بقلم: ريم ريّا
في اللاذقية تحول عيد الفطر إلى مأساة وحزن خيما بظلهما على المدينة. في الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل الملاهي مساحة ترفيه وقضاء أوقات للفرح في العيد للعائلات والأطفال، أتت حادثة “ملاهي الشاطئ الأزرق” في اللاذقية لتعيد فتح ملف حساس يتعلق بواقع المنشآت الترفيهية في سوريا ومدى التزامها بالشروط القانونية والفنية المفروضة.
فعندما تغيب معايير السلامة وتهمل إجراءات الرقابة، وتزهق الأرواح بين النصوص القانونية الواضحة من جهة والتطبيق العملي الغائب أكثر منه متفاوت من جهة أخرى، تبرز تساؤلات جدية حول الجهة المسؤولة عن الحماية، وما حدود المحاسبة، وهل يمكن منع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً. في هذا المقال سنعرض مجريات الحادثة وتبعاتها ونبيّن رأي القانون السوري منها.
حادثة ملاهي اللاذقية وتداعياتها على المجتمع المحلي
شهد أول أيام عيد الفطر في مدينة الملاهي “الشاطئ الأزرق” في اللاذقية حادثة مأساوية، حين سقطت عارضة حديدية من إحدى الألعاب أثناء التشغيل، ما أدى إلى وفاة شابة تبلغ من العمر 19 عاماً، وإصابة أخرى بجروح خطرة، إلى جانب عشرات الإصابات بين الزوار والوافدين.
تضاعف حجم الصدمة والخوف جراء الحادثة، لوقوعها في وقت يشهد إقبالاً وازدحاماً شديدين تحديداً من قبل العائلات والأطفال. ومع انتشار تفاصيل الحادثة على مواقع التواصل الاجتماعي سرعان ما تحولت قضية ملاهي اللاذقية إلى قضية رأي عام، حيث عبر المواطنون عن استيائهم وغضبهم من غياب شروط السلامة، وانتقدوا السماح بافتتاح منشأة جديدة من دون التأكد من جاهزيتها الفنية، مبدين حزنهم وأسفهم على الضحايا.
في الحقيقة، تداعيات الحادثة تجاوزت الحزن والغضب في الشارع اللاذقاني، لتتمثل بتراجع الثقة بالمؤسسات المعنية بالرقابة، وطرحت مخاوف حقيقية لدى الأهالي من تكرار مثل هذه الحوادث في أماكن من المفترض أنها تتمتع بمعايير السلامة والأمان.
اقرأ أيضاً: في محافظة اللاذقية.. المكياج في قفص الاتهام والقانون خارج القاعة
الجهات المعنية تحركت وقدمت التوضيحات
سارعت الجهات المعنية في محافظة اللاذقية إلى اتخاذ إجراءات مباشرة، تمثلت بإصدار قرار رسمي بإغلاق مدينة ملاهي “الشاطئ الأزرق”. وقدمت الجهات المحلية في المحافظة توضيحات حول الأمر، وقالت أن القرار جاء نتيجة عدم حصول المنشأة على التراخيص القانونية اللازمة، فضلاً عن مخالفتها شروط مزاولة المهنة وافتقارها إلى تدابير السلامة العامة والتأمينات الضرورية للزوار. الإجراءات لم تقف عند هذا الحد بل تمددت لتشمل مدن ملاهٍ أخرى مثل “النخيل” و”البانوراما”، وذلك أيضاً بسبب عدم استيفائهما معايير السلامة المطلوبة.
الجهات تحركت في خطوة تهدف إلى توسيع نطاق الرقابة على هذه المنشآت وإعادة تقييم أوضاعها. إلى جانب التأكيد على متابعة التحقيقات في ملابسات حادثة سقوط العارضة وتحديد المسؤوليات. لكن هذه الإجراءات على الرغم من سرعتها أثارت انتقادات واسعة في الوسط اللاذقاني، لأنها جاءت متأخرة وبمثابة رد الفعل بعد وقوع الكارثة، في حين كان من المفترض أن تكون هذه الإجراءات والرقابة جزءاً استباقياً يمنع حدوث الكارثة من الأساس.
القانون السوري والرقابة على الملاهي
قانونياً، يتصدى قانون العقوبات السوري لمثل هكذا حوادث. إذ يضع هذا القانون إطاراً واضحاً لمحاسبة المسؤولين عن الحوادث الناتجة عن الإهمال. فقد نصت في المادة 550 منه، على معاقبة كل من تسبب بوفاة شخص نتيجة الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة بعقوبة الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات. أما المادة 551، فنصت على معاقبة الإيذاء غير المقصود بدرجات متفاوتة بحسب حجم الضرر.
وحادثة الملاهي، تصنف جرمياً ضمن جرائم القتل غير المقصود، إذ لا يكون للفاعل أي قصد بإحداث النتيجة، لكنه يتحمل المسؤولية لكونه تسبب بضرر كان يمكن تفاديه لو تم الالتزام بواجبات السلامة والحذر. كما ويشترط القانون لقيام هذه الجريمة توفر ثلاث أركان رئيسية وهي: الفعل الضار، الخطأ، رابطة السببية. كما أن الخطأ كركن من أركان هذه الجريمة، يشمل صوراً متعددة منها الإهمال، عدم الالتزام بالقوانين وقلة الاحتراز.
بالرغم من وضوح النصوص، أتت حادثة ملاهي اللاذقية لتكشف عن فجوة عميقة بين القانون السوري وتطبيقه، ليبدو أن الرقابة على مدن الملاهي في سوريا لا تمارس بشكل منظم وكافي، وهذا ما يسمح بقيام منشآت من دون استيفاء الشروط الفنية اللازمة، ما يؤكد الحاجة إلى تفعيل التفتيش الدوري وتعميق آليات الرقابة الصارمة من أجل السلامة العامة.