بقلم: ريم ريّا
لم يعد السرطان في العالم العربي حالة طبية معزولة أو مجرد جملة أقام عابرة في تقارير الصحة تصدر بشكل دوري، بل بات ظاهرة صامتة تتوسع بثبات وتتمدد في البلدان، وتفرض نفسها على المجتمعات الهشة قبل المستقرة، وعلى الفقراء قبل الأغنياء.
في منطقة تعاني أصلاً من أزمات سياسية واقتصادية وحروب طويلة، يتحول المرض الخبيث إلى عبء مركب، حيث يلتقي ضعف الأنظمة الصحية مع قلة الوعي، وتأخر التشخيص، وارتفاع كلفة العلاج، ليصبح السرطان معركة ضروس غير متكافئة يخوضها المريض وحيداً في أغلب الأحيان. وبينما تختلف نسب الإصابة بين دولة وأخرى، فإن القاسم المشترك يبقى الخوف، والعجز، والشعور بأن الصحة لم تعد أولوية في عالم مثقل بالاضطرابات.
يتمدد السرطان بالدول العربية.. أرقام مختلفة ومعاناة واحدة
في مصر، يتصدر سرطان الثدي قائمة الإصابات بين النساء، يليه سرطان الكبد ثم الأورام اللمفاوية، في حين تشكل أورام الكبد العبء الأكبر لدى الرجال. وتكشف الإحصائيات الحديثة أن تهديد المرض قد تخطى الأرواح فبات يهدد الاقتصاد أيضاً، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى خسائر محتملة بمئات المليارات من الدولارات في حال غياب التدخلات المبكرة، مقابل عوائد كبيرة يمكن تحقيقها من الاستثمار في الكشف المبكر والعلاج الشامل. لكن الفقر، وضعف البنية الصحية، والحواجز الثقافية ما تزال تعيق الوصول العادل إلى العلاج.
أما دول الخليج، تبدو الصورة أقل قتامة من حيث معدلات الإصابة، التي تقل عن المتوسط العالمي. لكن ذلك لا يلغي حجم التحدي. فقد سجلت عشرات آلاف الإصابات خلال عام واحد، مع تفوق واضح للنساء. لكن دول الخليج تمكنت بفعل مواردها من الاستثمار في التقنيات الحديثة والعلاجات المتقدمة، إلى جانب إطلاق البرامج الوطنية للفحص المبكر، وتوفير أدوية نوعية وأجهزة تشخيص متطورة. كل هذه العوامل شكلت الفرق الحاسم في اقتران القدرة الاقتصادية مع الإرادة الصحية.
في قلب المشرق العربي، يبرز لبنان كنموذج صادم وفاقع، حيث شهدت البلاد ارتفاعاً هائلاً بمعدل الإصابات ولوفيات خلال العقود الثلاثة الماضية، بفعل التلوث البيئي، وسوء إدارة النفايات والاستخدام العشوائي للمولدات. أما الأردن، فسرطان الرئة يواصل حصد أرواح الرجال مدفوعاً بارتفاع معدلات التدخين، وعلى جانب النساء تظهر الإحصائيات عبئاً متزايداً لسرطان الثدي. في ظل محاولات رسمية لتحسين العلاج رغم التحديات.
أما شمال أفريقيا، في المغرب تحديداً تتخذ المأساة طابعاً نسائياً واضحاً، حيث يتم تشخيص عشرات الحالات يومياً، وتفقد البلاد آلاف النساء سنوياً بسبب سرطان الثدي، ليصبح السرطان هو السبب الثاني للوفاة بعد أمراض القلب. أما الجزائر، فتشهد تصاعداً مقلقاً في عدد الحالات الجديدة، التي ارتفعت أضعافاً منذ تسعينيات القرن الماضي، في ظل انتشار التدخين وتغير أنماط الغذاء.
اقرأ أيضاً: تشرين الوردي في سوريا.. أملُ لا ينطفئ في مواجهة سرطان الثدي
سوريا بين سرطان الجسد وسرطان الحرب
في سوريا، لا يمكن فصل مرضى السرطان عن سياق الحرب والانهيار العام في البلاد. فقبل سنوات كان المرض قاسياً صحيح، لكنه اليوم أشد قسوة. لا إحصائيات رسمية دقيقة في سوريا لمرضى السرطان، لكن تشير التقديرات إلى وجود نحو 14 ألف مريض سرطان بالغ على مستوى البلاد، بينما يوثق شمال غرب البلاد قرابة 6000 مريض، بينهم أكثر من 3100 في إدلب وحدها، إلى جانب أعداد كبيرة في حلب. هذه الأرقام، على قسوتها لا تعكس الصورة كاملة، فكثير من الحالات لا تسجل أصلاً بسبب ضعف الوصول إلى التشخيص.
مرضى السرطان في سوريا، على مختلف أنواعه، يعانون من نقص حاد في الأدوية الكيميائية والمناعية والهرمونية، فضلاً عن انعدام الانتظام في بروتوكولات العلاج، حيث يضطر المريض للانتظار أشهراً من أجل الحصول على جرعة واحدة، يفترض أن تؤخذ في موعد دقيق.
إلى جانب أسعار الأدوية في السوق السوداء، والتي تتجاوز آلاف الدولارات بشكل شهري، في بلد يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر بنسبة 90% حسب الإحصاءات الأممية، ما يدفع المرضى إلى بيع منازلهم أو ممتلكاتهم، أو الاكتفاء بالانتظار القاتل.
أما الحديث عن المعدات الطبية، كأجهزة العلاج الشعاعي والتصوير المتقدم، مربك جداً في البلاد، فهي محدودة للغاية، وتتركز في عدد قليل من المشافي، مع نقص كبير في الكوادر المتخصصة التي دفعتها الحرب والهجرة إلى الرحيل. لكن المعاناة الحقيقية، تتجسد في قصص المرضى أنفسهم، أولئك الذين يسافرون لمسافات طويلة من أجل جرعة قد لا تكون متوفرة من الأصل، فهم يتلقون علاجاً منخفض الفاعلية بسبب غياب البدائل.
الجهد الدولي حاضر في سوريا.. لكن لا يكفي
الواقع في سوريا، لا يخلو من محاولات دولية وإنسانية للتخفيف من الكارثة. ويتم ذلك من خلال مبادرات مثل: مشاريع دعم الأدوية. لاسيما في الشمال السوري، التي تستهدف مئات المرضى، كما تحاول وزارة الصحة، بالتعاون مع منظمات دولية، تأمين بعض الاحتياجات الأساسية رغم العقوبات وتعقيدات الاستيراد.
لكن هذا الجهد على أهميته، يبقى محدوداً أمام حجم الحاجة الهائل. فالحرب دمرت المشافي واستنزفت الكوادر، وبالتالي أضعفت القدرة على التخطيط الصحي طويل الأمد. وكل المساعدات المقدمة عبارة عن حل إسعافي، إذ يظل النظام الصحي المتكامل في حالة غياب تام، وهو الجرح الأعمق في رحلة مرضى السرطان في سوريا نحو العلاج.