ألعاب

لماذا تضلّ التوربينات الهوائية في سوريا جهة رياح الجولان؟

لماذا تضلّ التوربينات الهوائية في سوريا جهة رياح الجولان؟

بقلم: ديانا الصالح

لا شك أن المقارنة بين الدول في مجال إدارة الموارد الطاقوية تبرز فجوة تنموية تختلف أشكالها باختلاف السياسات والرؤية الاستراتيجية التي تتبعها كل جهة. وإذا ما أخذنا بيت الشعر وحرفّناه قليلاً ليتناسب مع مقصدنا، فيمكننا القول: «ومن نكد الدهر على المر أن يجد، عدولاً له ما من “جيرته” بدّ»، ولهذا اخترنا دولة الاحتلال الإسرائيلي للمقارنة معها، كونها تستحوذ على أراضٍ تشبه أراضي دولتنا وتديرها من حيث سياق التشبيه.

في الوقت الذي تتجه فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي نحو تكوين قوة طاقوية مستدامة من خلال مشاريعها الاستثمارية الضخمة لا سيّما في مجال التوربينات الهوائية، لا يزال القطاع السوري يترنّح بين ضعف الإنتاجية وغياب الخطط الاستراتيجية طويلة المدى.

هذا الاختلاف الواضح يفرض عدة تساؤلات ملحّة حول الأسباب الكامنة وراء نجاح بلد بدأ من الصفر طاقوياً مقابل إخفاق آخر يملك نفس المقومات والموارد الطبيعية، فما هي أسرار هذه المعادلة، وهل تكمن الإشكالية بالظروف أم بالإدارة؟

للمزيد من التفاصيل حول التوربينات الهوائية في سوريا وأسباب ضعف مشاريعها، مقارنة بدولة الاحتلال التي تنشر توربيناتها بكثافة في أراضي الجولان، تابع مقالنا التالي..

التوربينات الهوائية في سوريا مقابل إسرائيل

تشير القراءات التحليلية إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي قد بدأت بالفعل من نقطة متدنية نسبياً في مجال الطاقة المتجددة بشكل عام، ولكنها على الرغم من ذلك انطلقت بقوة في هذا المجال بعد تبنيها لسياسات واستراتيجيات واضحة لدعم مختلف أنواع الطاقة النظيفة، من بينها التوربينات الهوائية، وذلك من خلال الحوكمة الواضحة والإطار المؤسسي والتنظيمي المتكامل، وهذا ما يتجسد بتشكيل هيئة الكهرباء الإسرائيلية المسؤولة عن مراقبة ومتابعة مشاريع توليد الكهرباء، وضمان الشفافية والالتزام بالقوانين والضوابط المحددة، بما يحقق الربط الفعال للكهرباء بالشبكة.

ويتمثل نجاح الإطار التنظيمي والاستثماري الذي تتبناه دولة الاحتلال الإسرائيلي عبر تنفيذها لمشاريع توربينات هوائية ضخمة، مثل مشروعها العملاق Genesis Wind الذي يبلغ حوالي 207 ميغاواط، وقد تم تنفيذه وتشغيله في هضبة الجولان المحتل في عام 2023، كما يجري التخطيط لإنشاء مشاريع توربينات هوائية بقدرة 500 ميغاواط تقريباً، وفقاً لتقارير سوق الطاقة الإسرائيلية، ذلك بهدف تحقيق التنويع الاقتصادي بعيدا عن الاعتماد المركزي على الوقود الأحفوري، كجزء من أهداف 2030 والتي تتمحور حول تحسين الطاقة المتجددة، لتبلغ حصتها 30%.

في المقابل، لا تزال التوربينات الهوائية في سوريا تدور ضمن دائرة الإعلانات والمشاريع والصفقات قيد الدراسة دون تطبيق فعلي، حيث أعلن عن التخطيط لعدة مشاريع لم تبصر النور حتى يومنا هذا، مثل مشروع إقامة مزارع رياح بقدرات تبلغ حوالي 50 إلى 100 ميغاواط مع تحديد منطقتي السخنة في ريف حمص أو الهجانة جنوب دمشق، كمواقع مناسبة خلال عامي 2009-2010، والجدير بالذكر أن توظيف طاقة الرياح في سوريا بقي محصوراً ضمن استخدامات صغيرة كضخ المياه لعدد من المناطق بعيداً عن المنظومة الكهربائية، فضلاً عن اعتمادها المركزي على النفط والغاز والاستيراد.

الجدير بالذكر أنه تم تشغيل عنفة ريحية في الذهبية على طريق “حمص-طرطوس” لتوليد الكهرباء خلال عام 2021، ورُبطت مع الشبكة الكهربائية باستطاعة تقدر بحوالي 2.5 ميغاواط، إلا أن تأثيرها على شبكة حمص متواضع جداً، كونها تحتاج وسطياً لحوالي 300 ميغاواط، رغم أن هذا المشروع يعد من أعلى الاستطاعات المركبة لتوليد الطاقة الكهربائية من الرياح.

وفي الوقت الحالي، تدور التقارير الرسمية حول نفس الأحاديث القديمة التي تتعلق بمناقصات وخطط ضخمة لمشاريع هوائية بقدرات 100‑200 ميغاواط، ولكنها ضمن إطار مبهم، فلا توجد أية معلومات أو تفاصيل أخرى تتعلق بوقت التنفيذ أو وضعه.

لسنا بصدد مقارنة الإنجازات والتنفيذ الفعلي بين الطرفين، بل سنتحدث عن الأسباب والدوافع الحقيقية وراء نجاح الإسرائيلي في تشغيل التوربينات الهوائية، وبقاء الجانب السوري محصوراً بمشاريعه المؤجلة واعتماده على الوقود الأحفوري دون التوجه الفعلي نحو تحقيق التنمية المستدامة.

التمويل المادي والتقني

تساهم القدرة على الوصول إلى موارد تمويلية كبيرة في تقدم دولة الاحتلال الإسرائيلي في تشغيل التوربينات، حيث تتاح لها تدفقات تمويلية ودعم تقني من خلال البرامج الدولية والتعاون البحثي مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، على سبيل المثال، حصلت مؤسسات بحثية وشركات تقنية إسرائيلية على تمويل من برنامج Horizon Europe، الذي يستهدف مشاريع البحث والتطوير في مجالات التكنولوجيا والطاقة، وبلغت قيمة المنح المقدمة نحو 1.1 مليار يورو خلال الفترة 2021–2024، فضلاً عن استثماراتها المحلية ومشاركتها للقطاع الخاص، الأمر الذي مكنها من تعزيز البنية التحتية التقنية ومواصلة التطوير والتحديث إلى جانب الصيانة.

بينما سوريا لم تحظَ بالتمويل الكافي أو الدعم الدولي القادر على دفع عجلة التوربينات الهوائية التي تحتاج مبالغ مالية ضخمة لتشغيلها، وعلى الرغم من إعلان مناقصة حول مشروع لإقامة مزرعة رياح تحت إشراف عدة شركات مؤهلة منها الشركة الصينية Sinosteel Tiancheng خلال عام 2011، إلا أنه بقي مجرد حبر على ورق، وذلك يعود لطبيعة الاستثمارات الصينية الخاصة التي تستهدف المشاريع الكبرى مضمونة الأرباح، الأمر الذي يفسر دعمها المحدود لسوريا حتى قبل سنوات الصراع نتيجة للمخاطر الاستثمارية وعدم اليقين بقدراتها على استرداد القروض، إلى جانب التشريعات والقوانين الاستثمارية غير المستقرة، والفساد الإداري الذي أرخى بظلّه على جميع التجارب المشابهة.

لكن من ناحية أخرى، كانت أموال الاستثمارات الصينية الحكومية ستتكفل بتعويض نقص التمويل لدى الجانب السوري، فالصين هي الشريك التجاري العالمي القادر على تعويض أوروبا وأمريكا بالنسبة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، كما أثبتت تجارب الكثير من الدول النامية التي لا يعيرها الغرب اهتماماً.

يتضح ما نقول بشكل عملي وجلي في الاستثمارات والأعمال الصينية في دول شمال ووسط إفريقيا، وهي الاستثمارات التي تم تقريرها والمباشرة بها رغم أنّها لا تدرّ أرباحاً مباشرة مضمونة (خلال عقد واحد بين 2002 و2022، تجاوزت الاستثمارات الصينية في القارة الإفريقية 390 مليار دولار)، ذلك أنّ الاستثمار الحكومي الصيني يعمل بناء على استراتيجية بعيدة المدى تجبره على الابتعاد عن معيار الربح لكونه يريد منافسة التمويل الغربي التقليدي (39 مليار دولار في أنغولا، و22.4 مليار دولار في الكونغو لمن يريد التوسع في هذا المضمار).

لكن للأسف، لم تتمكن سوريا من الاستفادة من الصعود التمويلي الصيني حول العالم، ولا تمكنت من جذب جزء من هذه الاستثمارات، والسبب الرئيسي هو فساد السلطة وارتباطها بالريع والسمسرة، الأمر الذي ألقى بظلّه على صانعي القرار ومنفذيه وفسادهم المتنامي، وجعل من الدول أمثال الصين غير مهتمة بوضع أموال قد تضيع في ثقب الفساد الأسود السوري. وإن كانت السلطة الحالية في سوريا تريد تفادي هذا الخطأ، فلا يزال الوقت متاحاً ومناسباً.

جوهر المشكلة مؤسساتي تنظيمي

إلى جانب العجز المالي الذي تعانيه سوريا، هناك أسباب جوهرية أخرى تتعلق بعدم التقدم السوري في استغلال مقوماتها بشكل وافٍ للتوجه نحو تشغيل التوربينات الهوائية، وتتمثل بالعوائق السياسية والمؤسساتية والتنظيمية.

إذاً نحن الآن في لبّ المشكلة، فالمقومات موجودة ولكن البيئة التنظيمية تحول دون توظيفها أو استثمارها بالشكل المطلوب، وهذا ما يتجسد بتذبذب القرارات والقوانين، فما هو مسموح اليوم يمكن أن يكون ممنوعاً غداً، وهذا هو أبرز أسباب قتل السوق وابتعاد المستثمرين عن المخاطرة بأرباحهم.

كما يُعد تضارب سياسات الطاقة التقليدية والنظيفة من الأسباب الجوهرية لإخفاق المشاريع، وذلك من خلال الاعتماد على الوقود الأحفوري ودعمه على حساب البدائل المتجددة، فضلاً عن غياب الخطط الاستراتيجية طويلة المدى، التي تشجع المستثمرين على الوثوق باستقرارها.

كخلاصة: السياسات في سوريا تزين بمكيالين، فهي تدعم الوقود الأحفوري (غاز، نفط) وتجعله ضمن أولوياتها الاستثمارية، مقابل الضجة الإعلامية والحديث المطول حول الطاقة المتجددة وأهميتها والخطط الساعية نحو التحول الأخضر دون أي خطوات جدية على أرض الواقع.

علاوة على ذلك، فإن سياسة إدارة الأزمات التي تنتهجها سوريا تتعارض من حيث المبدأ مع الاستثمارات التي تحتاج إلى صبر وخطط طويلة الأجل لتحقيق النتائج المستدامة على المدى الطويل، فالسياسات التقليدية ترى الأساليب السهلة والأرخص أجدى لها من ركب التغيير والتطوير للأحدث أو مجابهة محاولات يمكن أن تبوء بالإخفاق وتسبب خسائر مادية، بالتالي تتوجه نحو توفير الكهرباء السريعة والرخيصة حتى لو كانت على حساب استدامة البيئة والاستثمار ذاته.

بعيداً عن مسألة البنية التحتية المتضررة التي تتطلب السرعة القصوى لتأهيلها تمهيداً لاستيعاب المشاريع الجديدة، فإن التوربينات الهوائية تحتاج إلى تحديثات مستمرة وصيانات وقائية لا إسعافية، مع تكاليف إضافية تتعلق بقطع الغيار المستوردة، إلى جانب الإجراءات المرتبطة بتصاريح الصيانة والجمارك والموافقات الأمنية والمحلية، التي باتت مألوفة وترافق أي مشاريع جديدة ضمن البلاد، ما يسهل تغلغل الفساد بدلاً من الاستدامة، وصولاً إلى إخفاق المشروع، وكسر ثقة المستثمر.

كما أن لنقص الخبرات التقنية دور كبير في عدم القدرة على النهوض بواقع التوربينات الهوائية في سوريا، وهو ملازم لأهمية التمويل المادي، فاستثمار الإنسان من خلال التدريب والتأهيل لتكوين قدرات ومهارات تقنية عالية المستوى جزء لا يتجزأ من الأساس التنموي الذي تقوم عليه مختلف مشاريع التنمية.

وفقاً لما سبق، يتضح لنا أن المشكلة ليست تقنية ولا طبيعية، وإنما هي مؤسساتية تنظيمية، ونجاح التوربينات الهوائية في سوريا يعتمد على تحسين جودة الحوكمة ومحاربة الفساد القاتل للجدوى الاقتصادية، إضافة إلى العمل على بناء أطر تنظيمية واضحة تخلق بيئة استثمارية جاذبة (مثل سياسة التعرفة التفضيلية وهي آلية سياسية لدعم الاستثمار في الطاقة المتجددة عبر العقود طويلة الأجل والحوافز المالية)، فضلاً عن اعتماد مبدأ الشفافية واستقلال الجهات المسؤولة عن تنظيم أسواق الطاقة، هذه الاقتراحات من شأنها جذب استثمارات طويلة الأجل في مجال الطاقة المتجددة عامة والتوربينات الهوائية بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: محطة التيم.. فقط لإنارة دير الزور أم لإعادة رسم خارطة الكهرباء في سوريا؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.