بقلم: ديانا الصالح
يحظى الزواج بمراسم وطقوس خاصة بدأت من قديم الزمان ولا تزال إلى يومنا الحاضر، إلا أن عادات الزواج في سوريا شهدت تحولات واضحة بين الماضي والحاضر، منها ما تغير واندثر ومنها ما بقي على حاله، بيد أن سنوات الهجرة والنزوح فرضت واقعاً جديداً وفوارق سكانية كبيرة لدى المجتمع السوري عامة.
سنتناول في مقالنا طقوس الزواج في سوريا حديثا وقديماً، للمزيد من التفاصيل، تابع معنا..
عادات الزواج في سوريا قديماً
قديماً، كانت آلية الزواج تتبع مراحل متعددة تبدأ بانتقاء العروس، والتي كانت تتم وفقاً للمعايير السائدة، ففي الأرياف كان التركيز على الفتيات ذوات البنية الجسدية القوية نظراً للأعمال الزراعية وتربية الحيوانات على عكس المدن التي تقتصر فيها أعمال النساء على الأعمال المنزلية الخفيفة، وهذا ما يعكس تباين عادات الزواج في سوريا الاجتماعية والجغرافية.

وتتشابه عادات الزواج قديماً بشكل كبير ضمن المراكز الرئيسية في سوريا مثل دمشق، حيث تتركز مهمة البحث عن عروس مناسبة في خيارين إما عائلة العريس أو “الداية” أي تلك القابلة أو المرأة التي لها خبرة في التوليد ومساعدة النساء قديماً، كونها على معرفة بجميع سكان المنطقة وبناتها، وأصل العائلات ونسبهم.
أما في حلب فكانت عملية الانتقاء تتم عبر حمام السوق وهو طقس أسبوعي لاستعراض البنات المناسبات للزواج أمام أهل العريس، وهنا تجدر الإشارة إلى القاعدة السائدة سابقاً وهي وجوب توازن المستوى الاجتماعي والاقتصادي بين الطرفين (العريس والعروس)، كجزء من عادات الزواج في سوريا التي تحكمها قيود مجتمعية واضحة في ذلك الوقت.
بعد ذلك، تأتي مرحلة الاختبارات التي سادت في العديد من المحافظات السورية خاصة في دمشق وحلب، وأبرزها دعوة العروس إلى حمام السوق قبل إقرار الخطبة للتأكد من طبيعتها وشكلها وخلوها من العيوب.
وفي هذا الصدد، يتحدث الخبير التاريخي حسام النايف، عن عادات قديمة سادت في محافظة السويداء كاستضافة أم العريس وأخواته في بيت أهل العروس قبل الخطبة، للكشف عن طبيعة حياتهم وطريقة تعامل أم العروس في المنزل، تماشياً مع مبدأ أن البنت ستكون نسخة عن والدتها.
بالنسبة للعريس فلم تكن له الحرية المطلقة في اختيار عروسه ضمن المدن، على الرغم من أن المناطق الريفية كانت تشهد عدة حالات إعجاب يعلنها الشاب عبر إطلاقه لأغنية على سبيل المثال فيعلم محيطه أنه أعجب بإحدى الفتيات.
وعند الموافقة على العريس وقبول مواصفاته ومعاييره الاجتماعية والأخلاقية، يُطلب منه أن يلقي خطاباً للتمعّن بشخصيته وحضوره بين الناس، وهذا ما يربطه العديد من الباحثين بسبب تسمية مرحلة كتب الكتاب أو قراءة الفاتحة بالخطبة.
كما تختلف أيضاً طريقة الاحتفال بالزواج قديماً في المدن التي تُختصر في الغالب بيوم أو يومين عن القرى التي كانت تستمر لمدة 7 أيام مع تقديم المناسف والمأكولات، دون حدود للضيوف فالدعوة كانت عامة لكافة أبناء المنطقة، بالتالي تكون التكاليف مرتفعة، ولكن التعاضد والتكافل الاجتماعي السائد في ذلك الوقت كان يغطي تلك النفقات، حيث يُقدم الحضور الدعم المادي والمعنوي على حد سواء.
طقس الحناء وأسباب الاختلافات
تُعتبر ليلة الحناء من الطقوس التراثية الأصيلة التي تجتمع معظم المحافظات السورية على ممارسته قديماً، والذي لا يزال سائداً في عدد منها حتى يومنا الحاضر، وتتركز شهرة الحناء على المناطق الشمالية والشرقية، وتتخللها وصلة موسيقية تقليدية إلى جانب المأكولات وغيرها من مظاهر الفرح التي تختلف باختلاف البيئة.

ويعزو الباحث الاجتماعي طلال المصطفى التباين في عادات الزواج بين المدينة والريف إلى تداخل العوامل الاقتصادية والثقافية والدينية، فطقس الحناء مثلاً، يحضر بقوة في الأرياف والمدن الصغيرة كتعبير عن الامتداد العشائري القبائلي، بينما ترتبط مواسم الزواج في الريف بمواسم الإنتاج الزراعي، وهو ما ينعكس حتى على كلمات الأغاني التي تستلهم نمط الحياة الريفية، على عكس المدن الكبرى المحكومة بنمط حياة صناعي وتجاري.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن تقاليد الجاهة المرافقة للعريس وتحديد المهر التي تأتي بعد إقرار الموافقة، ثابتة لدى مختلف المحافظات السورية قديماً، مع اختلاف بسيط يمكن أن يرتبط بقيمة المهر وشكله، والتي غالباً ما تحدده طبيعة البيئة السائدة.
التقاليد الحديثة وظروف الحرب
لا تزال العديد من المحافظات السورية محتفظة بعاداتها وتقاليدها المرتبطة بطقوس الزواج، ولكن بصورة مختزلة جداً عما كانت عليه في السابق، على سبيل المثال الجاهات وتحديد المهر والخطوبة، إلا أن طريقة انتقاء العروس تغيرت بشكل جذري، حيث تتاح للعريس الحرية المطلقة في اختيار عروسه مع الأخذ بمشورة الأهل.
وعلى الرغم من تغير أشكال التعاضد الاجتماعي الملازمة للزواج، إلا أنها لا تزال سائدة وتتمثل بالهدايا المقدمة للعروسين، سواء كانت مبالغ مالية أو أثاثاً منزلياً، مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف الحرب والنزوح التي أدت إلى اختلاف جوهري لدى العديد من العوائل في نوعية الدعم المقدم للزوجين، لتكون بسيطة ورمزية.
كما أن لزيادة الوعي والتغييرات التي طرأت على أدوار الجنسين أثر بالغ في طريقة التعامل مع المرأة، التي بدأت بالخروج إلى العمل والتعلم ومساندة الرجل في مختلف مجالات الحياة، الأمر الذي أدى إلى نوع من الانفتاح بالتالي أُتيحت الفرصة للطرفين في التعرف ودراسة شخصية كلٍّ منهما.
فضلاً عن ظروف الهجرة والغربة السورية التي أدت إلى فوارق سكانية عميقة، وفرضت الزواج عن بعد، لتختصر بذلك جميع مراحل الزواج التقليدية والحديثة إلى حدٍّ كبير، مع وجود مراعاة أكبر بقيمة المهر بما يتناسب مع الوضع الحالي وكنوع من مساندة الشباب على تخطي هذه المرحلة.

أما بالنسبة للاحتفالات، فقد دمجت بين التقاليد والعادات القديمة والحديثة، مثل الاحتفاظ بتراث الدبكة والرقص وتقديم الطعام للمعازيم، ولكنها بشكل منظم أكثر مع بطاقات دعوات محددة، وتصوير سينمائي.
كما تقام غالبية هذه الاحتفالات ضمن قاعات أفراح خاصة وفنادق فاخرة على عكس القديمة التي كانت تنحصر ضمن ساحات القرية والمنازل، علماً أن سنوات الحرب قد فرضت على العديد من السكان العودة للتقاليد القديمة في اختيار أماكن الحفلات، فالوضع المعيشي الصعب والآثار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها، جعلت من المنازل خياراً مناسباً لإقامة الأعراس.
وهنا تجدر الإشارة إلى احتفاظ الكثير من العائلات السورية للعادات التقليدية، مثل طقوس الحنة والتراث الموسيقي وصندوق جهاز العروس الذي تستعرضه أمام أقربائها وأهل العريس وغيرها.
عدة متغيرات وتحولات طرأت على تقاليد وعادات الزواج في سوريا على مرّ العصور، فمن مراحل الانتقاء والاختبار مروراً باستقلال كينونة المرأة كفرد له الحق في الرأي والاختيار، وصولاً إلى اختزال تلك الطقوس خلال سنوات الحرب مع المحافظة على خصوصيتها، تبرز إحدى أعقد العلاقات الإنسانية بشكل أكثر انفتاحاً ووعياً بمتطلبات الحياة والمؤسسات الاجتماعية الناجحة.
اقرأ أيضاً: عيد الميلاد في سوريا: من بهجة الفعاليات إلى دفء التقاليد المتوارثة