بقلم: ريم ريّا
قبل أيام على عيد النوروز “النيروز” في 21 آذار، لا يبدو المشهد في سوريا هذا العام عادياً. هذا العيد الذي ارتبط لعقود طويلة بالاحتفال الخافت أو المقيد، يستعد اليوم للظهور بشكل رسمي في قلب كل المدن السورية، ومن الساحات العامة إلى القبب الرسمية.
للمرة الأولى في تاريخ البلاد الحديث، لا يتم التعامل مع عيد النوروز بكونه مناسبة حساسة لها خصوصية أو حدث هامشي، بل كحدث وطني يحمل دلالات ثقافية وسياسية تتجاوز حدود الاحتفال. اليوم النوروز ليس لمكون واحد بل لجميع السوريين.
عيد النوروز من الأسطورة إلى الهوية
في 21 آذار من كل عام يحل عيد النوروز معلناً بالعرف الشعبي بداية فصل الربيع. عيد النوروز من أقدم الأعياد في المنطقة، وتعود جذوره إلى آلاف السنين. ويعني اسمه “اليوم الجديد”، في إشارة إلى دورة جديدة من الحياة والطبيعة.
لكن عيد النوروز بالنسبة للأكراد، يتجاوز كونه عيداً موسمياً، ليحمل رمزية قومية بالدرجة الأولى ورمزية ثقافية عميقة. يرتبط هذا العيد بالذاكرة الشعبية الكردية بأسطورة “كاوا الحداد”، الذي أشعل النار إيذاناً بالتحرر من الظلم، لتتحول النار إلى رمز للانبعاث والحرية.
من هنا، جاءت أبرز طقوس العيد، كإشعال النيران، ارتداء الأزياء الكردية التقليدية، وإقامة حلقات الدبكة الشعبية والغناء والرقص في الساحات العامة. لكن وعلى الرغم من ارتباط هذا العيد بالهوية الكردية، لكن النوروز ليس حكراً على الأكراد وحدهم، ففي سوريا تحتفل به مناطق أخرى من البلاد كبعض مناطق الساحل والوسط السوري، إلى جانب شعوب عدة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ما يمنحه طابعاً ثقافياً عابراً للحدود، جامعاً للبعد الإنساني والقومي.
اقرأ أيضاً: المواطنة المعلقة: قصة الأكراد السوريين بين إحصاء الحسكة ومرسوم الاعتراف
بعد عقود من التشديد والمنع ساحات دمشق 2026 تستعد للنوروز
خضع عيد النوروز لقيود مشددة في دمشق وغيرها من المحافظات، طيلة العقود السابقة التي حكم بها النظام السوري السابق. إذ اعتبر التعبير عن الهوية الكردية بما في ذلك إحياء طقوس العيد، نشاطاً ذا طابع سياسي يتوجب الملاحقة.
تراوحت السياسات السابقة، بين الحظر الصريح والملاحقة الأمنية، ما دفع بالكثير من الأكراد إلى الاحتفال ضمن نطاقات ضيقة أو بشكل غير علني. ومع اندلاع الثورة عام 2011 شهدت بعض المناطق هامشاً محدوداً من التساهل، لكنه بقي تحت رقابة شديدة، ولم يصل إلى حد الاعتراف الرسمي.
بقي هذا العيد حتى سنوات قريبة، مناسبة تحمل في طياتها توتراً بين الرغبة في الاحتفال والخشية من التبعات. أما هذا العام يأتي النوروز في سياق مختلف كلياً بعد صدور المرسوم رقم 13 لعام 2026، والذي نص على اعتباره عطلة رسمية، وعلى الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية، ومنح الجنسية للمحرومين منها من الأكراد.
تستعد دمشق اليوم، لاحتفالات غير مسبوقة، تشمل حفلات فنية على مسرح دار الأوبرا، وعروضاً في ساحة الأمويين وملعب الفيحاء. فضلاً عن احتفالات في أحياء ذات غالبية كردية مثل ركن الدين. في حين تفيد التوقعات إلى مشاركة واسعة من كافة فئات الشعب السوري، فالمناسبة لن تقتصر على الأكراد فقط.
من الهامش إلى المشهد الوطني.. نار الحرية والإنبعاث
بينما كانت النار تُشعل سابقاً في أماكن بعيدة عن الأنظار ومحدودة، ها هي اليوم ستضيء الساحات العامة، في تحول يؤكد أن النوروز لم يعد مناسبة خاصة، بل بات عيداً وطنياً جامعاً. بين الماضي والحاضر يقف هذا العيد شاهداً على تغير عميق يفرض حضوره علنياً هذه المرة.
لا يمكن فصل النوروز هذا العام عن ما تمر به البلاد. حيث تسعى سوريا إلى إعادة تعريف هويتها الوطنية بعد مرحلة طويلة من الصراع. إدراج هذا العيد ضمن العطل الرسمية، وإقامته في قلب العاصمة دمشق، له دلالات تتجاوز البعد الثقافي لتصل لمستوى إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومكونات الشعب السوري.