بقلم هلا يوسف
كشف موسم عيد الفطر عن غلاء فاحش في أسعار الألبسة، جعل المواطنين في حالة عجز أمام متطلبات أبنائهم وأسعار الملابس. حتى البالة التي كانت ملجأ للكثيرين أصبحت لا تتناسب مع مدخول المواطن. وفي الحقيقة هذا الارتفاع لا يقتصر على فترة العيد، إنما كشف عن ارتفاع متواتر مقارنة بالعام الماضي. هذا الواقع فرض تساؤلات عديدة وجدل ضمن المجتمع حول أسباب هذا الارتفاع وكيفية معالجته. هناك من يربط هذا الغلاء بعوامل خارجية، ومن يربطها بسياسات حكومية خاطئة تدفع نحو ارتفاع الأسعار.
أسباب ارتفاع أسعار الألبسة
أوضح فواز العقاد عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، أن الرسوم الجمركية على الألبسة لم تتبدل بشكل فعلي قبل التحرير وبعده، مؤكداً ضرورة وجود توجه لدعم الصناعة الوطنية من خلال تخفيض الرسوم واعتبار الأقمشة من مدخلات الإنتاج الأساسية مما يخفض رسومها. كما شدد على ضرورة تنظيم دخول الألبسة المستوردة عبر فرض معايير واضحة تطبق على الجميع، بهدف حماية السوق من البضائع الرديئة والحفاظ على الجودة.
في المقابل، يرى أصحاب المحال أن الواقع أكثر تعقيداً، إذ يؤكد عدد منهم أن الأسعار ارتفعت نتيجة تراكم عدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، وإغلاق بعض المصانع، وغلاء المواد الأولية، إضافة إلى تكاليف الاستيراد المرتفعة المرتبطة بالشحن وتقلبات سعر الصرف.
أحد الباعة في سوق الصالحية أشار إلى أن التاجر أصبح محاصراً بين ارتفاع الإيجارات وفواتير الكهرباء وأجور العمال، ما يجبره على رفع الأسعار رغم إدراكه أن القدرة الشرائية للمواطن محدودة. كما لفت الباعة إلى أن حركة السوق أصبحت ضعيفة وموسمية، حيث يقتصر الطلب على الضروريات، خصوصاً ملابس الأطفال، بينما يؤجل كثير من الناس شراء الملابس الجديدة.
عند الحديث عن مقارنة بين العام الماضي والآن، نجد أن الأسعار ارتفعت بشكل كبير، حيث أشار عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك، أن الأسعار ارتفعت بنسبة تتراوح بين 25 و30% مقارنة بالعام الماضي، موضحاً أن تكلفة كسوة طفل واحد قد تصل إلى مليون ليرة، بينما قد تبلغ كسوة الشاب بين مليونين وثلاثة ملايين ليرة.
أما الدكتور عبد الرحمن محمد الخبير الاقتصادي، فقد اعتبر أن هذا الارتفاع يأتي ضمن موجة تضخمية عامة، وليس مجرد ظاهرة موسمية. وفسر ذلك بدلالتين: الأولى أن نسبة الارتفاع تبدو أقل من التضخم العام، مما يعكس وجود ركود في الطلب يحد من قدرة التجار على رفع الأسعار أكثر، والثانية أنها مؤشر واضح على تراجع القدرة الشرائية، حيث لم تعد الأسرة قادرة على شراء نفس الكميات كما في السابق.
وأضاف أن أسباب الغلاء تتوزع على عدة محاور، في مقدمتها ارتفاع سعر الصرف الذي ينعكس مباشرة على أسعار الأقمشة والملابس، إلى جانب زيادة تكاليف الشحن والنقل بسبب الأوضاع الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود. كما أشار إلى دور الضرائب والرسوم الجمركية المرتفعة، وضعف المنافسة نتيجة احتكار جزئي للسوق، عدا عن ضعف الرقابة وانتشار بعض الممارسات غير القانونية في التسعير.
ومن خلال التعبير الشعبي عن الموضوع، تباينت آراء المعلقين، حيث أشار أحدهم إلى ارتفاع الرسوم الجمركية على الأقمشة بشكل كبير حيث وصل سعر الرسوم الجمركية لشحنة الأقمشة في معبر نصيب إلى حوالي 12000 دولار، بينما رأى آخر أن الاستيراد ضرورة لتأمين الألبسة. ولفت أحد الصناعيين إلى أن المنتج المحلي يسعى لهوامش ربح مرتفعة (30–40%) مقارنة بالمستورد الذي يكتفي بنسبة أقل (حوالي 5%)، ما يمنحه قدرة أكبر على المنافسة من حيث السعر والجودة. وأكد أن تطوير الصناعة يحتاج إلى منافسة حقيقية لا إلى حماية تؤدي إلى الاحتكار.
من جهته، اعتبر عبد العزيز المعقالي، رئيس جمعية حماية المستهلك بدمشق، أن المبالغة في هوامش الربح تمثل عاملاً أساسياً في ارتفاع الأسعار، إلى جانب التكاليف، وقدم دليلاً على ذلك بالإقبال الكبير على أسواق الملابس المستعملة (البالة) التي أصبحت تشهد ازدحاماً يفوق الأسواق التقليدية.
لم يأتِ هذا الارتفاع في أسعار الألبسة بمعزل عن السياسات الخاطئة التي يتم اتباعها. فقد حذر الخبير الاقتصادي جورج خزام من خطورة ما وصفه “بتضخم تكاليف الإنتاج”، معتبراً أنه أخطر من التضخم النقدي، لأنه يؤدي إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، وتراجع الإنتاج والصادرات، وإغلاق المصانع، وارتفاع البطالة. وأوضح أن أسباب هذا النوع من التضخم تعود إلى ارتفاع تكاليف المحروقات والكهرباء والضرائب والرسوم الجمركية، مما يجعل تكلفة الإنتاج المحلي أعلى من المستورد.
وأضاف أن المشكلة لا تكمن في كفاءة الصناعيين، بل في الأعباء المالية المفروضة عليهم، في وقت يتم فيه السماح بالاستيراد بشكل أكبر، مما يؤدي إلى إضعاف المنتج الوطني. وحذر من أن هذه السياسات قد تقود إلى مزيد من الفقر والركود الاقتصادي.
طرق معالجة الوضع
من خلال عرض الأسباب السابقة، من الواضح أن الإجراءات لمعالجة هذا الارتفاع يجب أن تبدأ من استقرار سعر الصرف، فقد طرح الدكتور عبد الرحمن محمد مجموعة من الحلول التي يمكن أن تسهم في الحد من ارتفاع الأسعار، مؤكداً أن البداية يجب أن تكون من معالجة استقرار سعر الصرف، باعتباره العامل الأكثر تأثيراً.
كما دعا إلى دعم الإنتاج المحلي عبر إعفاء مستلزمات الإنتاج من الضرائب والرسوم، بما يساعد الصناعيين على تقديم منتجات منافسة. وأكد على ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق، من خلال تفعيل دور الجهات المختصة ومحاسبة المخالفين، إضافة إلى إصدار نشرات أسعار واضحة.
وأشار أيضاً إلى أهمية تخفيف الأعباء الضريبية والجمركية، سواء على المواد الأولية أو المنتجات النهائية، بما ينعكس على السعر النهائي للمستهلك. ولم يغفل دور المبادرات المجتمعية، مثل دعم وتنظيم أسواق الملابس المستعملة لتكون خياراً مناسباً لذوي الدخل المحدود.
باختصار، أسباب أزمة ارتفاع أسعار الألبسة هي أزمة مركبة بين التجار الذين لا يقبلون بهوامش ربح بسيطة، وسياسات حكومية تعطي مبررات لهؤلاء التجار لرفع الأسعار. وبالتالي الحل يجب أن يكون بقطع هذه المبررات عبر دعم المنتج الوطني، مما يتطلب وجود خطة متكاملة تعالج جوانب المشكلة كافة.
اقرأ أيضاً: عيد بطعم التقشف: ازدحام مقنع وانخفاض في القدرة الشرائية