رياضة

ممر إنساني إلى كوباني: إنقاذٌ للمدنيين أم اختبارٌ لصدق الهدنة؟

ممر إنساني إلى كوباني: إنقاذٌ للمدنيين أم اختبارٌ لصدق الهدنة؟

الكاتب: أحمد علي

تعود كوباني إلى واجهة المشهد السوري بوصفها مدينة تختصر تعقيد الشمال كله. هنا تتداخل الحاجة العاجلة إلى الخبز والدواء مع حسابات التفاوض والسلاح، فتغدو الطرق المغلقة جزءاً من المعركة بقدر ما هي نتيجة لها، وفتح الممرات الإنسانية يُقدَّم كإنقاذ للمدنيين، لكنه يصبح أيضاً اختباراً لصدق الهدنة، فهل هو التزام فعلي أم هدنة تُدار بالتصريحات؟

ممر إنساني إلى كوباني ودلالاته

اكتسب الحديث عن ممر إنساني إلى كوباني وزناً إضافياً مع تقارير تحدثت عن فتح مسارات سمحت بدخول قوافل مساعدات في 25 كانون الثاني 2026، بينها قوافل مرتبطة بالأمم المتحدة وجهات إغاثية إقليمية.

وقبل ذلك بأيام، قالت الأمم المتحدة في إحاطة صحافية إن الطرق المؤدية إلى كوباني مغلقة، وإن انقطاعات الكهرباء والمياه والإنترنت تعرقل الوصول إلى الخدمات الأساسية، مع تقارير عن نقص الغذاء والمواد الطبية. وهذا التلازم بين التحذير الأممي وبين فتح الممر يوضح أن الخطوة جاءت تحت ضغط إنساني يتزايد كلما طال الإغلاق.

ويتحدد أثر الممر بطريقة تشغيله، فعبور مرة واحدة لا يكفي، بينما استمرار ممر إنساني إلى كوباني كقناة وصول منتظمة يخفف التخزين وارتفاع الأسعار، ويمنح المراكز الصحية فرصة لتأمين الأدوية والوقود وتشغيل ما يمكن تشغيله من خدمات.

على حافة حصار جديد

الممرات لا تولد في فراغ، بل في سياق جغرافيا تُقفل وتُفتح بقرار سياسي أو أمني. فالمدينة محاطة من جهات عدة، والعائلات نزحت من القرى إلى مركز كوباني بحثاً عن مأوى أو مدفأة قبل أن تصطدم بشتاء قاس ونقص وقود. والروايات محلية ربطت انقطاع الكهرباء بأضرار طالت منشآت مرتبطة بسد تشرين خلال جولات القتال الأخيرة، ما انعكس على ضخ المياه وعلى الاتصال بالعالم الخارجي.

وفي المقابل، نقلت منصات إعلامية عن جهات حكومية نفيها أن تكون قطعت المياه عمداً، مع التأكيد على الالتزام بتأمين الخدمات وفق الإمكانات.

هذا التباين في الرواية يضاعف حساسية فكرة هذا الممر الإنساني نفسه، فبالنسبة للمدنيين لا يغير سبب الانقطاع واقع النقص، بينما ترى الأطراف المتصارعة أن كل تفصيل في الإغلاق أو الفتح يمكن أن يتحول إلى ورقة اتهام أو ورقة تفاوض.

الهدنة بين حسابين متنافسين

يتقاطع الممر إنساني إلى كوباني مع مسار هدنة متحركة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. المعطيات تتحدث عن وقف إطلاق النار مُدد 15 يوماً بعد انتهاء هدنة قصيرة، بينما أشارت تقارير صحافية أخرى إلى أن التمديد قد يصل إلى شهر. وسبب التمديد المعلن يرتبط، وفق أكثر من مصدر، بعملية تقودها الولايات المتحدة لنقل آلاف العناصر التابعة لـ «داعش» من سجون شمال شرقي سوريا إلى مراكز احتجاز في العراق، وهو ملف يضغط على الأطراف كافة ويجعل الاستقرار المؤقت ضرورة عملية.

لكن الهدنة ليست مجرد توقف لإطلاق النار، بل مساحة تفاوض على شكل السلطة المحلي. المطروح الآن هو طرح دمج عناصر قوات سوريا الديمقراطية في الجيش والشرطة كأفراد، وعن ترتيبات تتعلق بإدارة المدن ذات الغالبية الكردية وأمنها. وهنا يصبح فتح الممرات جزءاً من لغة التفاوض، لأن تقديم ضمانات إنسانية قد يستخدم لإثبات حسن النية، كما قد يستخدم التحكم في الوصول للضغط عندما تتعثر المحادثات.

الممر كأداة إدارة أزمة

من منظور إنساني بحت، أي ممر يفتح الطريق أمام الغذاء والدواء مكسب لأنه يقلل خسائر المدنيين ويمنح المدينة فرصة لتدارك الانهيار. لكن التجربة السورية تجعل سؤال الوظيفة السياسية للممرات حاضراً دائماً. عندما أعلنت المؤسسة العسكرية السورية في 14 كانون الثاني 2026 فتح ممر إنساني لإجلاء المدنيين من مناطق شرق حلب، قرأ كثيرون الخطوة كإجراء لحماية السكان، وقرأها آخرون كإشارة إلى اقتراب عملية عسكرية. هذه الازدواجية تذكّر بأن الممر قد يحمل وظيفة إنسانية ووظيفة أمنية في آن واحد.

في كوباني يمكن قراءة الممر الإنساني بالطريقة نفسها. فالممر قد يكون استجابة لضغط إنساني حقيقي، وقد يكون أيضاً طريقة لإدارة مخاطر مدينة ذات رمزية عالية، بحيث تُخفف وطأة الحصار دون أن تُحسم المعركة السياسية حول من يملك القرار الأمني فيها. والفرق بين القراءتين لا يحدده الشعار، بل تفاصيل التنفيذ مثل استمرارية فتح الطريق، ومن يضمن أمن القوافل، وما إذا كان العبور مشروطاً بتفاهمات أخرى.

إلى أين تتجه الترتيبات المقبلة

إذا تحول الممر إلى قناة وصول منتظمة مع ضمانات أمنية للعاملين في الإغاثة وشفافية حول ما يدخل وكيف يُوزع، فقد يسهم في تبريد التوتر ويمنح الهدنة معنى ملموساً لدى السكان. أما إذا بقي الممر مؤقتاً أو مشروطاً بتنازلات تفاوضية، فستتعزز فكرة أن المدنيين يُستخدمون كرافعة سياسية، وهي فكرة تآكلت بسببها الثقة بوعود كثيرة عبر سنوات الحرب.

ومن الجدير بالذكر، أن كوباني تحمل رمزية خاصة منذ معارك 2014 ضد «داعش» فالمدينة سجلت انتصاراً يكتب في تاريخها، ولذلك فإن أي تدهور إنساني فيها قابل للتحول سريعاً إلى أزمة سياسية. لهذا يبدو فتح الممر إلى المدينة اختباراً مزدوجاً، اختباراً لجدية التهدئة وقدرتها على حماية اليومي البسيط، واختباراً لإمكان بناء ترتيبات أمنية لا تدفع ثمنها الأسر التي لا تملك خياراً سوى انتظار الطريق المفتوح.

وفي المحصلة، قيمة ممر إنساني إلى كوباني لا تُقاس بعدد الشاحنات فقط، بل بقدرة الهدنة على منع تكرار الإغلاق والعقاب الجماعي. واستمرار الوصول، ومحاسبة من يعرقل، وإبعاد الإغاثة عن المساومات، مؤشرات على أن التهدئة تتجه نحو تسوية لا نحو هدنة عابرة على الأرض لا الورق.

اقرا أيضاً: من المستفيد من الصراع العسكري بين قسد والحكومة السورية؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.