شركات

سيناريوهات مقلقة .. ماذا لو توقفت حوالات المغتربين إلى سوريا؟

سيناريوهات مقلقة .. ماذا لو توقفت حوالات المغتربين إلى سوريا؟

بقلم: ديانا الصالح

تفرض التحديات الاقتصادية والمعيشية على السوريين الاعتماد بشكل متزايد على التحويلات المالية الخارجية التي يرسلها أبناؤهم وأقاربهم، لمساندتهم في مواجهة غلاء الأسعار وتلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل تآكل الأجور وتراجع القدرة الشرائية بفعل التضخم وغياب البدائل الاقتصادية المستدامة. ورغم أنّ هذا الأمر ليس بالجديد، فالسوريون في الداخل يعانون منذ سنوات ويعتمدون على الحوالات، ففي الوقت الحالي تزداد هذه الحاجة من أكثر من 38٪ من الشعب السوري.

في المقابل يتخوف المحللون الاقتصاديون من انعكاسات التوترات الإقليمية والتصعيد العسكري بين إيران وأمريكا على استقرار أسواق العمل في الخليج وأوروبا، مما قد يؤثر على تدفق التحويلات المالية إلى سوريا، وينعكس سلباً على الاقتصاد المحلي ومستوى معيشة الأسر السورية في آن واحد.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

التحويلات المالية إلى سوريا

قدّر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية عبر تصريح سابق، وصول قيمة التحويلات المالية للمغتربين السوريين إلى حوالي 4 مليارات دولار خلال عام 2025، مشيراً إلى مساهمتها في دعم السيولة بالعملة الأجنبية، وتحسين القدرات الشرائية للسوريين في الداخل.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث الاقتصادي محمود العرق، أن هذه الأرقام تعكس قيمة هذه التحويلات كشريان حياة رئيسي للاقتصاد السوري، في ظل ضعف الاستثمارات الفعلية وتراجع الصادرات، منتقداً الاعتماد المفرط للاقتصاد على هذه التحويلات، فرغم إيجابياتها في توفير العملة الأجنبية ودعم الاستهلاك المحلي ومساندة الأسر في موجة الغلاء والتضخم، إلا أنها تعكس هشاشة إنتاجية تحول الاقتصاد إلى تابع للخارج دون إنتاج داخلي، موضحاً أن ذلك يعود لاستخدام هذه التحويلات للإنفاق الاستهلاكي بدلاً من الاستثمارات الإنتاجية.

أما عن أثر تراجعها، فيبين العرق أن مركزية التحويلات أو تراجعها، سيكون له آثار سلبية مباشرة على الاقتصاد، نتيجة لغياب البدائل الإنتاجية، لافتاً إلى تراجع الزراعة والصناعة، وضعف إدارة الحكومة لهذه التحويلات بما يخدم البناء الاقتصادي والاجتماعي المستدام.

بالتالي فإن تراجع التحويلات المالية إلى سوريا سيزعزع الاقتصاد المحلي لعدم وجود دورة اقتصادية مستدامة، قائمة على الإنتاج الداخلي، في ظل ضعف الاستثمارات الموجهة للزراعة والصناعة اللذين يعدان عمود التنمية الاقتصادية السورية، وبدونها لن تقوم قائمة لأي حركة نمو أو محاولات للنهوض، وفقاً لرأي ناشطين محليين.

اليوم، تبدو تحذيرات الخبراء وكأنها تتجسد على أرض الواقع، في ظل الأزمة الخليجية وارتفاع الأسعار في أوروبا، نتيجة للحرب الإيرانية الأمريكية، مما قد يهدد بدوره تدفق التحويلات المالية إلى سوريا، وتأثيرها على الاقتصاد المحلي ومستوى حياة الأسر المعتمدة عليها.

وفي ضوء هذه التحديات، يشير الخبير الاقتصادي محمد السلوم أن هذه التحويلات، تستخدم لتلبية المتطلبات الرئيسية للحياة من دواء وإيجار وغذاء دون مساهمة حقيقية في الإنتاج، موضحاً أن الاعتماد المتزايد عليها يسلط الضوء على الخلل العميق في هيكل الاقتصاد الوطني، مما يضع الأسر أمام حالة من عدم اليقين، فأي انقطاع أو تراجع في التحويلات المالية إلى سوريا سيؤدي إلى انهيار إمكانيتها وقدرتها على تلبية احتياجاتها.

كما يبين السلوم أن التقلبات السياسية أو المالية في الخارج، يمكنها أن تضع سوريا في مواجهة سيناريو اقتصادي خطير جداً، لا سيما في ظل افتقار الحكومة للخطط والأدوات البديلة للتعويض عن الخسارات المفاجئة، مؤكداً أن التحصن بالسياسات الإنتاجية وتعزيز العمل الحقيقي في البلاد، إلى جانب تعزيز بيئة الاستثمار، هو أفضل البدائل على المديين المتوسط والطويل.

خلل اقتصادي

لطالما حذر الخبراء الاقتصاديون من مخاطر الاعتماد على الموارد الخارجية في ظل غياب القاعدة الإنتاجية المستدامة القادرة على انتشال السوريين من التدهور المعيشي ودعم الاقتصاد المحلي في مواجهة الأزمات، فالتبعية للخارج دون استغلال تلك الموارد في الاستثمار، تجعل الاقتصاد أكثر هشاشة وتأثراً بالصدمات الاقتصادية العالمية، حسب وصفهم.

وفي هذا السياق، تشير الأبحاث الاقتصادية إلى وجود أثر مزدوج للحوالات المالية بشكل عام، فهي إيجابية على المدى القصير من خلال دعمها للاستهلاك والحد من الفقر، إلى جانب التخفيف من وطأة الضغوط الاجتماعية وتداعياتها، بينما يكون أثرها محدوداً على النمو طويل الأمد، فبدون سياسات واستراتيجيات بعيدة الأمد لن تتمكن من خلق استثمارات أو فرص عمل مستدامة بشكل تلقائي، بالتالي لن يكون لها دور تنموي في رفع الإنتاجية، وستبقى ضمن حدود النمو المؤقت.

ويمكن تسليط الضوء بشكل أكبر على الآثار المحتملة للاعتماد على التحويلات الخارجية، من خلال الاطلاع على دراسة منشورة بمجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والسياسية، للدكتورة رشا سيروب، بعنوان أثر التحويلات في النمو الاقتصادي في سورية، حيث تؤكد أنه رغم إيجابيات تحويلات المغتربين للداخل السوري في تحفيز الاستهلاك والحد من الفقر، ولكن عند تحليل بيانات (2000-2017)، لم تثبت وجود أي تأثير إيجابي على النمو الاقتصادي المستدام في البلاد، بل على العكس هناك احتمالات لآثار سلبية على المدى الطويل، في حال استمرار استخدامها بشكل كبير في الاستهلاك بدلاً من الاستثمار الخارجي.

إذاً، عدم وجود سياسات اقتصادية استراتيجية بعيدة المدى، يمكن أن يخلق خللاً واضحاً في استقرار الاقتصاد المحلي ومستوى معيشة الأسر، في حال تراجع الحوالات المالية نتيجة للخضات السياسية الخارجية.

ووفقاً للقراءات التحليلية للاقتصاد الكلي، فإن تراجع التحويلات بنسبة 10% يرافقه انخفاض في الاستهلاك المحلي بمعدل 2.5%، فيما ينعكس هذا الهبوط بشكل مباشر على الأسواق المحلية مما يمكن أن يسببه ذلك من حالة ركود وضعف للقدرة الشرائية المنهكة أصلاً، إضافة إلى ارتفاع معدل البطالة مع تدهور حركة الشركات، وتأجيج أزمة السيولة مما يؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار مقابل ضعف العملة الوطنية وتغذية عامل التضخم.

آثار اجتماعية

وفقاً لبيانات برنامج الأمم المتحدة في شباط 2025، فقد بلغ متوسط الحوالات المالية أكثر من 2 مليار دولار سنوياً خلال السنوات الأخيرة، مما يعكس اعتماد السوريين المتزايد عليها وسط ارتفاع التكاليف المعيشية وتراجع قيمة الليرة السورية، لتتحول بذلك إلى مورد رئيسي يتجاوز الاستثمار الأجنبي والمساعدات الإنسانية للعديد من الأسر السورية، فيما تشير أحدث البيانات التحليلية بأن التحويلات المالية إلى سوريا لا تزال أحد أهم مصادر العملات الأجنبية، إضافة إلى أنها أصبحت المصدر الرئيسي الثالث للمدخول بعد الأجور والإيرادات العقارية والتجارية.

ووفقاً لذلك، يشير خبراء الاقتصاد إلى أن أي انقطاع لهذه التحويلات لن يقتصر على الخلل الاقتصادي المحلي فحسب، بل سيمتد ليشمل الجوانب الاجتماعية، حيث تعكس لأرقام المبنية عليها مدى أهميتها بالنسبة لمعيشة عدد كبير من الأسر السورية، بالتالي انخفاضها أو انقطاعها المفاجئ سيزيد من معدل الفقر الذي يشمل في الأساس 90% من السوريين وفقاً لتقارير أممية، إلى جانب ارتفاع نسبة البطالة التي وصلت حالياً إلى 60%، مما يعكس خطورة أي خضات جديدة تزعزع ما تبقى من طوق النجاة.

وكنتيجة موثقة لدى عدة تقارير صادرة عن منظمات إنسانية، لارتفاع معدلات الفقر والبطالة، تضطر العديد من الأسر إلى تطبيق ما يُعرف باستراتيجية التأقلم والتكيّف السلبي، والتي عادةً ما تبدأ بتراكم الديون واللجوء إلى بيع الممتلكات المنزلية، وفي حال تأزم الوضع يمكن أن تصل بهم الحال تشغيل أطفالهم وإخراجهم من المدارس، لتأمين لقمة العيش.

علاوة على ذلك، فإن تغيير الأنماط الغذائية للأسرة، يُعد من أبرز الآثار المحتملة لتراجع التحويلات المالية التي تعمل في الأساس على تأمين الاحتياجات الرئيسية وليس لخلق ما يسمى “بحبوحة”، مما قد يؤثر على جودة التغذية وارتفاع معدلات الأمراض الناجمة عن سوء التغذية، بينما تعاني البلاد من تهديد للأمن الغذائي في ظل معاناة 14.5 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي.

ختاماً، تبقى مسألة تراجع التحويلات المالية إلى سوريا رهينة بما تؤول إليه الأحداث العالمية، وفي حال تأثرها سيكون الاقتصاد السوري أمام سيناريوهات انكماش حادة، كونه يعاني هشاشة بنيوية ناتجة عن غياب الإنتاجية والتنمية المستدامة وفقاً لما يصفه المحللون، وهو ما يجعل توقف هذه التحويلات صدمة اقتصادية قاسية، فهل يمكن للجهات المعنية تدارك الموقف قبل وقوعه؟

اقرأ أيضاً: مصرف سوريا المركزي يحذر من التعامل بالعملات الرقمية

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.