مال و أعمال

ما الفائدة من مشاركة دمشق في قمة إسطنبول للاتصال الاستراتيجي؟

ما الفائدة من مشاركة دمشق في قمة إسطنبول للاتصال الاستراتيجي؟

الكاتب: أحمد علي

ليست كل مشاركة في مؤتمر خارجي خبراً كبيراً ينبغي الوقوف عنده، لكن لا ضير من الوقوف عند بعض المشاركات التي قد تكشف ربما أكثر مما تُعلن، وهذا ما يمكن أن ينطبق على حضور وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى في قمة إسطنبول للاتصال الاستراتيجي، لأن المسألة تتعلق هنا بنوع المنصة، وتوقيت الحضور، والرسائل التي أرادت دمشق وأنقرة معاً أن تخرجا بها من هذا الظهور.

مشاركة دمشق ليست تفصيلاً

القمة التي نظمتها رئاسة دائرة الاتصال في الرئاسة التركية يومي 27 و28 آذار جمعت، بحسب الجهة المنظمة ووسائل إعلام رسمية سورية، أكثر من 150 شخصية من نحو 37 دولة وخمس منظمات دولية، وطرحت موضوعات تتعلق بالأزمات الدولية، والسرديات، والدبلوماسية الإعلامية، والتضليل، ومستقبل النظام الدولي. والأهم أن الوزير السوري لم يحضر بصفة مراقب فحسب، بل أدرج اسمه متحدثاً في جلسة ناقشت «إطاراً جديداً للنظام العالمي» من زاوية الاتصال الاستراتيجي، وهذا التفصيل مهم، لأنه يضع مشاركة دمشق داخل النقاش، لا على هامشه.

منبر أوسع من الإعلام

دلالة هذه المشاركة تبدأ من هنا، فدمشق حضرت إلى منصة عنوانها الاتصال، لكن مضمونها سياسي بوضوح. وشعار القمة نفسه كان يدور حول اضطراب النظام الدولي، والأزمات، والسرديات، والبحث عن نظام جديد. وهذا يعني أن الحضور السوري لم يكن مجرد مشاركة مهنية في نقاشات إعلامية، بل دخولاً إلى مساحة يلتقي فيها الإعلام بالدبلوماسية والأمن وصناعة الصورة العامة للدول.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة مشاركة دمشق بوصفها محاولة للظهور في منتدى إقليمي ودولي يتعامل مع سوريا كطرف يتكلم عن الإقليم، لا فقط كملف يُتكلَّم عنه. هذا تحوّل في الشكل على الأقل، فالوزير السوري نفسه قال إن هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها في ستراتكوم بصفته وزيراً وممثلاً لبلاده، بعد أن سبق له حضورها كصحفي.. الفارق هنا ليس شخصياً فقط، بل مؤسساتي أيضاً، لأنه يعكس انتقالاً من الحضور الفردي إلى التمثيل الرسمي.

أنقرة تبني قناة دائمة

الرسالة الثانية تتصل بالعلاقة السورية التركية نفسها، فالمشاركة لم تأت من فراغ. في شباط الماضي استقبلت أنقرة الوزير السوري، ثم أعلن الجانبان العمل على آلية تنسيق في مجال الاتصال تعمل على مدار الساعة، مع تركيز على التدريب، وبناء القدرات، ومكافحة التضليل، وإدارة الأزمات، والدبلوماسية العامة. وبعد ذلك، عاد اللقاء في إسطنبول على هامش القمة بين المصطفى ورئيس دائرة الاتصال التركية برهان الدين دوران، حيث تحدث الطرفان عن مواجهة المعلومات المضللة، ونقل المعلومات الدقيقة إلى الجمهور، وتعزيز التعاون الإقليمي في هذا المجال.

هذا التسلسل مهم، لأنه يقول إن مشاركة دمشق لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة، بل حلقة ضمن مسار يجري بناؤه منذ أسابيع على الأقل. ووفق ما قاله الوزير السوري في مقابلة مع الأناضول، فإن دمشق تريد الاستفادة من الخبرة التركية في مكافحة التضليل، كما أنها بدأت إعادة هيكلة قطاع الإعلام على أسس الموضوعية والمهنية، وسمحت لوسائل الإعلام الخاصة والأجنبية بالعمل. وهذه تصريحات رسمية، وهي لا تكفي وحدها للحكم على النتائج، لكنها تبيّن اتجاه الخطاب الذي تريد دمشق تقديمه عن نفسها في هذه المرحلة.

ما الذي تكشفه الرسالة

هنا يصبح السؤال أدق، ماذا تعني مشاركة دمشق فعلياً؟ القراءة الأقرب إلى الوقائع أنها تكشف ثلاثة أمور دفعة واحدة. أولاً، أن الملف السوري لم يعد يُدار فقط عبر القنوات الأمنية أو المباحثات المغلقة، بل عبر بناء حضور علني في منصات إقليمية تتعامل مع السردية السياسية والإعلامية باعتبارها جزءاً من التوازنات. ثانياً، أن أنقرة تنظر إلى الإعلام والاتصال بوصفهما جزءاً من ترتيب علاقتها الجديدة مع دمشق، لا ملفاً ثانوياً مؤجلاً. وثالثاً، أن دمشق تريد أن تقول إنها لا تكتفي بطلب الانفتاح السياسي، بل تحاول أيضاً إنتاج خطاب جديد عن الدولة والإعلام والعلاقة مع الخارج.

هناك بعد آخر أيضاً، فالمنطقة تعيش حرب سرديات حقيقية، من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق، وتركيا جعلت هذا المعنى صريحاً في كلمات مسؤوليها خلال القمة عندما تحدثت عن المعلومات بوصفها ساحة صراع، وعن الحاجة إلى مقاومة التضليل وبناء روايات أكثر قدرة على التأثير. دخول سوريا إلى هذه المساحة يحمل معنى واضحاً، وهو أن دمشق تريد أن تكون جزءاً من معركة تعريف نفسها، لا أن تترك هذا التعريف للخصوم أو للفراغ.

ما الذي لا تعنيه

لكن المبالغة هنا ستكون خطأ، فمشاركة دمشق في قمة إسطنبول للاتصال الاستراتيجي لا تعني بذاتها اختراقاً كبيراً في الملفات الصعبة بين البلدين، ولا تعني أن القضايا الأثقل، من الأمن والحدود والاقتصاد وشرق الفرات والعلاقات مع القوى الدولية، قد وجدت طريقها إلى الحل. فالقمة ليست مفاوضات سياسية، والتمثيل السوري فيها كان وزارياً لا رئاسياً، ولم يصدر عنها ما يشير إلى تفاهمات كبرى تتجاوز التعاون الإعلامي والاتصالي.

لذلك، يبدو الأدق القول إن مشاركة دمشق تحمل قيمة سياسية رمزية ومؤسساتية أكثر مما تحمل نتائج تنفيذية فورية. هي تقول إن هناك باباً مفتوحاً، لا أن الطريق صار معبداًظن وتقول إن دمشق وأنقرة تريدان تنظيم الخطاب المشترك حول بعض الملفات، خصوصاً ما يتصل بالتضليل والرأي العام والتنسيق الإعلامي، لكن هذا شيء مختلف عن القول إن العلاقة بينهما دخلت مرحلة الحسم.

خطوة صغيرة ومعناها كبير

لهذا فالخلاصة بسيطة، مشاركة دمشق في هذه القمة ليست حدثاً ضخماً، لكنها ليست تفصيلاً عابراً أيضاً. معناها الأوضح أن سوريا تحاول العودة إلى المنصات الإقليمية من بوابة أقل حساسية من السياسة الصلبة، وأن تركيا تمنح هذا الحضور مساحة محسوبة داخل إطار أوسع من التعاون. وهذا لا يغيّر التوازنات وحده، لكنه يكشف طريقة بناء المرحلة الجديدة، عبر خطوات هادئة، محسوبة، ومحدودة، لكنها تقول شيئاً واضحاً، دمشق تريد أن تُسمَع بصوتها الرسمي من جديد، وأنقرة مستعدة لأن توفّر لها بعض هذا المنبر، ضمن حساباتها هي أيضاً.

اقرأ أيضاً: مغامرة في لبنان لن تكون ضد حزب الله بل ضد السعودية وتركيا!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.