بيئة

غوطة دمشق الآن… بعد نفض غبار الحرب هل من حلول للتنمية؟

غوطة دمشق الآن… بعد نفض غبار الحرب هل من حلول للتنمية؟

غوطة دمشق الخضراء المنعشة وخزان العاصمة الغذائي ورئتها وملاذها، غيرت ملامحها قساوة الصراع وأنهكت الحجر والشجر والبشر فيها رحى الحرب الطاحنة التي لم ترحم خضارها ووداعتها، ولم تشفع لها طيبة أهلها وأصلهم. تلك البقعة الخضراء النابضة بالحياة عبر التاريخ المفعمة بالحياة والفرح والمشهورة بكونها ميدان الزراعة في العاصمة.

غابت صور البساتين المثقلة بالثمار واستبدلت ملامح الخضار بملامح الشقاء والمعاناة، فباتت المشقة والصعوبات رفيقة درب سكان الغوطة، اليوم يخوض أهلها تحدٍ جديد: كيف يعيدون رونق الحياة من جديد لغوطتهم؟ خزان دمشق الغذائي والثقافي كيف يزاح عنه الغمام؟ لنتعرف في مقالنا هذا عن كيف تعيش الغوطة اليوم وما السبل لإعادتها لسابق عهدها.

غوطة دمشق الجغرافيا والذاكرة.. أبعد من كونها مساحة خضراء

الغوطة طوق الجنة الأخضر المحيط بدمشق، سميت بهذا الاسم لأنها كانت وما زالت تضم مساحات واسعة من البساتين والأشجار المثمرة، وهي أرض زراعية تشتهر بخصوبة أرضها وجودة وعذوبة مياهها. تقع تلك البقعة الخضراء حول مدينة دمشق، وتشمل أراضيها الشرقية والجنوبية والغربية، مليئة بالأشجار والبساتين، حيث تُعرف “الغوطة” في اللغة العربية بأنها سهول خصبة وغنية بالأشجار.

ناهيك عن أنها مشكّلة من مجموعة من الأنهار الصغيرة من فروع نهر بردى وشبكة من قنوات الريّ، بساتينها خضراء تُسر الناظرين تحتوي على شتى أنواع أشجار الفاكهة، بساط أخضر ممتد ينعش القلب فيه كل أنواع الخضروات حتى باتت الغوطة بذلك خزان دمشق الغذائي ورئتها.

أشهر أنواع الفواكه في الغوطة: المشمش بأنواعه البلدي والحموي والتوت (التوت الشامي) والخوخ والآرصيه والدراق والكرز والجوز، ومن ناحية زراعة الخضروات، تتميز بأن تربتها قابلة لزراعة مختلف الخضار، لكن أشهرها: الذرة الشامية والزهور. الغوطة مميزة بكل فصولها بغزارة أمطارها في الشتاء وحلاوة منظرها في الخريف ونسماتها العليلة بليالي الصيف، أما ربيعها له رونقه وجماله المميز حيث الربيع يتجسد بكل معانيه.

تقسم الغوطة إلى قسمين متصلين هما: الغوطة الغربية والغوطة الشرقية، بداية الغوطة الغربية تمتد من مضيق ربوة دمشق – الربوة بين الجبال (خانق الربوة) إلى مناطق محيط المزة وكفر سوسة وداريا ومعضمية الشام، مشهورة بكافة أنواع العنب، ومنطقة الكسوة تشتهر بزراعة الثوم وتسمى الكسوة أيضاً وادي العجم والتي يمر بها نهر الأعوج الذي ينبع من سفوح جبل الشيخ وينتهي ببحيرة الهيجانة وتعتبر المناطق التي يمر بها نهر الأعوج هي الغوطة الغربية ومناطق وبلدات كثيرة محاطة بالأشجار المثمرة وأشجار الحور وكافة أشجار الفاكهة مثل المشمش والخوخ والتوت الشامي والجوز البلدي وغير ذلك من فواكه الغوطة والبساتين والمروج بامتداد رائع أخضر يحتضن الطبيعة.

أما الغوطة الشرقية، مركزها وبدايتها مدينة دوما أكبر مدنها وأشهرها، محيطة بمدينة دمشق ببساط أخضر، ومحاوط بأشجار الفواكه الشامية الشهيرة (الجانيرك والمشمش والخوخ والدراق والكرز والتوت والجوز وغيرها)، في حين تواصل الغوطة امتدادها إلى مناطق وقرى وبلدات أصبحت مدن الآن مثل “سقبا وزملكا وجرمانا والمليحة وعقربا وحزّة وكفربطنا وعربين” إلى أن تلتقي بالغوطة الغربية لتكمل إحاطة دمشق بالخضار والبساتين… على إثر موقع الغوطة وما تحتويه تأثر سكانها بطبيعتها ما انعكس على نمط حياتهم فأغلبهم امتهن الزراعة والتجارة بالمنتجات الزراعية وغيرها، ومنهم من لجأ للصناعة كمصدر دخل.

اقرأ أيضاً: كيف يهدد تلوث المياه حياة السوريين؟

غوطة دمشق واستعراض لنمط حياة ما قبل الحرب وأثنائها

الغوطة ما قبل الحرب كانت تعرف بسلة غذاء العاصمة وجنتها الخضراء… أفرز العمل الزراعي صناعات مرتبطة به كصناعة تعليب الخضار والفواكه التي تقوم بها شركة الغوطة فأغلب منتجاتها من خيرات الغوطة ومشهورة بالمربيات كالمشمش والكرز وغيرها، وصناعة قمر الدين من خلال تجفيف عصير المشمش فهو أشهر منتجات الغوطة التقليدية ولا تكتفي بطرحه بالسوق المحلية بل تصدر منه للخارج.

عانت الغوطة بشكل كبير من سياسات السلطة السابقة والنظام التي أدّت لإفقارها وأهلها. فعلى سبيل المثال، يقدّر بأنّ أعداد العمّال الذين خسروا عملهم نتيجة عدم حماية صناعة الموبيليا، والسماح للمنتجات التركية بالدخول إلى السوق السورية بجمارك صفرية، بما يزيد عن 200 ألف عامل. وهذا لم نأخذ بالحسبان العاملين في مجالات متممة لهذه الصناعة، من مناشر أخشاب، ومصممين، وسائقين …الخ. نجم عن ذلك مجموعة ساخطة بانتظار أي شيء يدفعها للتغيير.

عند بداية الحراك الثوري في 2011 لم تقف الغوطة متفرجة فهبت لنصرة دمشق وسوريا كالعادة، فبهذا التحول الكبير وبفعل هول ما أصابها من أضرار توزعت على كل جوانب الحياة، تعرضت المنطقة لضربة عميقة في بنيتها التحتية والاجتماعية والثقافية وتحولت من مكان جامع وذاكرة لأهل دمشق إلى رمز للمأساة الإنسانية تعض على الجراح ولا تتخلى عن كرامتها.. فتحولت البساتين الرحبة لساحات قتال والمناطق العمرانية باتت مدمرة، انقطع الغذاء والدواء بفعل الحصار ورسّخ ثقافة جديدة للحياة قائمة على النجاة.. لكن لا شيء يثني عزيمة أهل الغوطة فمع شح الموار ابتكروا حلولاً للبقاء وكسروا بها قليلاً من طوق الحصار، فاعتمد السكان في الحرب والحصار الزراعة فوق الأسطح واستخدموا بدائل بدائية للوقود فكانوا مثالاً للصمود والابتكار.

مع نهاية الحصار عام 2018 خرجت الغوطة مثقلة بالجراح كمحاربٍ تعلوه الجراح ويأبى الخضوع، ببساتينها المدمرة والمحروقة وصناعاتها المندثرة الغائبة، برائحة الموت ودخان القصف خرجت الغوطة بمجتمع مثخن بالتجارب والمعاناة يشدو تنفس الصعداء، ليتعاون الأهالي فيما بعد لإعادة عجلة الحياة لأرضهم وشجرهم وحجرهم.. آملين منذ ذلك الوقت أن تعود الحياة لأرضهم.

اقرأ أيضاً: المزارع الصيفية وجهة جديدة للعائلات السورية بدلاً من البحر

واقع الغوطة وبلداتها اليوم وما التحديات التي يقاسيها المواطنون، وما الفرص والحلول؟

لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد سكان الغوطة في الوقت الحالي، لكن تشير التقارير أن عدد سكان ريف دمشق يبلغ 4.6 ملايين نسمة نصفهم في الغوطة، وقبل الحرب كان يقدر عدد سكان الغوطة الشرقية بمليوني نسمة وأخر إحصائية لهم بعد فك الحصار كانت تقدر أغن عدد السكان قد بلغ 400 ألف نسمة.

كما سُجل انخفاض عدد أشجار المشمش فيها، على سبيل المثال، من 2,147 شجرة عام 1991، إلى 1936 شجرة عام 2012، وتضرر لأراضيها الزراعية بنسبة 30% وفق إحصائيات الحكومة السابقة ويرجح أن النسبة أكبر من ذلك بكثير، إذ تبلغ مساحتها 10,400 هكتار دمر منها جزء كبير وحرق بفعل اشتداد القتال، وهُجّر من سكانها 65,887 شخصاً إلى الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام في ذلك الوقت.

أما وضع الغوطة اليوم، الغوطة الشرقية شهدت أعنف المعارك خلال السنوات الماضية، وبالعودة اليوم وخصوصاً بعد التحرير تتجدد معاناة السكان العائدين من التهجير، لكن هذه المرة في مواجهة تحدٍ جديد “السكن في منازل مدمرة جزئياً وغير صالحة للإيواء”، والتي يعتبرونها أهون الشرور مقارنة بكابوس الإيجارات الباهظة.

فقد صار الإيجار فوق الاحتمال، ولامس حدود 150 دولار شهرياً كحد أدنى، وهذا فوق إمكانية السكان لا سيما المهجرين العائدين منهم، فما كان منهم إلا ترميم بيوتهم المهدمة جزئياً والسكن فيها حتى ولو لم تكن آمنة.

كما تشكو مئات العائلات التي اضطرت للعودة إلى الغوطة ضيق الحال وغلاء المعيشة، إلى جانب البنية التحتية المتهالكة في المنطقة وشبه المنهارة، في ظل غياب للخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه شبه معدومة والحاضرة منها لا تفي بالغرض.

قدر عدد المنازل المهدمة والبنى التحتية المدمرة إلى 80%، ولا توجد شبكات صرف صحي، ولا كهرباء، ولا هاتف، ولا مياه، والسكان يتدبرون أمرهم بجهودهم الذاتية أو على الاعتماد على مساعدات محدودة من بعض المنظمات الإغاثية أو منظمات المجتمع المدني.

يواجه العائدون تحديات متعددة، غلاء ناري للإيجارات وغير مبرر إذ يتراوح بين 150 و250 دولار شهرياً، مترافقاً بانعدام فرص العمل وانتشار الفقر.

وفقاً لشهادات الأهالي المدلاة لأحد الوسائل الإعلامية المحلية، فإن إعادة إعمار المنطقة أو تقديم أي دعم جدي غير متاح في الوقت الحالي، وجهود البلديات تقتصر على إزالة الأنقاض من الطرقات أو إصلاح قنوات الصرف الصحي المتضررة. لا توجد خطط واضحة لإعادة الإعمار، ولا برامج دعم للعائدين، فيما تستمر بعض الوعود الرسمية دون تنفيذ فعلي.

تشير التقديرات إلى أن نسبة الدمار في بعض المناطق، مثل حرستا وعين ترما وزملكا وجوبر، تتجاوز 70%، بينما تبقى مناطق أخرى، مثل أطراف عربين، مدمرة بالكامل.

يعيش العائدون إلى الغوطة واقعاً معقداً، تحضر فيه أوجاع الحرب التي لا تزال تتنقل أشباحها بين السكان حتى اليوم مع تحديات المعيشة الصعبة والفقر الشديد. يتمزق المواطن العائد إلى الغوطة بين منزل مهدَّم وإيجار لا يُحتمل وأرضٍ نبت منها وطال فراقه عنها لكن الحنين والتجذر ما يقيدانه بها، فاختار الناس أن يعودوا إلى ما تبقى من ذكرياتهم وخيال حياتهم القديمة، على أمل أن ينصفهم الأمل ويعم عليهم الأمان وتؤمن لهم معيشة تحفظ لهم الكرامة.

الحلول الواقعية

عطفاً على ما سبق وفي سياق الواقع المر، كان قد طالب مزارعو ومربو الثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية بريف دمشق بإعادة تشغيل معمل ألبان الغوطة التابع للقطاع العام، مؤكدين أن هذه الخطوة ستساهم في استجرار الحليب منهم والحد من خسائرهم المادية الناجمة عن توقف المعمل واحتكار التجار.

كما طالبوا خلال لقائهم بمدير زراعة دمشق وريفها الدكتور “زيد أبو عساف” في قيادة منطقة الغوطة الشرقية، بوضع ضوابط على استيراد الحليب المجفف وإمكانية تسعيره رسمياً، بالإضافة إلى إيقاف بيع النخالة عبر المزاد وتوفيرها مباشرة في المراكز الحكومية، مشددين على أهمية إعادة تأهيل محطة معالجة مياه الصرف الصحي في “عدرا”، طالبين إعداد دراسة لإنشاء محطة مماثلة في منطقة “الإحدى عشرية”.

في وسط جنون الواقع نطرح حلولاً منطقية تجمع خطة متكاملة بين محاور عديدة: “الإعمار، الزراعة، الاقتصاد المحلي، الدعم الاجتماعي”، فيما يتعلق بالبنية التحتية والمنازل المهدمة: في ظل غياب القدرة على إعادة الإعمار الشامل بسبب غلاء المواد وارتفاع الإيجارات، من الممكن إطلاق مبادرات لإعمار جزئي تدريجي قائم على فكرة “الإعمار المجتمعي”، بمعنى أن تتشارك أكثر من عائلة في بناء مكان سكن مشترك يتقاسمونه سوياً، مع الاستفادة من إعادة تدوير الانقاض مثل: (الحديد، الحجر، الأخشاب) ما يخفف من التكلفة بعض الشيء، وتقديم اقتراح للمنظمات الإغاثية لمنح قروض صغيرة بفوائد شبه معدومة لتشجيع إعادة الترميم على أقل تقدير.

ليستند الحاضر على الماضي، وليعتمد على إحياء الحرف اليدوية التقليدية (الزجاج، الفخار، التطريز) وتفتح أسواق حصرية لصناعات أهل الغوطة منهم، خاصة للنساء، وأن تربط هذه الصناعات الصغيرة البسيطة بأسواق المدن، وأن يتم العمل على تصديرها ولو بنسبة بسيطة عبر وسطاء، أو من خلال استغلال المنصات الإلكترونية، وأن تحمل نلك المنتجات علامة “صنع في الغوطة”، ما يعيد إليها ألقها الصناعي ويعزز هوية المنطقة.

مهما مرّ على أرض الغوطة تبقى صالحةً للزراعة، فيجب العمل على إعادة تأهيل الأراضي الزراعية بخطط مرنة وكلفة من بسيطة إلى متوسطة بعض الشيء، مثل إدخال محاصيل سريعة النمو ورخيصة البذور، والاعتماد على الريّ بالتنقيط من مياه معاد تدويرها كأساليب ري مبتكرة أقل تكلفة ووقت، مع الاشتراك بإعادة تأهيل المساحات التالفة من قبل عدد من الأهالي وزرعها بمحاصيل بسيطة وتقاسم غلاتها، ومنها تكون مصدر مونة لهم.

من المهم إلى جانب إعادة التأهيل الزراعي الالتفات للإنتاج منه والتدبر في تسويقه، ذلك عبر إنشاء منصات تسويق محلية رقمية أو نقاط محددة يديرها المزارعون بأنفسهم متعاونين مع جهات حكومية متمثلة بوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ومنظمة عبر وسطاء تابعين لجمعيات إغاثية أو خيرية غير ربحية، بشكل تجمع فيه هذه المنتجات وتنقل للسوق المحلية بشكل مباشر أو للمستهلكين الزائرين للنقاط التي تعرض هذه المنتجات، مما يزيد من ربح المزارعين ويخفض الكلفة على الأهالي.  مقترح أخر للإنتاج يعتمد على تدريج نمط “السلة الغذائية المباشرة” القائم على تعاقد المستهلك مع المزارعين بشكل مباشر لشراء إنتاج موسم كامل بشكل مسبق وربما يمكن طرحه بنسبه أرباح معينة تخدم الطرفين.

لا غنى عن التدخل الحكومي ولو كان محدوداً عبر إنشاء تعاونيات زراعية تضم (بذور وتقدم معدات زراعية وآليات خفيفة) تعتمد على نظام الأقساط أو نسب الأرباح بفوائد خفيفة جداً لكنها مساعدة كثيراً أو أن تدعم هذه التعاونيات فكرة الشراء الجماعية لكميات معينة يتقاسمها الفلاحون حسب حاجتهم بكلفة مدروسة تتغير بتغير الإنتاج الزراعي، في حال إقامة تلك التعاونيات يمنح المزارع قوة تفاوضية أكبر في الأسواق المحلية، نابعة من أرضية حكومية ثابتة  يمكن الاستناد عليها، ما يضمن استمرار الإنتاج تحت كل الظروف والأزمات، والعمل مستقبلاً على إضافة خاصية جذب التمويل الخارجي والدعم الدولي بالاعتماد على مغتربي المنطقة ونشاطهم في الخارج، بذلك يمكن أن تنتج لدينا صيغة تعاون شفافة ومستدامة.

اقرأ أيضاً: سوريا تختنق: تلوث الهواء يهدد حياتنا!

ختاماً، غوطة دمشق ورغم الجراح فهي خصبة وولادة كتربتها، وما زال سكانها قادرين على العطاء، بتضافر الجهود لا شيء مستحيل، فإعادة الغوطة كما كانت ليست بالحلم البعيد… الأمل بالبذار ينبت الزرع والأمل بالازدهار ينبت الروح ويغذي القلب، ما زال هذا الأمل شعلة أهل الغوطة فهي عائدة بشجرها وحجرها وفرحها لا محالة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.