بقلم هلا يوسف
تشهد مدينة حماة في الفترة الأخيرة حالة من الجدل المتصاعد على خلفية قرارات تنظيم البسطات في شوارعها الرئيسية، وهذا الجدل يظهر بشكل واضح في التناقض بين متطلبات التنظيم الحضري وضرورات العيش اليومية لفئات الشعب الذي في أغلبيته واقع تحت خط الفقر. وفي الواقع تحولت قرارات التنظيم الأخيرة إلى أزمة لها أبعادها المختلفة، فمن ناحية أصحاب البسطات، ومن ناحية أخرى أصحاب المحال التجارية وتحركات الجهات المعنية المتناقضة التي أدت إلى إرباك وخسائر لأصحاب البسطات.
بدأت فصول هذه الأزمة مع خروج عدد من أصحاب البسطات إلى الشارع احتجاجاً على قرار مجلس المدينة حول إزالة بسطاتهم من شارعي الدباغة وابن رشد، ونقلها إلى محيط قلعة حماة. وقد عبر المحتجون عن رفضهم للقرار عبر تجمعات ولافتات، مؤكدين أن هذا النقل يهدد مصدر رزقهم الأساسي، خاصة أن مواقعهم السابقة تتميز بنشاط الحركة التجارية التي تسمح لهم ببيع بضائعهم يومياً.
ويؤكد الباعة أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في تغيير الموقع، بل في طبيعة المكان الجديد الذي يفتقر على حد وصفهم إلى الازدحام الذي يعتمدون عليه في عملهم. فالبسطة بطبيعتها تقوم على العفوية والمرور اليومي للزبائن، وهو ما لا يمكن تعويضه بسهولة في موقع منظم أو بعيد نسبياً عن مركز الحركة.
ولعل أكثر ما يبرز حجم التأثير هو القصص الفردية للمتضررين. فقد تحدث أحد أصحاب بسطات بيع “البيتفور” عن خسارته الكبيرة بعد القرار، موضحاً أنه استعد لموسم العيد بشراء كميات كبيرة من الحلويات بقيمة وصلت إلى نحو 20 مليون ليرة، مستنداً إلى قرار سابق سمح لهم بالتمركز في شارع الدباغة. لكن القرار المفاجئ بنقلهم إلى محيط القلعة وضعه أمام واقع صعب، حيث يشعر بالقلق الآن من تلف جزء من بضاعته أو عدم بيعها في الوقت المناسب، وهو ما قد ينعكس بشكل كارثي على وضعه المعيشي.
ولا يختلف حاله كثيراً عن غيره من الباعة الذين استثمروا ما يملكونه من رأس مال بسيط في بضائع موسمية، واضعين آمالهم فيها لتحقيق دخل يساعدهم على تجاوز أعباء الحياة، لكن وجدوا أنفسهم فجأة أمام قرارات متضاربة أربكت حساباتهم وأفقدتهم القدرة على الاستمرار.
بين ضرورات التنظيم وواقع المعيشة
من جهتها تروي الجهات المعنية رواية مختلفة، إذ تؤكد أن قرار نقل البسطات يأتي في إطار الاستجابة لشكاوى السكان والتجار، الذين تضرروا من إغلاق الطرق وانتشار الأسواق العشوائية. فقد أشار عدد من أهالي أحياء تل الدباغة وتل الباشورة إلى أن إغلاق الطريق الرئيسي لفترة طويلة تسبب بحالة شلل شبه تام، وأثر سلباً على الحركة اليومية وعلى عمل المحال والعيادات.
كما لفتوا إلى أن انتشار البسطات بشكل غير منظم أدى إلى تفاقم الازدحام، وتحويل الشارع إلى ما يشبه سوقاً عشوائياً، تحكمه النفايات والأوراق، مما انعكس على النظافة والمظهر العام، عدا عن صعوبة الحركة سواء في المشي أو في السيارات. وبناءً على هذه المبررات، يرى مؤيدو القرار أن تنظيم البسطات ضرورة لا يمكن تأجيلها، وأنه لا بد من تنظيم الأماكن العامة بما يحقق مصلحة الجميع.
ويعبر بعض أصحاب المحال التجارية عن استيائهم من المنافسة التي يقولون أنها غير متكافئة، إذ يتحملون تكاليف مرتفعة من إيجارات ورسوم، في حين يعمل أصحاب البسطات بتكاليف أقل، مما يمنحهم قدرة على بيع السلع بأسعار أدنى. ويرى هؤلاء أن استمرار الوضع السابق كان يهدد استمرارية أعمالهم، خاصة في مواسم الذروة مثل الأعياد.
قرارات متضاربة وأزمة ثقة
غير أن المشكلة في نظر كثيرين، لا تتعلق فقط بمضمون القرار، بل بطريقة إدارته وتوقيته. ففي وقت سابق، تم السماح للباعة بالتمركز في طلعة الدباغة، كما تم إغلاق الشارع أمام حركة السير، مما شجعهم على الاستعداد لموسم العيد وشراء بضائعهم. لكن هذا القرار لم يدم طويلاً، إذ تبعه قرار مفاجئ بنقلهم إلى موقع آخر، الأمر الذي خلق حالة من الإرباك والخسائر.
هذا التخبط في القرارات انعكس بشكل مباشر على مختلف الأطراف. فالباعة خسروا جزءاً من موسمهم، والسكان عانوا من الازدحام والفوضى، بينما وجد السائقون أنفسهم أمام طرق مغلقة ومسارات بديلة غير مهيأة. وهكذا تحولت المشكلة إلى أزمة عامة طالت الجميع دون استثناء.
كما أثار غياب الوضوح في تفاصيل البدائل المطروحة، مثل “البازارات” الجديدة مزيداً من القلق. فعلى الرغم من تأكيد المسؤولين أن هذه المواقع مدروسة وأن التسجيل فيها متاح للجميع، إلا أن غياب خطة واضحة للتسعير أو آلية جذب الزبائن جعل كثيراً من الباعة يشككون في جدوى هذه الحلول.
وفي خضم هذا الجدل، برزت أيضاً آراء تدعو إلى إيجاد حلول مبتكرة، مثل الترويج للمواقع الجديدة عبر وسائل الإعلام والمؤثرين، بهدف جذب الزبائن وتعويض الباعة عن خسارة المواقع الحيوية. وهي أفكار تعكس إدراكاً بأن المشكلة لا يمكن حلها فقط بتغيير المكان، بل تحتاج إلى إدارة متكاملة تأخذ بعين الاعتبار سلوك السوق وطبيعة المستهلك.
في النهاية، تقف محافظة حماة أمام اختبار التوازن في قراراتها. فتنظيم المظهر الحضاري هو واجب عليها، لكن في المقابل لا ينبغي أن يكون هذا التنظيم على حساب مصادر رزق مئات العائلات، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وبين هذا وذاك، يبقى المواطن بكل فئاته هو الخاسر الأكبر، في انتظار حلول أكثر عدلاً واستقراراً تعيد التوازن إلى شوارع المدينة وأسواقها.
اقرأ أيضاً: البسطات في سوريا خطوة نحو التنظيم وإيجاد الحلول