رياضة

مدونة السلوك في الإعلام: خطوة نحو التنظيم أم مشروع وصاية؟

مدونة السلوك في الإعلام: خطوة نحو التنظيم أم مشروع وصاية؟

بقلم هلا يوسف

عانى قطاع الإعلام في عهد النظام السابق، كغيره من القطاعات، من احتكار السلطة لصوته، وتوجيهه بما يخدم تجميل وتلميع صورة الدولة القائمة، ومحاربة كل انتقاد يحاول تصحيح المسار أو إيصال مطالب الشعب. أما عن سقف الحريات، فيمكن القول إنه كان محدوداً أيضاً. بناءً على ما سبق، وبعد سقوط النظام، كان لا بد من وجود محاولة لتنظيم العمل الإعلامي عبر العمل على وضع مدونة سلوك إعلامي تحدد السقف الأخلاقي والقانوني. إلا أن رابطة الصحفيين السوريين أعلنت أمس، في بيان لها، رفضها لهذه المدونة حتى قبل صدورها المقرر خلال الشهر الحالي. ما أسباب هذا الرفض؟ وكيف تُصاغ المدونة؟ وهل هي كافية؟ هذا ما سنورده في هذا المقال.

أثار الإعلان عن قرب إصدار وزارة الإعلام لما سمي “مدونة سلوك مهني” موجة كبيرة من القلق داخل الوسط الإعلامي السوري، وأدت هذه الخطوة إلى ردود فعل حادة من رابطة الصحفيين السوريين، التي اعتبرت أن ما يجري ليس مجرد تنظيم مهني، بل محاولة لإعادة فرض الوصاية الحكومية على العمل الصحفي، مما يمس حرية التعبير ويقوض استقلال العمل النقابي.

وقد أوضحت الرابطة في بيان رسمي لها الأمس أن أي مواثيق أخلاقية أو مهنية لا تنبع من إرادة الصحفيين أنفسهم، ومن خلال نقاباتهم المستقلة، لا يمكن اعتبارها ملزمة مهنياً ولا تعكس إرادة الصحفيين بشكل فعلي.

وأشارت الرابطة إلى أن تدخل السلطة التنفيذية في وضع معايير المهنة يعد خرقاً واضحاً لمبادئ الإعلان الدستوري التي تكفل حرية التعبير واستقلال المؤسسات المدنية، كما أن اعتماد المدونة كأداة رسمية قد يستغل كغطاء أخلاقي لتبرير الرقابة على المحتوى الإعلامي ومنح وزارة الإعلام صلاحيات للتدخل في تفاصيل العمل الصحفي تحت مسمى “السلوك المهني”. وشددت الرابطة على أن تنظيم المهنة ووضع الضوابط الخاصة بها هو حق حصري للصحفيين عبر مؤسساتهم المنتخبة، وليس من حق أي جهة حكومية تمارس دور الوصاية أن تتدخل في هذا الشأن.

وبناءً على السابق دعت الرابطة المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بحرية الصحافة إلى اتخاذ موقف واضح ضد هذه الإجراءات التقييدية، وذكرت على وجه الخصوص الاتحاد الدولي للصحفيين، ومنظمة مراسلون بلا حدود، ومنظمة دعم الإعلام الحر. وأكدت أن حماية مكتسبات العمل النقابي في هذه المرحلة الحساسة تتطلب وعياً جماعياً ورفضاً صريحاً لأي محاولة تهدف إلى تطويع الصحافة أو إخضاعها لهيمنة السلطة التنفيذية. كما دعت جميع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية السورية إلى التمسك بالمعايير المهنية التي أقرتها الهيئات النقابية المستقلة، وعدم الانصياع لأي تعليمات أو إملاءات فوقية من شأنها تقييد حرية الكلمة والتعبير.

كتابة مدونة السلوك المهني

لا يمكن الحديث عن رفض الرابطة لمدونة السلوك دون الرجوع إلى طريقة عملها والإجراءات المتبعة خلال كتابتها. فالجدير بالذكر أن هذه المدونة جاءت بمبادرة من صحفيين مستقلين وصناع محتوى هم بأنفسهم سيقومون بصياغتها في محاولة لتحديد معايير مهنية واضحة تعكس إرادة الجسم الصحفي، بعيداً عن أي تدخل حكومي. واستجابة لمرحلة انتقالية حساسة غلب عليها الطابع الشعبوي والطائفي.

وقد شارك في صياغة هذه المدونة حوالي 500 صحفي وصاحب مصلحة من مختلف المؤسسات الإعلامية، سواء من القطاع العام أو الخاص، كما أتيح لبقية الصحفيين والإعلاميين والمؤثرين إبداء آرائهم عبر طرح المسودة على الشبكة. وشمل النقاش نطاقاً واسعاً من القضايا، بدءاً من حماية المعايير المهنية التقليدية وصولاً إلى التعامل مع التحديات الحديثة، مثل انتشار المعلومات المضللة وصعود منصات التواصل الاجتماعي ودور المؤثرين وصناع المحتوى، ومدى التزامهم بالمعايير المهنية في ظل غياب أي إطار تشريعي محدد يوضح المسؤوليات.

وبما أننا في مرحلة تتعارض فيها الآراء، وتتنوع فيها الانتماءات والأفكار السياسية، جاءت مبادرة كتابة مدونة السلوك لتكون نتاج حوار وطني شامل، بحيث يتحقق توافق بين جميع العاملين في المهنة على قواعد واضحة، مبنية على عقد ضمني أو محدد، ويحقق توازناً بين الحرية والمسؤولية، ويضمن حماية الجمهور وحقه في المعرفة.

كما أشار القائمون على المدونة أن وجود وزارة الإعلام في هذا العمل محصور فقط في تسهيل العمل، وليس له أي دور تنفيذي في التدخل بالكتابة أو فرض شروط ومطالب معينة، لتكون المدونة نتاج مشاركة حقيقية للصحفيين والإعلاميين. لكن يبقى السؤال المطروح هنا: هل مدونة السلوك كافية لتحل محل القوانين الصارمة؟

هل مدونة السلوك كافية؟

رغم الأهمية الرمزية والمهنية لهذه المبادرة، برزت تساؤلات حول كفاية مدونة السلوك وحدها لتنظيم الإعلام السوري. فالمدونة بطبيعتها، كانت وثيقة أخلاقية مهنية وليست نصاً قانونياً ملزماً، ولا تمتلك أدوات الردع التي يوفرها القانون. فعملياً بإمكان الصحفي مخالفتها دون أي مساءلة قانونية، ما لم يكن الفعل مخالفاً لنص تشريعي نافذ. ومن هنا بدا اعتبار المدونة كبديل عن القانون، أو كحل مباشر لمشكلة الخطاب التحريضي، خلطاً بين مستويات مختلفة، فوظيفتها الأساسية تقتصر على كونها مرجعاً مهنياً أو إطاراً لحل النزاعات داخل الوسط الإعلامي، أو دليلاً لأفضل الممارسات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التشريع أو القضاء المستقل.

وقد كشف الرجوع إلى التجربة البريطانية أن قوة الإعلام تكمن في الفصل بين القانون والأخلاق، وبين الدولة والمهنة. ففي بريطانيا، لم يسن قانون خاص بالإعلام، بل وجدت قوانين عامة تنظم السلوك وتحمي الحقوق والحريات، إلى جانب مدونات سلوك مستقلة تعدها المؤسسات الإعلامية نفسها وتطبق عبر آليات مساءلة ذاتية. أما في سوريا، فقد شكلت العقود الماضية بيئة صعبة للغاية، حيث جرى تفريغ مهنتي الصحافة والقانون من جوهرهما، وتحولت أغلب المؤسسات الصحفية إلى ناقلة لما تريده الأجهزة الأمنية، بينما تم إضعاف مهنة المحاماة وجعلت في كثير من الأحيان مجرد أداة إجرائية. كل ذلك أنتج فجوة معرفية كبيرة، لم يكن بالإمكان سدها إلا بتدريب الصحفيين على التحقق والتحليل والنقد، وبوجود قانونيين يعرفون القانون المقارن وتشريعات الإعلام الحديثة.

وبحسب خبراء إعلاميين وأكادميين في قانون الإعلام، هناك خلط في التعاريف بين القيم الإنسانية والالتزامات القانونية الدولية والوطنية، وغياب مبادئ أساسية مثل مبدأ “عدم الإضرار”، وتداخل واضح في تعريف الأدوار الإعلامية بين الصحفي، وصانع المحتوى، والمؤثر، والمواطن الصحفي، ما يجعل تحديد المسؤوليات أمراً صعباً ويفتح الباب أمام فوضى مهنية محتملة.

وأشار المنتقدون للمدونة أن الهدف من النقد تعزيز جودة المدونة وليس التقليل من الجهد المبذول، أو التشكيك في نوايا القائمين عليها. فالمدونة يمكن أن تكون خطوة إيجابية إذا أُعيد بناؤها على أسس علمية دقيقة، تميز بين الأخلاق والقانون، وبين التنظيم المهني والرقابة السياسية. أما إذا تم استخدامها كبديل عن إصلاح قانوني شامل، أو كأداة لضبط الخطاب بدل حماية الحرية، فإنها تفقد معناها وتصبح وثيقة شكلية فقط.

في النهاية، يظل تنظيم الإعلام في سوريا مرتبطاً بإعادة الاعتبار للصحافة، وللقانون، ولحق الجمهور في المعرفة، أكثر من أي وثيقة شكلية مهما كانت أهميتها، لأن كل محاولة تنظم المهنة دون هذه الأسس ستظل معالجة جزئية لمشكلة أعمق بكثير.

اقرأ أيضاً: التلاعب بالعقول في الإعلام المعاصر.. الكلمات الملطخة سم العقول

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.