ألعاب

ما الذي ينتظره الخارج من دمشق تحت عنوان مكافحة الإرهاب والاستقرار؟

ما الذي ينتظره الخارج من دمشق تحت عنوان مكافحة الإرهاب والاستقرار؟

الكاتب: أحمد علي

ليست الإشادة الدولية، في الملفات الثقيلة، كلمة مجاملة تُقال ثم تُطوى، فحين يتعلق الأمر بسوريا، فإن كل عبارة ترحيب تصدر عن مجلس الأمن أو عن مؤسسات أممية وأوروبية تحمل في داخلها معنى مزدوجاً، اعترافاً بأن البلاد قطعت خطوة ما إلى الأمام من وجهة نظر هذه المؤسسات، وتذكيراً بأن الطريق ما يزال محكوماً بالاختبارات لا بالنيات.

وبين ما صدر عن مجلس الأمن بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية في سوريا، وما تلاه من حديث أممي وأوروبي عن الانتقال والاستقرار والتعافي، يمكن قراءة لحظة 18 آذار 2026 بوصفها لحظة تتضح فيها الحدود الحقيقية لهذا الانفتاح الخارجي على دمشق. فالأمل في السياسة لا يكفيه حسن التوقع، بل يحتاج إلى وقائع قابلة للقياس، وإلى مؤسسات قادرة على ضبط القوة، وإلى صيغة حكم لا تُنتج فراغاً جديداً وهي تعلن أنها تطوي فراغات الماضي.

إشادة مجلس الأمن وحدودها

من هذه الزاوية، تبدو إشادة مجلس الأمن مهمة لأنها رفعت السقف السياسي للتعامل مع دمشق، لكنها لم تحوله إلى تفويض مفتوح، فالمجلس رحب في شباط بالاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وأشاد ببدء التنفيذ، وبالإجراءات المرتبطة بمكافحة داعش والقاعدة، وبالتحرك السريع لمنع الفراغ في محيط مراكز الاحتجاز والمخيمات في الشمال الشرقي.

وهذا الترحيب أوحى بأن الخارج يرى في تثبيت السلطة المركزية، إذا جرى ضمن تفاهمات واضحة، فرصة لخفض التصعيد ومنع تفتت إضافي في الجغرافيا السورية. لكنه في الوقت نفسه وضع شروط المعنى السياسي لهذه الإشادة، إذ ربطها بحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وبقاء ملف مكافحة الإرهاب ضمن قواعد تعاون منظم لا ضمن منطق القوة المنفلتة.

المسألة هنا أن الخارج لم يقرأ الإشادة باعتبارها مكافأة على خطاب سياسي، بل بوصفها إشارة أولية إلى أن دمشق تستطيع أن تتحول إلى عنوان لشريك أمني وسياسي يمكن التعامل معه. وبحلول 18 آذار، بعد مؤتمر بروكسل وورشة النقاش الأوروبية حول التعافي الاجتماعي والاقتصادي، صار أوضح أن هذا السقف لا يقوم على الإعجاب بحد ذاته، بل على اختبار التنفيذ. أي أن العواصم والمؤسسات الدولية لا تسأل فقط عما تقوله دمشق، بل عما إذا كانت قادرة على تحويل التعهدات إلى ترتيبات مستقرة، وعلى منع الارتداد إلى جولات عنف جديدة تبتلع ما تحقق من انفتاح.

أمن يتجاوز الشعارات

تحت عنوان مكافحة الإرهاب والاستقرار، ينتظر الخارج من دمشق أكثر من مجرد استمرار اللغة الصارمة ضد داعش، فالمطلوب، وفق ما صدر عن مجلس الأمن والتحالف الدولي والاتحاد الأوروبي، هو بناء بيئة أمنية لا تسمح بعودة التنظيم عبر الثغرات المعروفة، من فراغ السلطة، إلى هشاشة مراكز الاحتجاز، إلى ضعف التنسيق الحدودي، إلى الفوضى التي قد تنتج عن اندماجات عسكرية غير مكتملة.

لذلك فإن أول ما ينتظره الخارج هو قدرة الدولة السورية على إنتاج سلسلة قيادة واضحة، وعلى إدارة ملف المقاتلين والمحتجزين والمخيمات من دون ارتباك، وبالتنسيق مع العراق والشركاء المعنيين بملف الرعايا الأجانب.

لكن الصورة لا تتوقف عند ذلك، فالمؤسسات الأممية المعنية بحقوق الإنسان عادت لتقول بوضوح إن نجاح المرحلة الانتقالية لا ينفصل عن إصلاح القطاع الأمني، والتدقيق في خلفيات العناصر والقادة المدمجين حديثاً، وضمان التدريب على حقوق الإنسان، ومنع الانتهاكات الجديدة.

بهذا المعنى، لا يريد الخارج من دمشق جهازاً أمنياً واسع اليد فقط، بل جهازاً منضبطاً أيضاً، فكل مقاربة ترى في مكافحة الإرهاب بديلاً عن سيادة القانون ستنتج، في نظر كثير من الأطراف الدولية، مشكلة مؤجلة لا حلاً دائماً. وما يُنتظر من دمشق هنا هو أن تثبت أن القبضة الأمنية ليست وصفة مستقلة عن الشرعية، بل جزء من بناء دولة تحرس المجتمع ولا تعيد تخويفه.

انتقال يطلب التوسيع

في الموازاة، لا يفصل الخارج بين الاستقرار الأمني وبين شكل الانتقال السياسي نفسه، فمجلس الأمن كان قد أعاد منذ كانون الأول 2024 تثبيت الفكرة الأساسية، وهي أن العملية المطلوبة يجب أن تكون سورية القيادة والملكية، لكنها أيضاً جامعة وتحمي جميع السوريين وتمكنهم من تقرير مستقبلهم بحرية. ثم جاء الترحيب الأممي والأوروبي بالاتفاقات اللاحقة ليضيف عنصراً أكثر تحديداً، هو أن نجاح الاستقرار يمر عبر إدماج الشمال الشرقي، وحماية حقوق الأكراد، وتوسيع المشاركة السياسية، وتحصين حضور النساء والمجتمعات المحلية في أي صيغة حكم ناشئة.

وهذا يعني أن ما ينتظره الخارج من دمشق ليس فقط احتواء عقدة السلاح، بل أيضاً توسيع عقدة السياسة… المطلوب أن تبدو الدولة المقبلة أوسع من تحالف الضرورة العسكري، وأكثر قدرة على تمثيل التنوع الاجتماعي والثقافي والمناطقي، فحين يدعو الاتحاد الأوروبي إلى انتقال سوري شامل، وحين يجعل من مؤتمر بروكسل منصة لدعم انتقال ناجح وتعاف اقتصادي وإعادة استقرار، فهو يقول ضمناً إن الدعم المالي والسياسي لن يستمر إذا بقيت السلطة محصورة في دائرة ضيقة، أو إذا جرى التعامل مع التعدد السوري بوصفه عبئاً أمنياً لا رصيداً سياسياً.

لذلك فإن اختبار دمشق الخارجي ليس في قدرتها على جمع السلاح فقط، بل في قدرتها على توسيع المجال العام من دون أن تفقد تماسك الدولة.

الاستقرار حين يختبر الدولة

ربما المعنى الأدق لعبارة إشادة مجلس الأمن أن الإشادة ليست نهاية مسار، بل بداية دفتر شروط غير معلن بالكامل، فأوروبا، التي خففت ورفعت جزءاً مهماً من العقوبات الاقتصادية خلال 2025، أبقت في المقابل على العقوبات المرتبطة بالاعتبارات الأمنية والانتهاكات، وأعلنت أنها ستواصل مراقبة التطورات على الأرض، بما في ذلك ملف المساءلة والتعامل مع موجات العنف الأخيرة.

كما أن الخطاب الأممي لم يتوقف عند الترحيب، بل عاد ليشدد على العدالة، وإصلاح القضاء، والتواصل مع المجتمعات المتضررة، وتمويل التعافي وإعادة البناء وفق مسار يخلق الثقة لا مجرد الهدوء.

لهذا، فإن الخارج ينتظر من دمشق أن تقدم صيغة مزدوجة يصعب جمعها لكنها ضرورية، دولة قادرة على الضبط الأمني ومنع عودة داعش، ودولة قادرة في الوقت نفسه على طمأنة الداخل والخارج بأن مكافحة الإرهاب لن تتحول إلى مظلة فضفاضة تُرحّل تحتها أسئلة المشاركة والمساءلة والحقوق.

وإذا كانت الإشادة قد منحت دمشق فرصة سياسية حقيقية، فإن ترجمتها اللاحقة ستتوقف على قدرتها على جعل الاستقرار نتيجة لسياسات عامة قابلة للحياة، وعند هذه النقطة فقط يمكن أن يرتفع السقف من الإشادة إلى الشراكة، ومن الترحيب الحذر إلى دعم أوسع وأكثر رسوخاً.

اقرأ أيضاً: 30 ألف أضحية من السعودية لسوريا.. كم عائلة فقيرة تُطعم؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.