بقلم هلا يوسف
عندما تتنفس دمشق تاريخاً عريقاً يليق بأقدم عاصمة مأهولة بالسكان، تأتي أنفاسها محملةً بقصص وروايات تحملها سفوحها الشامخة. فمقام الأربعين الذي يشكل عقدة هذه الروايات، يتربع على أحد سفوحها، محيطاً نفسه بهالة من الأساطير والرموز الدينية التي لم يكتفِ الحكواتية قصها على الناس.
وعلى بعد تسعمئة متر فقط تفصله عن مركز المدينة، تبدأ رحلة الوصول إليه، وعلى الرغم من قصر المسافة، ألا أنها تمتد لساعة من التعب عبر نحو 750 درجة متفاوتة الطول والعرض، تبدأ من منطقة الشيخ محيي الدين بن عربي قرب حي الميسات. وعلى الرغم من الطريق الوعرة التي حالت غالباً دون زيارة معظم الدمشقيين له، لكنها في الوقت نفسه جعلت الصعود إليه أشبه برحلة روحية تسبق الوقوف بين يدي الحكاية.
يرجع تاريخ المقام إلى ما قبل الميلاد، وقد تعاقبت عليه العصور كما تتعاقب الطبقات في الصخر. كان معبداً وثنياً، ثم تحول إلى كنيسة ورمز مسيحي، وبعد الإسلام بني فوق مغارته مسجد صغير. وتشير المصادر إلى أن أبا الفرج بن المعلم شيد المسجد سنة 370 هجرية بعد أن أتاه جبريل في المنام وأمره ببناء المسجد، كما يذكر ابن فضل الله العمري في كتابه “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار”. وكان المطر قديماً مصدر مياه الشرب، إذ تتجمع المياه في خزان قديم طوال العام، أما اليوم فقد تم تزويد المكان بالخدمات، لكن الطريق إليه بقي شاقاً كما كان.
في قلب المقام تقع “مغارة الدم”، الاسم الذي تختصره الرواية الأشهر، فهنا كما تقول الأسطورة، وقعت أول جريمة في تاريخ البشرية، حين قتل قابيل أخاه هابيل. ويعتقد كثير من أهالي دمشق أن المقام شيد في موقع تلك الجريمة. في أرضية المغارة صخرة يميل لونها إلى الحمرة، يقال إن الدم سال عليها، وصخرتان أخريان يروى أن قابيل استخدمهما في القتل. ومن سقف المغارة شقّ صغير تنقط منه المياه لتتجمع في جرن حجري قديم، ويقول الناس إنها دموع الجبل التي لم تجف منذ ذلك اليوم.
في إحدى الزوايا فتحة تُسمى “شهقة الجبل”، إذ يروى أن قاسيون شهق لهول الجريمة، بينما تقول رواية أخرى إن الجبل جاء ليطبق على قابيل ليبتلعه، لولا أن الملاك جبريل رفعه ومنعه من قتل البشرية، ويستدلون بعلامات نافرة تشبه كف اليد والأصابع. ويقترب الزائرون من فتحة الشهقة، يتحسسون الصخور، ويضيئون الشموع عند بابها، ويدخل بعضهم رؤوسهم إلى داخلها، مؤكدين أن هواءً عليلاً ورائحة طيبة تفوح من هناك، ويطلبون من الله أن يستجيب لدعواتهم.
مقام الأربعين بين التاريخ والأسطورة
لم يغب مقام الأربعين عن كتب الرحالة والمؤرخين، فقد ذكره أبو حامد الغرناطي عام 1160م، وكذلك ابن جبير الأندلسي، وابن بطوطة المغربي، وابن طولون. وكتب ابن عساكر في “تاريخ دمشق”: “موضع الدم في الجبل موضع شريف، كان فيه يحيى بن زكريا وأمه أربعين عاماً، وصلى فيه عيسى بن مريم والحواريون”. كما أشار ياقوت الحموي في “معجم البلدان” إلى قاسيون بوصفه جبلاً مقدساً فيه مغارة الدم ومغارة الجوع، ويزعمون أنه مات فيها الأربعون نبياً.
ويقال أيضاً إن المحاريب الموجودة في المقام تعود لأربعين من الأولياء الذين تعاقبوا على إدارة الموقع ويُطلق عليهم اسم الأبدال. وفي داخل مغارة الدم محرابان، يقال إن أحدهما للنبي إبراهيم والآخر للخضر عليهما السلام.
وتروي الحكايات أن النبي عيسى وأتباعه الأربعين لجؤوا إلى المغارة بعد أن داهمهم الخطر، فشق الله الجبل ويسر لهم طريق الخروج من الجهة الأخرى، فخرجوا تاركين وراءهم روائح المسك والعنبر التي بقيت في الصخر. ومن هنا، يقول بعض الزوار إنهم يشمون عبيراً خفيفاً ما إن يقتربوا من فتحة الشهقة.
رغم هذا الزخم من الروايات، يرى الباحث التاريخي الدكتور عبد الوهاب صالح أن القصص المتداولة حول مقام الأربعين غير مثبتة تاريخياً، وأنها أساطير تناقلها الناس عبر مئات السنين حتى أصبحت جزءاً من الميثولوجيا والموروث الشعبي، لا تستند في معظمها إلى أساس علمي. ومع ذلك، فإن حضورها في الوعي الجمعي جعلها أكثر رسوخاً من أي وثيقة.
قي النهاية، لا يعد مقام الأربعين مجرد موقع أثري أو ديني، بل مساحة تتقاطع فيها الأسطورة بالتاريخ، والإيمان بالحنين. قد يشكك الباحثون في تفاصيل الروايات، وقد تختلف التفسيرات، لكن الجبل ما زال هناك، والمغارة ما زالت تقطر ماءها، والناس ما زالوا يصعدون الدرج الطويل حاملين قلقهم وأمنياتهم. وبين صخرةٍ حمراء وجرنٍ قديم، تستمر الحكاية. وكأن جبل قاسيون يقص لنا أسراره.
اقرأ أيضاً: رحلة في سوق الحميدية.. بوابة الزمان إلى قلب دمشق