الكاتب أحمد علي
انتهت في 8 كانون الأول 2024 حقبة بشار الأسد، وتسلّم أحمد الشرع الرئاسة لتبرز مهمة مصيرية أمام البلاد: إنهاء الحالة الفصائلية بتشكيل جيش وطني موحّد يعيد للدولة هيبتها ويؤسس لسوريا يسودها القانون والوحدة. وأُتيح مع سقوط النظام ظرفٌ تاريخي لإعادة توحيد البلاد تحت سلطة مركزية، فتوصّل الحكم الجديد في 24 كانون الأول إلى تفاهم يقضي بحلّ الفصائل الثورية ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع بما يعيد احتكار السلاح للدولة. ورغم استمرار صعوبات بسط السيطرة الكاملة على جميع التشكيلات، بقي توحيد المؤسسة العسكرية شرطاً لا غنى عنه لأمن البلاد واستقرارها ونجاح الانتقال السياسي.
من هنا، تتجه الأنظار إلى السبيل لإنهاء الحالة الفصائلية وتشكيل هذا الجيش الوطني المنشود. فما المبادئ والأسس التي يجب إرساؤها لضمان ميلاد جيش سوري جديد يحقق تطلعات الشعب في الأمن والعدل؟ وكيف يمكن تجاوز إرث العقود الماضية من تسييس وطائفية المؤسسة العسكرية لبناء جيش احترافي ينتمي للوطن كله لا لفئة أو حزب؟ في السطور التالية نناقش أبرز تلك المبادئ والخطوات الضرورية على ضوء التجربة التاريخية والواقع الراهن، آملين أن نقدّم رؤية متكاملة لسوريا ما بعد الحرب.
العقيدة العسكرية الجديدة
يبدأ بناء الجيش الوطني من صياغة عقيدة عسكرية حديثة ترتكز على الولاء المطلق للوطن ودستوره، وللسلطة المدنية المنتخبة التي تمثل إرادة الشعب. لقد عانت سوريا طويلاً من عسكرة السياسة وتغوّل الجيش على الحياة المدنية تحت حكم عائلة الأسد؛ إذ كان ولاء كبار الضباط في العقود الماضية مُنصبّاً على الشخص الحاكم وأجهزة الأمن بدلاً من الدستور والقانون.
لذلك، من الضروري اليوم ترسيخ مبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة الدستورية المدنية. فيجب أن يصبح قسم الجندي السوري الولاء لجمهورية سوريا وقانونها، وحماية الشعب وحدوده، وليس الولاء لأي زعيم أو حزب. وأن يكون هذا فعلاً لا قولاً. وهذه النقلة في العقيدة جوهرية وتضمن أن يتحول الجيش من أداة لقمع الداخل أو خدمة نظام استبدادي إلى درع يحمي الدولة والمجتمع ضمن إطار سيادة القانون.
والولاء للدستور يعني أيضاً التزام الجيش بمبادئ حقوق الإنسان وعدم التدخل في العملية السياسية. ففي التجارب الديمقراطية الناشئة، يشكل هذا المبدأ صمام أمان للحيلولة دون إعادة إنتاج حكم العسكر. كما أن ربط العقيدة العسكرية بأولوية حماية المواطن إلى جانب حماية الحدود يمثل تحولاً نوعياً؛ فالجندي السوري الجديد يرى في المدنيين أهلاً يستحقون الحماية والرعاية، لا أهدافاً أمنية أو خصوماً محتملين كما كان الحال في الماضي. فقد اشتهرت أجهزة أمن النظام السابق بسمعة وحشية وفساد عميقين، حيث تورطت في تعذيب المعارضين وابتزاز الناس. واليوم، يقع على عاتق الجيش المنشود أن يقطع مع تلك الممارسات، وأن يكسب ثقة الشعب السوري عبر احترامه وخدمته.
ولا شك أن ربط التدريب العسكري بقيم أخلاقية وإنسانية سيكون جزءاً مهماً من هذه العقيدة الجديدة – وهنا ينبغي التنبه إلى ضرورة أن تكون هذه القيم ذات طابع وطني جامع، لا فئوي ضيق. فعلى سبيل المثال، اعتماد مناهج تدريب ذات صبغة دينية أو أيديولوجية خاصة قد يثير مخاوف مكونات مجتمعية مختلفة، لذا الأفضل التركيز على قيم الانضباط والولاء للوطن والقانون.
هوية وطنية جامعة
إلى جانب العقيدة، لا بد من العمل على أن تعكس تركيبة الجيش الجديد التنوع الغني للمجتمع السوري. لقد عانت سوريا طيلة عقود من تسييس البنية الطائفية للجيش. فمنذ عهد الأسد الأب ثم الابن، مال ميزان القوى داخل الجيش والأجهزة الأمنية لمصلحة أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها رأس النظام؛ حيث تبوّأ العلويون النسبة الأكبر من المناصب الحساسة في القيادة العسكرية والأمنية، ووصلت الأمور إلى تجنيد النظام أعداداً كبيرة من أبناء طائفته في الجيش والشرطة لضمان الولاء.
وتشير تقارير إلى أن جيش النظام السابق أصبح في سنوات الحرب الأخيرة شبه أحادي اللون، مع استبعاد ضمني لقطاعات واسعة من الشباب السوري وغيرهم من دخول الكليات العسكرية أو وضعهم في حصص لا تسمح لهم باستلام مناصب قيادية.
بل إن بعض المراقبين يذكرون أن سلطات النظام كانت تتبع أساليب فرز غير معلنة تقوم على الانتقاء المناطقي-الطائفي في التجنيد؛ حيث افتُتحت مراكز انتساب لقوات الأمن في مناطق الساحل ذات الأغلبية الموالية، فيما حُرمت منها المحافظات الأخرى إلا بقدر ضئيل. وهكذا ضمن النظام السابق ضخ دماء جديدة موالية له عقائدياً في صفوف الجيش، وحصر فرص التقدم العسكري بأبناء دائرته الضيقة.
على النقيض من ذلك، يتوجب على القيادة الحالية تحصين مشروع الجيش الوطني من أي انحراف طائفي أو مناطقي. المعيار الوحيد للانتساب إلى الجيش الجديد يجب أن يكون الكفاءة والولاء لسوريا الواحدة، وليس الانتماء الديني أو العرقي. ولا يعني هذا طبعاً اعتماد محاصصة شكلية توزَّع فيها المناصب حصصاً بين الطوائف؛ فذلك قد يضر أكثر مما ينفع. المطلوب هو خلق بيئة خدمية احترافية تشجع السوريين من كل الخلفيات على الانخراط في الجيش بثقة واطمئنان.
ومن أجل تحقيق ذلك، لا بد من اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة مع المكونات التي همشت أو تخوفت تاريخياً من المؤسسة العسكرية. فعلى سبيل المثال، تشير التقارير الأخيرة إلى أن انخراط أبناء الأقليات في صفوف الجيش الجديد لا يزال محدوداً جداً. هذا الأمر مفهوم في سياق سنوات الحرب، لكنه قد يخلق جيشاً أحادي التركيب بصورة معاكسة للوضع السابق، ما يهدد بتجدد الاحتقان المجتمعي.
لذا يجب على القيادة الحالية بذل جهد استثنائي لجذب أبناء الأقليات وتشجيعهم على الخدمة العسكرية، وذلك عبر ضمان بيئة خالية من التمييز. وقد يكون من المفيد هنا مراجعة أساليب التدريب والخطاب داخل الثكنات؛ فقد وصلت أنباء عن استخدام خطاب ديني أو طائفي منفّر في بعض مراكز التدريب التي افتتحت حديثاً، مما أبعد غير المسلمين أو أبناء الطوائف عن التطوع. هذه الممارسات إن صحّت فيجب وقفها فوراً، واستبدالها بخطاب وطني جامع يركز على وحدة المصير بين أبناء الوطن الواحد.
إن هوية الجيش الوطني السوري المنشود يجب أن تكون هوية جامعة تعكس حقيقة أن سوريا بلد متنوع قومياً ودينياً – فيها العربي والكردي والتركماني والشركسي، وفيها المسلم والمسيحي والدرزي والإيزيدي وغيرهم. ولعل الاتفاق التاريخي الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع في آذار 2025 مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يشكل خطوة مهمة على طريق دمج هذا التنوع. فقد نص الاتفاق على دمج القوات الكردية الرئيسية في هيكل الجيش السوري وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق الشمال الشرقي، بالتوازي مع ضمان حقوق دستورية للأكراد بما فيها الاعتراف بلغتهم وثقافتهم التي حُرمت منها لعقود في عهد الأسد.
كما أكدت الحكومة ضمن هذا الاتفاق أن جميع أبناء سوريا سيكونون جزءاً من العملية السياسية بغض النظر عن الدين أو القومية. مثل هذه الخطوات التصالحية تبعث برسالة طمأنة إلى جميع مكونات سوريا بأن الجيش الجديد ليس مشروع هيمنة لفئة على أخرى، بل مشروع عقد اجتماعي جديد يقف فيه الجميع على قدم المساواة.
ولا شك أن إجراءات أخرى سيثبتها المستقبل أو ينفيها – كقدرة وصول الضباط الأكفاء من جميع أبناء سوريا إلى مراكز القيادة، ومحاسبة أي تجاوزات ذات طابع انتقامي أو تمييزي بحزم.
وقد شهدنا بالفعل في أحداث الساحل الأخيرة كيف أن تجاوز بعض العناصر واستهدافهم المدنيين في الساحل السوري انتقاماً أدى إلى موجة استياء دولية وداخلية، ما اضطر الرئيس الشرع إلى التعهد علناً بمعاقبة كل من يثبت تورطه والتأكيد أن تلك الانتهاكات حالات فردية منعزلة. وتكرر ذلك في السويداء، لتؤكد هذه الوقائع أهمية الانضباط الصارم والعدل في صفوف الجيش لمنع أي سلوك طائش قد يعيد فتح الجراح الطائفية.
قيادة موحدة وهيكلية انتقالية متماسكة
إنهاء الحالة الفصائلية لن يتم إلا عبر بنية قيادة موحّدة تضع حداً لازدواجية القرار العسكري وتنازع الشرعيات بين القوى على الأرض. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إنشاء مجلس أعلى للأمن والدفاع يضم الكفاءات العسكرية إلى جانب القيادات المدنية في الدولة الانتقالية. مثل هذا المجلس – المؤلف من الرئيس ووزير الدفاع وقادة الأركان وممثلين عن القوى الوطنية – يمكن أن يشكل العقل المدبر لتوحيد القوات، حيث يضع الاستراتيجيات الكبرى ويوجه عملية الدمج خطوة بخطوة. ويتميز المجلس الأعلى المشترك بأنه يجمع بين الخبرة العسكرية والشرعية المدنية، مما يضمن بقاء القرار الدفاعي في إطاره الوطني المؤسساتي وليس رهينة لرؤية فصيل مسلح بعينه أو قيادة عسكرية منفردة.
بدأت ملامح هذه البنية بالظهور فعلاً بعد سقوط النظام؛ فالرئيس الانتقالي أحمد الشرع سارع إلى تشكيل قيادة عسكرية مركزية جديدة عبر تعيين وزير دفاع ورئيس أركان للجيش الوطني الوليد. جدير بالذكر أن الشخصيات التي أسندت إليها هذه المناصب – مرهف أبو قصرة كوزير دفاع وعلي النعسان كرئيس أركان – جاءت من صلب القيادة العسكرية لقوات تحرير الشام التي كان لها الدور الأبرز في إسقاط النظام. هذا الأمر أثار بعض التحفظات لدى فصائل أخرى خشيت أن يرسخ ذلك هيمنة فصيل واحد (HTS) على مفاصل الجيش الجديد.
لذلك، لا بد من تعزيز هيكلية القيادة الموحّدة بإجراءات تطمينية. يمكن مثلاً إشراك شخصيات عسكرية محترفة من الجيش السوري السابق ممن لم تتورط أيديهم في جرائم، للاستفادة من خبراتهم وإظهار أن الجيش الوطني ليس عدواً لكل من خدم الدولة سابقاً بل وعاء يستوعب المخلصين من الجميع. كما ينبغي العمل على توحيد سلسلة القيادة بشكل صارم من القمة إلى القاعدة؛ فلا يسمح ببقاء ولاءات فرعية هنا أو هناك. لقد أظهرت التجربة حتى الآن أن بعض الفصائل المنضمة شكلياً ما زالت تحتفظ بهياكلها الداخلية وتجيب لقادتها الأصليين بدلاً من الاندماج الكامل. ولذلك، فإن إصدار هيكل تنظيمّي جديد واضح للجيش، يحدد فيه تراتب القيادات والصلاحيات دون غموض، هو أمر حيوي لنجاح الدمج.
ومن المهم أيضاً إعادة النظر في التقسيمات العسكرية والمناطقية للجيش. فعوضاً عن إبقاء كل تشكيل يعمل في منطقته الأصلية – كما كانت حال كثير من الفصائل سابقاً – قد يكون من المفيد إعادة توزيع الوحدات العسكرية جغرافياً بما يراعي الاعتبارات الاستراتيجية للدفاع الوطني وليس الاعتبارات المناطقية أو الطائفية. على سبيل المثال، يمكن تشكيل فيالق أو مناطق عسكرية تغطي الساحل والداخل والجنوب والشمال، بحيث تضم كل منطقة مزيجاً من أبناء المحافظات المختلفة تحت قيادة مركزية موحدة. هذا من شأنه تفكيك البُنى الفصائلية السابقة التي غالباً ما كانت قائمة على أساس الولاء المحلي أو الإثني، ودفع الجنود والضباط للتعامل مع بعضهم كفريق واحد يخدم قضية مشتركة لا كغرباء تجمعهم الجغرافيا مؤقتاً.
اقرأ أيضاً: المؤتمر الوطني الشامل في سوريا: بين الماضي والحاضر والمستقبل!
الانضباط والشفافية: لا للمحاصصة ولا للولاءات الضيقة
لعل من أكبر الأخطار التي تهدد مشروع الجيش الوطني السوري هو تفشي الفوضى وغياب الانضباط في صفوفه نتيجة خلفيات أفراده المختلفة وتضارب مرجعياتهم. لذلك، ينبغي إرساء ثقافة عسكرية صارمة منذ اليوم الأول قوامها الانضباط والاحتراف.
كل مقاتل ينضم للجيش الوطني يجب أن يدرك أنه بات جزءاً من مؤسسة نظامية لها قوانينها الصارمة وسلسلة أوامر ملزمة، تختلف جذرياً عما اعتاده في حياة الفصيل المسلح حيث ربما سادت علاقات غير رسمية أو استثناءات ميدانية. ومن أجل فرض هذا الانضباط، لا بد من توحيد الإجراءات والضوابط على مستوى التدريب والعمليات. مثلاً، تخضع جميع الوحدات لتدريبات موحدة في أكاديميات عسكرية وطنية تُلقّنهم العقيدة والسلوك العسكري الصحيح، ويتم إعادة تأهيل القادة الميدانيين من الفصائل ضمن دورات لدمجهم في روح المؤسسة العسكرية الاحترافية.
كذلك، مبدأ المحاسبة والمساءلة يجب أن يكون حجر أساس. فلا أحد فوق القانون العسكري – أي مخالفة، سواء كانت عصيان أمر أو انتهاك حقوق مواطنين أو فساد، تُواجه بإجراءات حازمة وقضاء عسكري عادل. إن التجاوزات الأخيرة ضد المدنيين العزل في الساحل دقّت ناقوس الخطر حول ضرورة إحكام السيطرة على العناصر المنفلتة. وإذا أرادت القيادة كسب ثقة الشعب، فعليها أن تثبت أن الجيش الوطني ليس كمثيله السابق الذي أفلت كبار ضباطه من العقاب رغم تورطهم في التعذيب والانتهاكات؛ بل هو جيش القانون الذي يحاسب أفراده قبل غيرهم.
وفي هذا السياق، يمكن إنشاء مكتب مفتش عام للجيش يتولى تلقي شكاوى المواطنين والعسكريين أنفسهم حول أي تجاوزات أو فساد، ويتمتع بصلاحية التحقيق المستقل ورفع التقارير للقيادة العليا والقضاء.
إعلان مبادئ عامة للسلاح ووحدة الهدف
مع تباين الخلفيات والتوجهات بين الفصائل التي يجري دمجها، قد تختلف أيضاً نظرتها لمن هو العدو ومن هو الصديق. لذلك من الضروري عند تأسيس الجيش الوطني وضع إعلان مبادئ عام ينظم حيازة السلاح واستخدامه ويحدد العقيدة القتالية الأساسية. في مقدمة هذه المبادئ يجب أن يأتي التأكيد الواضح أن السلاح العام هو تحت إمرة الدولة حصراً – فلا شرعية لأي بندقية خارج إطار القوات المسلحة وقوات الأمن الرسمية.
كانت إحدى علل المشهد العسكري السابق انتشار السلاح بأيدي جماعات شتى كل منها يدّعي الشرعية، مما أدى إلى فوضى في استخدام القوة وتقويض لهيبة الدولة. الآن، وبعد حل الفصائل ودمجها، ينبغي ترجمة ذلك عملياً عبر جمع الأسلحة من التشكيلات السابقة وإيداعها مخازن الجيش تحت رقابة مشددة. وأي سلاح لا يتم تسليمه أو يُخفى يعتبر غير شرعي ويتم التعامل مع حائزه بحزم القانون.
إلى جانب ذلك، يجب أن يحدد إعلان المبادئ العقيدة القتالية الوطنية للجيش السوري الجديد. أي بوصلة سيوجّه هذا الجيش سلاحه نحوها؟ من هو العدو الاستراتيجي الذي يستعد لمواجهته، وما طبيعة التهديدات التي يتأهب لها؟
في العقود الماضية، رفع الجيش السوري شعار مواجهة العدو الصهيوني وتحرير الأرض المحتلة، إلا أن الواقع انحرف به إلى صراعات داخلية مدمرة. اليوم، تحتاج سوريا لرؤية دفاعية جديدة توحّد صفوف قواتها حول أهداف مشتركة واضحة، كي لا تترك لكل مجموعة مجالاً لتحديد خصومها وفق أهوائها. يمكن مثلاً التأكيد أن دور الجيش هو الدفاع عن سيادة سوريا ضد أي عدوان خارجي، ومكافحة الإرهاب العابر للحدود الذي يهدد أمن البلاد، والمساهمة في حفظ الاستقرار الإقليمي. ويتعين ذكر ذلك صراحة في الأدبيات العسكرية بحيث يعرف الجندي عدوه من صديقه وفق تعريف الدولة لا وفق انتمائه السابق. كما ينبغي النأي بالمؤسسة العسكرية عن التوظيف السياسي في الخلافات الداخلية؛ فالجيش للدفاع عن الوطن ككل، أما حل النزاعات الداخلية فمكانه طاولة الحوار والمؤسسات المدنية لا فوهات البنادق.
في المحصلة، إن إنهاء الحالة الفصائلية وبناء الجيش الوطني في سوريا ليس مجرد عملية دمج تنظيمي للمقاتلين والسلاح، بل هو مشروع لبناء الدولة وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي. فالجيش الوطني الموحّد، المتنوع في أبنائه، الملتزم بعقيدة ولاء للوطن، والخاضع لسيادة القانون – هو الركيزة لأي استقرار سياسي قادم ولأي نهضة اقتصادية وتنموية مرجوة. وإذا كان نجاح المرحلة الانتقالية مرهوناً بشيء، فهو مرهون بقدرة قادتها على جعل هذا الحلم حقيقة.
صحيح أن التحديات جسيمة؛ فهناك إرث طويل من انعدام الثقة بين الفصائل، وصراع على النفوذ، ونقص في الموارد المالية والدعم الدولي، لكن التغلب على هذه المعوقات ممكن عبر إرادة سياسية صلبة وإدارة حكيمة تستفيد من دروس الماضي. المطلوب هو بناء أطر مؤسساتية واضحة لعملية الدمج، وضمان شمولية حقيقية في تمثيل الجميع، وتقديم الكفاءة على الولاء الضيق عند اختيار القيادات، وكذلك حوار وطني صادق يبدّد المخاوف خاصة لدى الجماعات التي عانت التهميش. بهذا فقط يمكن ترسيخ الثقة اللازمة لبناء جيش موحد ولاءه الأول والأخير لسوريا.
اقرأ أيضاً: مظلوم عبدي يهنئ الرئيس الشرع.. واتفاق على دمج قسد بالجيش السوري