صحة و جمال

كلمتان عن أسعار الكهرباء والاحتجاجات.. و«صبر الشارع الاستراتيجي»!

كلمتان عن أسعار الكهرباء والاحتجاجات.. و«صبر الشارع الاستراتيجي»!

الكاتب: أحمد علي

الكهرباء في سوريا – كما في أي بلد آخر- ليست رقماً على عداد ولا بنداً في ميزانية البيت، بل هي بطبيعة الحال شرط حياة يبدأ من الحاجة إلى تدفئة غرفة، إلى تشغيل ورشة، وحفظ طعام ودواء في بلد اعتاد التقنين. لذلك جاء قرار رفع التعرفة بوصفه صدمة أكثر منه خبراً اقتصادياً عادياً. السلطة تتحدث عن قطاع خاسر يحتاج تمويلاً كي يتحسن، والناس يقارنون الفاتورة بالراتب وبساعات التغذية المحدودة. وبين الروايتين خرج غضب واسع على منصات التواصل، لكن الشارع بدا أقل حضوراً مما توحي به حدة النقاش.. لماذا؟ أين المشكلة؟ وهل يمارس السوريين السياسة عملاً بفقه «الصبر الاستراتيجي»؟!

رفع أسعار الكهرباء في سوريا

بدأ الجدل حول رفع أسعار الكهرباء في سوريا منذ إعلان تسعيرة جديدة أواخر تشرين الأول 2025، ثم ظهر أثر القرار مع الفواتير الأولى. ركّز المعترضون على مفارقة تتكرر في التعليقات اليومية، وهي أن السعر ارتفع بينما الخدمة ما زالت متقطعة. ورأى مؤيدو القرار أن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ من دون تسعير أقرب إلى الكلفة، وأن ارتفاع السعر قد يكون خطوة لجذب استثمار وصيانة الشبكة.

وبين الطرفين ظل سؤال يفرض نفسه على أي نقاش، هل يمكن لأسرة متوسطة أن تدفع وتبقى قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.

أرقام القرار وأسبابه الرسمية

قُسمت التعرفة الجديدة إلى أربع شرائح استهلاك. الشريحة الأولى للاستهلاك المنزلي حتى 300 كيلوواط خلال شهرين سُعرت بنحو 600 ليرة سورية للكيلوواط مع دعم حكومي معلن، ثم ترتفع الشرائح التالية إلى نحو 1400 ليرة، وصولاً إلى 1700 و1800 ليرة في بعض الاستخدامات المرتفعة أو الصناعية.

وفي تفسير القرار، أشارت وزارة الطاقة إلى دراسة لمعدلات الاستهلاك والقدرات الإنتاجية بهدف الاستمرارية وتقليل العجز المالي المتراكم.

الملف مرتبط أيضاً بمعادلة التوليد والوقود، فالمعطيات تتحدث عن إنتاج محلي يقارب 2200 ميغاواط مقابل حاجة أعلى بكثير، وعن أن زيادة التوليد تعتمد إلى حد كبير على توفر الغاز. وفي شرح كلفة الإنتاج، نُقل عن الوزارة تقدير لكلفة الكيلوواط بنحو 15 سنتاً قبل احتساب الهدر والنقل، مع حديث عن خسائر شهرية كبيرة بسبب الفارق بين الكلفة والتعرفة السابقة.

وتشرح هذه الأرقام منطق الدولة، لكنها لا تلغي أثر القرار على الناس لأن أي زيادة في الكهرباء تنتقل سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات. ومع انتقال الأثر إلى السوق، نقلت تقارير عن أصحاب ورش ومحال أن الفواتير ارتفعت خلال أيام، ما دفع بعضهم إلى رفع الأسعار أو تقليل ساعات العمل. وصاحب ورشة نجارة في ريف دمشق قال إن فاتورته تضاعفت خلال أسبوع، فزاد أسعار بعض المنتجات.

غضب واسع وحضور محدود

رغم أن الشكوى من الفواتير كانت عامة، فإن الاحتجاجات الميدانية بدت محدودة العدد بشكل مفاجئ وصادم إلى حد ما. في سلمية بريف حماة نُظمت وقفة احتجاجية أمام مؤسسة الكهرباء شارك فيها عشرات المواطنين ورفعت لافتات تربط الأسعار بمستوى الدخل. وفي حمص شهدت ساحة الساعة الجديدة وقفة أخرى وُصفت بالسلمية للاعتراض على القرار.

وفي دمشق قبل أيام ظهرت دعوات لوقفة صامتة أمام مبنى وزارة الطاقة في كفرسوسة، ونص الدعوة المتداول أشار إلى تنسيق مع الجهات المختصة من دون توضيح اسم الجهة المنظمة. فعلياً حدثت وقفة أمام وزارة الطاقة، الأولى قدّر عدد الحاضرين فيها من بين 40 إلى 50 محتجاً. والثانية في بداية طريق القصر، لم يتجاوز عدد الحاضرين إليها أكثر من عشرين شخصاً، وهذه الأعداد هي مؤشرات عمّا نتحدث عنه هنا.

هذا الفارق بين غضب واسع وحضور محدود هو أمر يستدعي التفسير حقيقةً.. ضمن هذا الإطار فسره ناشطون ومراقبون بعدة عوامل. بعضهم يعيده إلى الخوف من تبعات المشاركة، وهذا البعض قليل جداً، فهامش وحرية المشاركة يبدو واسعاً في البلاد بهذه اللحظات. وآخرون يربطونه بإرهاق اجتماعي طويل وبأولويات يومية تضغط على الناس، ما يجعل النزول إلى الشارع قراراً مكلفاً. وهناك من يضيف عاملاً تنظيمياً بحتاً، وهو أن الدعوة التي لا تملك عنواناً واضحاً ولا مطالب دقيقة ولا قناة تفاوض، تبدو لكثيرين مجرد لحظة انفعال لا جدوى منها.

هوية المنظمين وضبابية المشهد

سؤال التنظيم هو نقطة حساسة في هذه القصة. كثير من الدعوات خرجت من صفحات شخصية أو مجموعات على فيسبوك، فبقيت الثقة مهزوزة لدى جمهور يخشى الاستغلال أو الفشل. ووجود عبارة مثل التنسيق مع الجهات المختصة قد يُفهم على أنه ضمان للسلمية، لكنه قد يُفهم أيضاً على أنه سبب إضافي للتردد، لأن الناس لا يعرفون من يتحدث باسمهم ولا ما الذي سيحدث بعد الوقفة.

وفي المقابل ظهرت محاولات للعمل عبر القنوات الرسمية، فقد نشرت الصحافة المحلية أن محامياً سورياً تقدم بطلب رسمي إلى وزارة الداخلية لتنظيم وقفة احتجاجية سلمية ضد غلاء الكهرباء، وترك للجهات المعنية تحديد المكان والزمان لضمان السلمية.

كما برزت أطر مدنية في بعض المناطق. في سلمية مثلاً نُسب تنظيم الوقفة إلى هيئة عمل مدني ديمقراطي، وفي حمص تداولت تقارير أسماء تجمعات مدنية دعت للاحتجاج هو شيء جيّد بطبيعة الحال، لكن وجود هذه البذور لا يعني وجود شبكة وطنية قادرة على الحشد والمتابعة، وهو ما يفسر لماذا يتحول الغضب المرتبط برفع أسعار الكهرباء في سوريا إلى موجات قصيرة بدلاً من حملة طويلة النفس. وربما هذا يضع مسؤولية كبرى على القوى السياسية والمدنية التي تدّعي تمثيل الناس والنضال من أجل مصالحها، بأن تمارس فعلاً حقيقياً لا أن تكتفي بالبيانات والمراقبة، فلمن تترك مثل هذه الجهات أمر تنظيم الناس وتوحيد شعاراتها ومطالبها؟ وأين هي الآن؟ أليس السوريين بأمسّ الحاجة لها؟

نسأل ذلك لا من باب الهجوم على هذه القوى ومحاولة النيل منها، لا، فهذا لا يفيد سوريا والسوريين أصلاً، إنما ننقل هنا ما يقوله الناس والشارع، فالناس تسأل، وسؤال الناس محقّ.

بين الإصلاح والعدالة الاجتماعية

والناس لا يطلبون مجرد خفض سعر، بل وضوحاً في المقابل. هل ستزيد ساعات التغذية فعلاً؟ هل ستتحسن الأعطال والشبكات؟ المعطيات تتحدث عن مساع لدعم إنتاج الكهرباء عبر إمدادات غاز من قطر بهدف رفع ساعات التغذية اليومية، وعن اعتماد من يستطيع على الطاقة الشمسية والمولدات الخاصة لتعويض النقص. وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير إلى تفاهمات واستثمارات معلنة لإعادة بناء القطاع، لكن أثرها يحتاج وقتاً وقدرة تمويلية واستقراراً إدارياً.

في هذا السياق، يتحول النقاش إلى كيفية توزيع كلفة الإصلاح. بعض الاقتصاديين يدفعون باتجاه رفع تدريجي مع دعم أكثر استهدافاً للفئات الأضعف وربط أي زيادة بتحسن ملموس في الخدمة، بينما يرى آخرون أن التأجيل الدائم يراكم خسائر أكبر ويعطل أي تحديث. وبين هذين الرأيين تظهر حقيقة اجتماعية واضحة، وهي أن الاحتجاج الفعّال يحتاج قناة تمثيل تفاوض باسم الناس، سواء كانت نقابة مستقلة أو تحالفاً مدنياً أو سياسياً واسعاً. فغياب هذه القناة يجعل كثيرين يفضلون الشكوى الفردية أو المقاطعة الصامتة بدل المشاركة العلنية.

في النهاية، وكما يبدو، سيبقى رفع أسعار الكهرباء في سوريا ملفاً مفتوحاً، لأنه يمس كل بيت وكل سوق. وبينما تتحدث الدولة عن الاستدامة وتقليل العجز، يتكرر سؤال الناس عن العدالة والقدرة على الدفع. فالكهرباء حق، ولا يجوز أن يدفع السوريون ثمن الحرب من جيوبهم فيما ينعم أمراء الحرب والنهب بأموالهم في الداخل والخارج. هذه مسألة لا إنصاف فيها ولا عدل، ولا طاقة للسوريين بها. ثم إن 90% منهم، وفق تقديرات الأمم المتحدة، يعيشون تحت خط الفقر. لذلك، على أصحاب القرار أن يراجعوا أنفسهم قبل فرض إجراءات تُفهم على أنها عقوبة جماعية بحق شعب تعب وناضل ودفع أثماناً باهظة من أجل أن يعيش بحرية وكرامة.

وإن كان هناك «صبر استراتيجي» يمارسه الناس بحكم تجربتهم ومعرفتهم بحجم تعقيد المشهد، فإن ذلك لا يضمن ألّا يتحول أي ملف عالق وحسّاس إلى شرارة جديدة تزيد المشهد تعقيداً. ومن هنا ترتفع المسؤولية على أصحاب الشأن والقرار في أن يقطعوا مع سياسات الإجحاف بحق الناس، وأن يبحثوا عن حلول جدية بعيداً عن جيوب الفقراء… آن الأوان لأن يكون جيب الفقير خطاً أحمر في سوريا!

اقرأ أيضاً: رفع الكهرباء جائر.. ما المقترح الذي قدمته لجان المزة؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.