسي الثاني حوالي 30% فقط من الحصة المخصصة لها، وهو ما لا يكفي لمواكبة أعداد الطلاب الفعلية. وأضاف أن هذه الكمية المحدودة توزع حسب الأولويات على المدارس، مع وجود خطة لتوفير باقي الحصص خلال الفترة القادمة بالتنسيق مع المؤسسة العامة.
وأوضح الزعبي أن توزيع الكتب الجديدة كان يتم سابقاً للصفوف الأول والثاني والثالث بالكامل، لأن الكتب المدورة غالباً ما تكون تالفة وغير مناسبة للأطفال الصغار، إلا أن ضعف الطباعة في السنوات الأخيرة أدى إلى الاعتماد على نسخ مدوّرة غير كافية، ما ساهم في تفاقم أزمة نقص الكتب الحالية.
وأشار إلى وجود عوائق لوجستية تعرقل عملية التوزيع، أبرزها عدم توفر آليات لنقل الكتب إلى المراكز الفرعية داخل المحافظة، وصعوبة تأمين هذه الآليات من الجهات الحكومية، عدا عن نقص العمال المكلفين بتحميل الكتب وتوزيعها، ما اضطر الموظفين الإداريين للقيام بهذه المهام.
بدوره، كان مدير المؤسسة العامة للمطبوعات، فهمي الأكحل، قد أوضح في تسجيل مصور بثته وزارة التربية والتعليم عبر “فيسبوك” في وقت سابق، أن المؤسسة تعمل على توزيع كتب جديدة في المناطق التي لم تتوفر فيها كتب مدورة سابقاً، إضافة إلى طباعة كتب جديدة للمواد التي شهدت تعديلاً كاملاً، مثل التربية الإسلامية والدراسات الاجتماعية والتاريخ والجغرافيا.
وبين الأكحل أن خطة المؤسسة تضمنت طباعة 24 مليون كتاب جديد، إلى جانب وجود 7 ملايين كتاب في المخازن، مع الاعتماد على الكتب المدور الصالحة لإعادة التوزيع، والتي تم استردادها من المدارس بعد التأكد من حالتها الجيدة.
حلول مؤقتة لا تسد الفجوة
ورغم تأكيد وزارة التربية حرصها على استمرارية العملية التعليمية وتوزيع أكثر من 24 مليون نسخة على مختلف المحافظات، بما فيها درعا، إلا أن الواقع في المدارس يعكس فجوة بين الأرقام المعلنة والاحتياج الفعلي. فقد اضطرت بعض المدارس إلى توزيع نسخ قديمة من الكتب بسبب عدم كفاية الجديدة لتغطية الأعداد المتزايدة من الطلاب، خاصة مع عودة أسر نازحة وأخرى كانت خارج البلاد.
وأفادت المؤسسة العامة للمطبوعات أن حاجة مدارس سوريا تتجاوز 40 مليون كتاب، وأنها تعمل على تلبية هذه الاحتياجات عبر الطباعة والاستفادة من الكتب المدورة الصالحة للاستعمال، في محاولة لترشيد الموارد وتغطية النقص.
انعكست الأزمة بشكل مباشر على الأسر، إذ باتت متابعة الدروس اليومية مهمة شاقة في ظل غياب الكتب. وذكرت أمهات في مدينة درعا أنهن يجدن أنفسهن مضطرات للبحث عن نسخ قديمة، أو الاعتماد على ما يرسله المعلمون عبر تطبيق “واتساب”، لمواكبة المنهاج الذي قد يختلف أحياناً عن نسخ الأعوام السابقة.
هذا الواقع يضع الأهالي تحت ضغط دائم خشية تأخر أبنائهم دراسياً، ويحول العملية التعليمية إلى عبء نفسي ومادي مضاعف، في وقت يفترض أن تكون فيه المدرسة مساحة للاستقرار والتعلم.
في النهاية، من المؤكد أن هناك تحديات كبيرة تواجه وزارة التربية والتعليم بخصوص الكتب المدرسية، لكن ما يطرحه الكثير من الأهالي هو توافر هذه الكتب في السوق السوداء، مما يعني وجود احتكار لها مع طرحها بطرق غير قانونية ورفع سعرها، وهذا يستوجب رقابة عالية من قبل الوزارة لضمان وصول الكتب إلى مستحقيها.
اقرأ أيضاً: إضراب الكرامة شمال سوريا: معلمو الشمال يطالبون بحقوقهم