مال و أعمال

ماذا تريد لندن من دمشق في لحظة إعادة فتح العلاقات؟

ماذا تريد لندن من دمشق في لحظة إعادة فتح العلاقات؟

الكاتب: أحمد علي

تبدو الصورة من بعيد كأنها مصافحة دبلوماسية عادية بين عاصمتين، لكن ما خرج من “داوننغ ستريت” أو الأوساط الحكومية البريطانية يقول شيئاً آخر. لندن لا تدخل إلى دمشق من باب المجاملة، ولا تتعامل مع إعادة فتح العلاقات بوصفها احتفالاً سياسياً أو اعترافاً رمزياً فقط. هي تنظر إلى الملف السوري من زاوية عملية جداً، فيها الأمن والهجرة والاقتصاد، وفيها أيضاً حساب داخلي بريطاني لا يقل وزناً عن الحساب الخارجي. ولهذا كان ترتيب الكلمات لافتاً: عودة المهاجرين، أمن الحدود، شبكات التهريب، داعش، ثم الاقتصاد والبنية التحتية. فهذه المصفوفة نفسها تكشف ما تريده لندن الآن… وبالترتيب ربما!

إعادة فتح العلاقات أولاً

إعادة فتح العلاقات لم تبدأ في هذا اللقاء، بل تعود رسمياً إلى تموز 2025 حين أعلنت الحكومة البريطانية استئناف العلاقات الدبلوماسية مع دمشق بعد زيارة وزير الخارجية ديفيد لامي، وقالت يومها بوضوح إن استقرار سوريا يخدم المصالح البريطانية لأنه يقلل الهجرة غير النظامية، ويساعد في ملف السلاح الكيميائي، ويحد من خطر الإرهاب.

والملفت للمتابع، أن لقاء 31 آذار 2026 لم يغيّر هذا الخط، بل جعله أكثر مباشرة. بيان رئاسة الوزراء وصف اللحظة بأنها مهمة للعلاقة بين البلدين، لكنه ربطها فوراً بملفات محددة، وبكلام عملي عن ترميم البنية التحتية والدور المحتمل للشركات البريطانية في ذلك. وهنا بالضبط يمكن قراءة المقاربة البريطانية، فهي تميل إلى تطبيع وظيفي أكثر مما هو تطبيع عاطفي، وقناة عمل أكثر مما هو تبدل كامل في النظرة إلى دمشق.

الأمن قبل المجاملة

حين يطلب كير ستارمر مزيداً من التقدم في الإعادة، وأمن الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، فهو يضع لبّ المصلحة البريطانية على الطاولة. ملف الهجرة لم يعد تفصيلاً في لندن كما يتضح، بل صار جزءاً من السياسة الداخلية اليومية. وورقة الحكومة البريطانية حول اللجوء والإعادة الصادرة في تشرين الثاني 2025 بُنيت على هدفين واضحين، خفض الوافدين وزيادة إعادة من لا يملكون حقاً قانونياً في البقاء، كما شددت على أن الدول مطالبة باستعادة مواطنيها وأن لندن توسع اتفاقات الإعادة كلما استطاعت.

لهذا تبدو دمشق، في هذا التوقيت، شريكاً مطلوباً لا لأن بريطانيا تخلت عن تحفظاتها، بل لأنها تريد دولة سورية يمكن مخاطبتها أمنياً وإدارياً، لا فراغاً سياسياً يفتح المجال للمهربين والوسطاء والفوضى.

ويزداد هذا المعنى وضوحاً حين يوضع الملف إلى جانب داعش. فالحكومة البريطانية قالت إنها رحبت بخطوات دمشق ضد التنظيم وبالتقدم في التعاون بين البلدين في مكافحة الإرهاب، وكانت قد أكدت قبل ذلك بأسابيع في البرلمان أنها ستواصل ما يلزم لمنع عودة التنظيم وحماية أمنها القومي. لذلك لا تنظر لندن إلى سوريا فقط كبلد منشأ لمهاجرين أو لاجئين محتملين، بل كساحة أمنية يمكن أن تنتج خطراً عابراً للحدود إذا تُركت من دون ضبط.

عودة بشروط معقدة

مع ذلك، من المبكر قراءة هذا المسار على أنه تفويض بريطاني لعودة واسعة وسريعة للسوريين من دون تمييز. فالمفارقة أن مؤسسات الدولة البريطانية نفسها تصدر في الوقت ذاته مذكرات حديثة عن سوريا تقول إن حرية الحركة تحسنت عموماً بعد سقوط النظام السابق، لكنها تشير أيضاً إلى استمرار مخاطر أمنية، وإلى أن بعض الفئات لا تزال معرضة لخطر جدي، وبينها «الدروز» وفق مذكرة محدثة في آذار 2026. هذا يعني أن لندن تريد من دمشق تعاوناً أكبر في الإعادة، لكنها لا تملك حتى الآن أرضية قانونية أو سياسية تسمح لها بتحويل ذلك إلى مقاربة شاملة ومبسطة. المسار، على الأرجح، سيبقى انتقائياً ومتدرجاً، وتحت اختبار الوقائع الميدانية أكثر من الخطابات.

ومن هنا يمكن فهم التناقض الظاهري في الخطاب البريطاني، لندن تريد أن تقول للداخل إنها تتحرك في ملف العودة وأمن الحدود، لكنها تعرف أن أي خطوة متسرعة ستصطدم بالقضاء، وبمذكرات وزارة الداخلية نفسها، وبأسئلة حقوقية لم تُقفل بعد. لهذا فإن التعاون الذي تطلبه اليوم من دمشق يبدو أقرب إلى بناء الأدوات والإجراءات، لا إلى إعلان حل سريع وجاهز.

اقتصاد تحت المراقبة

الشق الاقتصادي حاضر بالتأكيد، لكنه ليس منفصلاً عن الأمن. فالخطاب الحكومي البريطاني قال إن ترميم البنية التحتية ضروري للانتقال الاقتصادي السوري، وإن الشركات البريطانية يمكن أن تلعب دوراً في ذلك. ومن جهتها، حرصت الرئاسة السورية في لندن على إظهار هذا الباب عبر لقاءات مع رجال أعمال وشركات بريطانية، والحديث عن فرص استثمارية واسعة في بلد يحتاج إلى إعادة بناء كبيرة. لكن هذا الباب لا يزال مراقباً ومشروطاً، لأن بريطانيا خففت في 2025 بعض العقوبات المرتبطة بقطاعات الطاقة والنقل والطيران والتمويل لتسهيل التعافي وفتح المجال أمام الأعمال، لكنها أبقت العقوبات المفروضة على شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق، وما تزال إرشاداتها الرسمية تربط سياسة العقوبات بأهداف تتعلق بالاستقرار والانتقال السياسي وحقوق الإنسان والمساءلة.

والمعنى هنا بسيط. أي أن لندن -كما يبدو- لا تريد الغياب عن سوق إعادة الإعمار، لكنها لا تريد أيضاً أن يظهر انخراطها الاقتصادي كأنه فصل كامل بين الاستثمار والسياسة.

ليست شراكة بلا سقف

لهذا كله، تبدو الإجابة أقرب إلى الواقعية منها إلى الدراما. ما تريده لندن من دمشق في لحظة إعادة فتح العلاقات ليس تحالفاً كاملاً، ولا صك براءة، ولا حتى اندفاعة دبلوماسية بلا تحفظات. هي تريد تعاوناً قابلاً للقياس. تريد دولة تضبط حدودها، وتستقبل مواطنيها الذين تقرر بريطانيا إعادتهم، وتساعد في خنق شبكات التهريب، وتبقي داعش تحت الضغط، وتفتح في الوقت نفسه باباً منظماً للشركات والاستثمارات البريطانية في مرحلة ما بعد الحرب.

أما دمشق، فهي تحاول أن تقدم نفسها في المقابل كشريك أمن واستقرار وبوابة اقتصادية لا كملف إغاثي فقط. وهنا تكمن حساسية إعادة فتح العلاقات ربما، فنجاحها لن يُقاس بعدد الصور ولا بحرارة التصريحات، بل بما إذا كانت ستنتج ترتيبات فعلية في العودة والأمن والاقتصاد، من دون أن تنفجر على صخرة الداخل السوري أو القضاء البريطاني…

اقرأ أيضاً: بريطانيا تعدل نظام العقوبات المفروضة على سوريا

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.