شركات

طقوس تقاوم النسيان والفقر! كيف يحتفل السوريون بعيد الفطر؟

طقوس تقاوم النسيان والفقر! كيف يحتفل السوريون بعيد الفطر؟

بقلم: ديانا الصالح

على الرغم مما تعانيه البلاد من أزمة معيشية وتدهور اقتصادي حادٍّ خلفتها سنوات الحرب الطويلة، لا يزال السوريون يحاولون التمسك بمظاهر الاحتفاء بعيد الفطر في سوريا، ولو بحدودها الدنيا، باعتبارها جزءاً أصيلاً من موروثاتهم الاجتماعية والدينية، ومع تبدل الأحوال، يطرح السؤال نفسه: ما الذي صمد من عادات العيد، وما الذي طرأ عليها من تغيير؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

طقوس عيد الفطر في سوريا

لا شك أن طقوس عيد الفطر في سوريا لا تزال حاضرة رغم تراجع بعضها، وتظهر فرحة أداء صلاة العيد مع تبادل التهاني وصنع الحلويات كدليل على تمسك السوريين بالاحتفاء بالموروثات الإسلامية التقليدية حسب إمكانياتهم.

ومع أن بعض الطقوس موجودة حتى اليوم، إلا أن الكثيرين يحنّون لأيام كانت فيها هذه الاحتفالات أكثر بهجة ووفرة، كما تصف المواطنة هيام العلي في حديثها لسوريا اليوم 24، قائلةً: “اشتقنا لعادات وتقاليد مليئة بالمحبة والتعاضد الاجتماعي، فقد كانت لأجواء العيد بهجة أكبر، سواء من الناحية المادية أو المعنوية، حين كنا قادرين على صنع وشراء أفخر الحلويات التي تليق بزوّارنا، إلى جانب تجهيز أطفالنا بالملابس الجديدة”، مشيرةً إلى أن تلك التقاليد لم تعدِ اليوم كما كانت، بعدما أثرت ظروف النزوح والفقر وتبعات الحرب على شكلها الأصلي وقيمتها الاجتماعية.

طقوس عيد الفطر في سوريا

وتتمثل أبرز تلك العادات بالتحضير للعيد قبل حلوله بعشرة أيام، حيث كانت البهجة تعمّ أرجاء الحي بأكمله، بانتظار لحظة ارتداء الملابس الجديدة وتلقي التهاني، وتستذكر العلي تلك الأجواء قائلةً: “كانت رائحة (القراص) والمعمول الشهية تفوح من كل بيت في الحي، فيما تحمل الليلة السابقة للعيد فرحة لا توصف للصغار والكبار مع إعلان ثبوت الهلال وإطلاق المدفع والتكبيرات”، مشيرةً إلى أن الأطفال كانوا يضعون ملابس العيد عند رؤوسهم يرقبون الصبح، والنعاس لا يجد سبيلاً إلى عيونهم”.

وفي هذا السياق، تشير بيانات التقارير الأممية، إلى وقوع نحو 27% من السوريين تحت خط الفقر المدقع أي حوالي 5.7 مليون شخص غير قادر على تلبية الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة، فيما يقع ما يزيد عن 90% من الشعب السوري تحت خط الفقر، مقارنة بـ 33% قبل الحرب، مما يعكس حجم التدهور المعيشي الذي يؤثر بدوره على قدرة الأسر في المحافظة على بقاء طقوس عيد الفطر في سوريا كما كانت عليه في السابق.

بدوره، يلفت الباحث في التراث الشعبي محي الدين قرنفلة، إلى أن أيام العيد في الماضي كانت أجمل، وتختلف كثيراً عما آلت إليه في الوقت الحاضر، عازياً السبب إلى تعاضد أهالي الحي الواحد، والقرب والتعاون الاجتماعي، مشيراً إلى مظاهر المشاركة بين النسوة في صنع ألذّ الحلويات والمأكولات استعداداً للعيد.

كما يؤكد قرنفلة أن طقوس العيد فقدت بهجتها ودلالاتها في توطيد صلة الرحم، عبر تبادل الزيارات بعد أداء صلاة العيد، ثم التجمع في بيت العائلة الكبير، للمشاركة في تناول الطعام، موضحاً أن مظاهر الاحتفاء بالعيد كان تبدأ قبل حلوله بعشرة أيام سواء في الأسواق أو الحارات، مضيفاً “كل هذا نفتقده اليوم”.

وليمة العيد

من التقاليد البارزة في أول يوم للعيد، هو التجمع في بيت كبير العائلة وتناول وليمة العيد التي غالباً ما تتكون من ألذ وأفخر الأطباق السورية كالكبة المشوية والشاكرية إلى جانب عدد من الحلويات والمكسرات مع المشروبات الباردة أو الساخنة، وتُحضّر هذه العزيمة بمشاركة نسوة العائلة بأكملها، مما يعكس متانة العلاقات الاجتماعية ودور هذه العادات الأصيلة في تمتين أواصر المحبة والتعاون بين أفراد العائلة الكبيرة، على عكس أيامنا الحالية التي باتت تختصر التجمعات بمعايدة على واتس آب أو مكالمة فيديو، وفقاً لما ترويه منيرة عبود لسوريا اليوم 24.

وليمة العيد

وتبين عبود أن الفقر وغلاء الأسعار الذي طال مختلف المواد الغذائية، إلى جانب النزوح والهجرة، تُعد من الأسباب الرئيسية لاندثار عادة الوليمة الكبيرة لدى معظم العائلات السورية، قائلةً: “لم تعد عائلتنا كما كانت، فقسم أخذته الغربة والآخر شغلته الحياة ولقمة العيش، فبدلاً من التحضير لوليمة العيد، حلّت عدة أولويات أخرى أهم كتجهيز الأطفال وشراء بعض الحلويات لاستقبال الضيوف”.

وتستذكر عبود الزيارات خلال أيام عيد الفطر في سوريا، التي كانت تبدأ بكبير العائلة (بيت الجد) وتنتهي عند أصغرهم، إلى جانب زيارة الجيران لتقديم المباركات والتهاني، مع تخصيص مبلغ مالي (عيدية) خاص بكل طفل سواء من العائلة أو سكان الحي، مما يعكس صورة واضحة عن المحبة والسلام والتكافل الاجتماعي بين سكان الحي الواحد عموماً، وأفراد العائلة الكبيرة خصوصاً.

وفي هذا السياق، يتحدث الإعلامي والناشط المحلي أحمد زكريا، عن تراجع تقليد العيدية، وحصرها في غالب الأحيان بالميسورين، مشيراً إلى أنه رغم محاولات المحافظة عليها كتراث إلا أنها تتراجع تدريجياً نتيجة لتدني الدخل والأعباء المالية.

لا يمكن تحميل الأفراد ذنب التغيير، فالظروف الاقتصادية والاجتماعية أرهقت كاهلهم بأعباء معيشية تتضاعف مع مرور الزمن، كالضرائب وغلاء الأسعار في ظلّ تدني الأجور وتآكلها بفعل عامل التضخم، الذي باتت ملامحه واضحة في شتى مجالات الحياة السورية.

شراء الحلويات أو تجهيزها

يُعدّ شراء الحلويات وإعدادها من أبرز طقوس العيد، وهو ما يحاول السوريون إلى اليوم المحافظة عليه، ولو بأدنى المكونات، ولكن التقنين الكهربائي وارتفاع أسعار المواد حوّل فرحة التحضير إلى عبء يقلق الأهالي سنوياً.

وفي الوقت الحاضر، يبدو من الصعب على الكثير من الأسر السورية شراء الحلويات التي تفوق قدراتهم الشرائية، وعلى الرغم من امتلاء المحلات بأجود أنواع الأصناف، وتفنن البائعين في عرضها على واجهاتهم، إلا أن الركود هو عنوان السوق في هذه الأوقات من السنة، فحركة البيع شبه معدومة منذ دخول الشهر الكريم، نتيجة للارتفاع القياسي في الأسعار والظروف الاقتصادية المُرهقة.

شراء ملابس العيد

لا تزال طقوس شراء ملابس العيد كتقليد سنوي رغم قسوة الظروف، لا سيما بالنسبة للأطفال، وفي هذا الصدد، تصف علا الجاهل لسوريا اليوم 24 معركتها السنوية لإدخال فرحة العيد لقلوب أبنائها دون شعورهم بالنقص، قائلةً: “خيارنا الوحيد اليوم هو البالة”.

وتوضح علا أن كسوة كاملة لولد واحد بملابس جديدة تعادل راتب زوجها تقريباً، مما دفعها للتخلي عن حقها وزوجها في ثياب العيد، مكتفيةً بقطعة واحدة لكل طفل من سوق البالة، مضيفةً: “حتى غلاء البالة يهدد قدرتنا على الشراء”.

زيارة المقابر

يتوجه السوريون في صباح أول أيام العيد بعد أداء الصلاة، لزيارة المقابر كموروث سنوي منذ مئات السنين، ففي الماضي جرت العادة في ذهاب كافة أفراد العائلة لزيارة قبور أقاربهم وسقاية التربة مع وضع أزهار الآس.

لا تزال تلك العادة حاضرة اليوم مع تراجعها بالنسبة للشباب، فعادةً ما تقتصر الزيارة على الأبوين أو كبار العائلة، بحكم الظروف التي مرت على البلاد وارتفاع نسبة الهجرة، وفقاً لما يراه باحثون اجتماعيون.

عادات الأطفال

للأطفال طقوس خاصة تتمثل بالمرور على الأحياء وطرق الأبواب مع ترديد الأهازيج الشعبية للحصول على العيدية، كما أفادت المواطنة علا الجاهل، قائلةً: “في مدينة حمص الأطفال عنوان العيد بأهازيجهم التي تُردد يوم العيد، مثل (ياحج محمد يابو العباية)، إلا أن هذه العادة اختفت منذ سنوات”.

عادات الأطفال

يمكن القول أن فرحة الأطفال هي الوحيدة التي لا تزال تنبض بالحياة بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار التي طالت النفوس والحجر، فهم لا يتوانون عن استغلال لحظات الفرح لممارسة حقهم في اللعب والمرح، وهذا ما يتجلى بوضوح في ساحات العيد الممتلئة بضحكاتهم.

حلق الشعر والذهاب للسينما

أيضاً حلق الشعر يُعتبر طقساً خاصاً قبل العيد بيوم واحد، حيث تكون محلات الحلاقة مزدحمة والبسمة مرسومة على وجوه الجميع، اليوم ورغم تبدل الأحوال وارتفاع أسعار الحلاقة فإن تلك العادة لا تزال حاضرةً بقوة.

ومن الأنشطة القديمة التي اعتادها أهالي مدينة حمص وعدد من المحافظات هي مشاهدة السينما، وهذا ما يؤكده الصحفي أحمد زكريا، حيث يشير إلى مجموعة من النشاطات المميزة، أبرزها ساحات العيد ومشاهدة الأفلام في سينما حمص، مشيراً إلى انتشار الباعة الجوالين الذين كانوا جزءاً من فرحة الأطفال.

يبدو أن لعيد الفطر في سوريا بهجة خفية في قلوب السوريين كباراً وصغاراً، فرغم التحديات الاقتصادية والمعيشية، لا تزال محاولاتهم حاضرة للاحتفاء بحلوله وفق الإمكانيات المتاحة، ولكن ذلك لا ينفي تراجع طقوس لها أثر اجتماعي بالغ، وذكريات لا تُمحى من أذهان العائلات، فمن الوليمة إلى امتلاك أجود أصناف الحلويات وأهازيج الأطفال، تُرسم لوحة فنية تتناقلها الأجيال، على أمل عودتها في يوم من الأيام.

اقرأ أيضاً: عادات عيد الفطر حول العالم وأغربها

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.