الكاتب: أحمد علي
تدخل دمشق أي نقاش عن السياحة من باب أوسع من الفنادق والآثار، فهي مدينة يأتيها الزائر بوصفها تجربة كاملة، من الحجر القديم إلى المقهى إلى السهرة إلى الإحساس بأن المدينة ما زالت قادرة على جمع المتجاورين المختلفين تحت سقف واحد. لهذا يبدو قرار محافظة دمشق رقم 311 أبعد من كونه إجراءً إدارياً متعلقاً بترخيص بيع الكحول، فالقرار يمنع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية داخل المدينة، ويحوّل رخص الحانات والنوادي الليلية إلى رخص مقاه، ويحصر بيع المشروبات الروحية بالمختوم في باب توما والقصاع وباب شرقي، مع اشتراطات مكانية تشمل الابتعاد 75 متراً عن دور العبادة والمقابر والمدارس، ومراعاة دائرة حول المخافر والدوائر الرسمية.
وفي مدينة مثل دمشق، لا يعود السؤال عن القرار سؤالاً عن قائمة مشروبات فحسب، بل عن صورة المدينة الاقتصادية والسياحية، وعن شكل الأمسية الدمشقية التي تُباع للسائح كما تُعاش من أهلها. ومن المهم أن ننوّه إلى أننا في هذا المادة نسعى لفهم الآثار الاقتصادية على السياحة لهذا القرار، دون التطرّق إلى أيّ وجه آخر له.
قرار الكحول وسوق دمشق
يغيّر قرار الكحول، إذا طُبق كما يظهر في نصه، نموذج العمل لعدد من المنشآت السياحية أكثر مما يغير بنداً تنظيمياً واحداً. جزء معتبر من إيرادات المطاعم والنوادي الليلية لا يأتي من الطعام وحده، بل من السلة الكاملة التي تضم الخدمة المسائية والإنفاق على المشروبات والموسيقى ومدة بقاء الزبون في المكان. لذلك فإن تحويل الرخصة من حانة أو ناد ليلي إلى مقهى لا يعني تبديل الاسم التجاري فقط، بل يعني خفضاً مباشراً في هوامش الربح، وإعادة تسعير المكان، وربما إعادة تعريف جمهوره. كما أن حصر البيع بالمختوم في ثلاث مناطق محددة، مع شروط جغرافية صارمة، يدفع جزءاً من النشاط إلى الانكماش أو الانتقال أو العمل الرمادي.
ولا توجد حتى الآن بيانات عامة دقيقة عن عدد المنشآت التي سيطالها القرار الجديد، لكن تقارير صحفية خلال 2025 تحدثت عن احتمال تأثر نحو 250 مطعماً في أحياء دمشق القديمة بإجراءات مشابهة قبل أن يُعاد فتح بعض المنشآت بعد احتجاجات، وهو ما يكشف حساسية السوق وسرعة انتقال القلق من الرخصة إلى السمعة.
الضيافة ليست هامشاً صغيراً
تكمن حساسية قرار الكحول في أنه يطال جزءاً من قطاع أوسع لا يمكن اختزاله في مادة خلافية واحدة. وزارة السياحة السورية قالت إن البلاد استقبلت حتى نهاية 2023 نحو مليوني قادم، منهم مليون و750 ألف عربي و250 ألف أجنبي، كما سجلت نحو 360 ألف نزيل عربي وأجنبي قضوا 1.7 مليون ليلة فندقية، فيما قضى السوريون 3.4 ملايين ليلة خلال العام نفسه.
وهذه الأرقام لا تخص دمشق وحدها، لكنها تكشف أن الإنفاق السياحي يتوزع على الفنادق والمطاعم والنقل والترفيه، لا على الإيواء وحده. وفي تصريح رسمي آخر، أكد معاون وزير السياحة أن السياحة توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الفنادق والمطاعم والنقل والترفيه، وتدعم نمو الاقتصاد المحلي في المدن السياحية.
من هنا، يصبح تأثير قرار الكحول أوسع من باب أخلاقي أو قانوني، لأنه يمس حلقة من حلقات الضيافة التي تولد إنفاقاً وتشغّل عمالة وتغذي سلاسل توريد صغيرة، من موظفي الصالات إلى الموزعين والفنيين والموردين.
دمشق وإسطنبول في الأرقام
عند المقارنة مع مدن إقليمية منافسة، يتضح أن المسألة لا تتعلق بالكحول بوصفه سلعة، بل بجاذبية المدينة بوصفها حزمة متكاملة من الخيارات. إسطنبول استقبلت في 2024 نحو 18.6 مليون زائر دولي، بزيادة عن 17.4 مليون في 2023، وتضم 3091 منشأة إيواء بسعة تقارب 252,589 سريراً. ومن المعروف والمستقر عند الأوروبيين الذين يزورون تركيا أنّهم يتمتعون بمساحة حريات واسعة تجعلهم في راحة عملية، ومن ضمنها أجواء اسطنبول التراثية والمطاعم التي تملك رخص تقديم المشروبات الروحية.
لكن حتى إذا قورن هذا الرقم بسوريا كلها لا بدمشق وحدها، تبقى الفجوة لافتة. فوزارة السياحة السورية قالت في مطلع 2026 إن عدد الزوار العرب والأجانب والمغتربين القادمين إلى سوريا حتى نهاية تشرين الثاني 2025 تجاوز 3.5 ملايين زائر.
والمؤشران غير متطابقين تماماً، لأن رقم سوريا يشمل مغتربين سوريين، بينما رقم إسطنبول يخص الزوار الدوليين، لكن الفجوة تبقى كاشفة، فمدينة تنافس على جذب الزائر العربي والأجنبي تحتاج إلى ما هو أكثر من التراث والحجر، فالسائح لا يقارن بين الجامع الأموي وآيا صوفيا فقط، بل يقارن أيضاً بين ما يمكن فعله بعد الجولة، وبين مقدار الحرية والوضوح الذي تمنحه المدينة لمنشآتها وزوارها.
بين التنظيم وصورة المدينة
لا يوجد قطاع سياحي ناضج من دون تنظيم، ولا مدينة قابلة للحياة من دون مراعاة السكان وشكواهم، هذا هو الجزء الذي يجب الاعتراف به بوضوح. مبادئ السياحة المستدامة لدى الأمم المتحدة تتحدث عن تعظيم منافع السياحة مع تقليل أثرها السلبي على المجتمع والتراث، كما تشدد على إدارة الوجهات السياحية اعتماداً على القياس والمتابعة، لا على الارتجال. من هذه الزاوية، لا تبدو المشكلة في أصل التنظيم بقدر ما تبدو في درجته وفي الرسالة التي يبعثها إلى السوق. حين يشعر المستثمر أو السائح أن القاعدة قابلة للتبدل سريعاً، وأن التراخيص يمكن أن تعاد صياغتها جذرياً خلال مهلة قصيرة، فإن الضرر يتجاوز المنشأة المعنية ليصيب صورة المدينة كلها وربما البلاد كلّها.
ولهذا تكتسب الملاحظة التي أوردتها المستشارة في مجموعة الأزمات الدولية، والتي توصف بكونها مقرّبة من الرئيس أحمد الشرع، دارين خليفة، في منشور علني على منصة إكس، أهمية خاصة، إذ رأت أن تراجع الحكومة السورية أو تبدل مواقفها في قضايا مثل مبيعات الكحول قد يثير قلقاً أوسع بشأن ما إذا كانت الالتزامات في ملفات أكثر استراتيجية ستبقى ثابتة، وأن هذا النوع من القرارات يُقرأ من قبل المراقبين بوصفه مؤشراً على الاتساق والنية.
أهمية هذا الرأي لا تكمن في تبنيه بوصفه حكماً نهائياً، بل في أنه يوسع دائرة النقاش من أثر القرار على المطاعم والسهر إلى أثره على صورة البيئة التنظيمية السورية أمام المستثمرين والمتابعين من الخارج.. لهذا يخشى كثير من العاملين في القطاع من أن يُقرأ قرار الكحول على أنه تضييق، حتى لو قُدم رسمياً بصفته تنظيماً للمهن، فالانطباع في السياحة ليس تفصيلاً ثانوياً، بل جزء من المنتج نفسه.
سيناريوهات الأثر على السياحة
الأثر المرجح لقرار الكحول على سياحة دمشق يبدو سلبياً على المدى القصير، وأقل وضوحاً على المدى الأبعد. إذا نُفذ القرار بصورة صارمة، فسيرجح أن تنخفض إيرادات بعض المطاعم وأماكن السهر، وأن تتراجع جاذبية الأحياء التي بنت جزءاً من شهرتها على التنوع المسائي، وأن ينتقل جزء من الطلب إلى مساحات غير منظمة أو إلى مدن ومناطق بديلة.
أما إذا جرى التعامل معه بوصفه إطاراً مؤقتاً قابلاً للمراجعة، مع حوار مع أصحاب المنشآت، ومهلة واقعية، ومعايير تطبيق متساوية، فقد يصبح الضرر قابلاً للاحتواء، ولو مع كلفة واضحة على الاستثمار والثقة.
في كل الأحوال، تبدو دمشق هنا أمام امتحان يتجاوز المادة التنظيمية ذاتها، فالمدينة التي استعادها نزار قباني في عبارته «دمشق يا كنز أحلامي» لا تبيع للزائر أثراً صامتاً فقط، بل تبيع مناخاً اجتماعياً وإحساساً بالتعدد وراحة في الانتقال بين التاريخ والحياة اليومية. وحين يضيق هذا الهامش، يتأثر الإنفاق السياحي حتى لو بقيت المعالم في مكانها. ولذلك يمكن القول إن قرار الكحول، بصيغته المتداولة، يحمل تكلفة محتملة على تنافسية دمشق السياحية وصورتها المدينية، ما لم ترافقه سياسات أوضح، وبيانات أدق، ورسالة صريحة تقول إن التنظيم يستهدف الفوضى فعلاً، لا التنوع الذي تقوم عليه جاذبية العاصمة.
وكما قلنا في البداية، الهدف من هذه المادة تقدير أثر هذا القرار على السياحة، دون التطرق إلى أيّ وجه آخر له.
اقرأ أيضاً: حوار مع الوزير حول ضريبة الكحول: ماذا قال؟!
https://archive.sana.sy/?p=2024084
https://sana.sy/tourism/2304836/
https://sana.sy/en/tour-syria/2292962/
https://www.newarab.com/news/syria-reverses-bar-closures-damascus-christian-areas
https://www.hurriyetdailynews.com/istanbul-welcomed-more-than-18-million-visitors-last-year-205331
https://pre-www.unwto.org/global-code-of-ethics-for-tourism
https://www.adab.com/post/view_post/228
https://x.com/dkhalifa/status/2033831023973142534