مشاهير

من مخفر عين ترما: كيف يمكن لسوريا الاستثمار في العدالة .. وما علاقة جورجيا؟

من مخفر عين ترما: كيف يمكن لسوريا الاستثمار في العدالة .. وما علاقة جورجيا؟

بقلم: ديانا الصالح

أثارت حادثة الاعتداء على موقوفين من قبل عناصر في مخفر عين ترما وفقاً لما تداولته منصات إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي، مخاوف حقوقية من امتداد أساليب الاستبداد والتعذيب في عهد النظام البائد إلى المرحلة الجديدة، وعلى الرغم من إعلان وزارة الداخلية السورية فتح تحقيق رسمي وتوقيف اثنين من عناصرها على خلفية هذه المسألة، إلا أنه لا تزال عدة علامات استفهام تدور حول معايير الشفافية والمحاسبة المتبعة، وفقاً لما يراه مراقبون.

وتأتي تلك الحادثة عقب عدة تقارير تتحدث عن حالات وفاة داخل السجون، آخرها وفاة الشاب عمر الأمين من دير الزور نتيجة لما قيل بأنه سوء معاملة، إضافة إلى مقتل 4 أشخاص من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية تحت التعذيب، وفقاً لما رواه ناشطون محليون، استحضروا أيضاً وفاة الشاب يوسف اللباد بعد اعتقاله من المسجد الأموي وسط تضارب الروايات حول أسباب الوفاة.

وفي هذا السياق، تُطرح عدة تساؤلات ملحّة حول أسباب تكرار تلك الحوادث ومعايير المحاسبة المتبعة، وكيف يمكن إصلاح تلك التجاوزات للوصول إلى نقطة مشتركة تعيد الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة، بعد سنوات طويلة من المعاناة وسيادة قانون الغاب، حسبما يصف حقوقيون.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

تجاوزات في مخفر عين ترما

أشعلت صور ومقاطع فيديو توثق حالة الاعتداء على موقوفين من قبل عناصر في مخفر عين ترما في ريف دمشق، جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لينقسم المتابعون إلى مدافعين يبررون التصرف بذريعة حجم الجرم المنسوب إليهما، فيما يرى تيار آخر أنه انتهاك صارخ لحقوق الإنسان ونهج مشابه لممارسات السلطات السابقة.

ذلك الانقسام ينمّ عن ضعف الوعي المجتمعي بالحقوق القانونية للموقوفين، أبرزها تجريم التعذيب تحت أي ظرف كان حتى أثناء التحقيق، وهذا ما تنص عليه القوانين السورية صراحةً، وإن بدت نظرية أكثر من كونها تطبّق عملياً، فهناك عدة تقارير دولية تؤكد انتشار ظاهرة التعذيب داخل مراكز الاحتجاز السورية بشكل واسع النطاق لسنوات طويلة، مما يفسر قبول البعض بالعنف الأمني كونه أمراً مألوفاً وجزءاً من الإرث القمعي الذي طُبع في الذاكرة الجمعية.

آراء حقوقية

يعتقد ناشطون محليون أن تكرار مثل هذه الوقائع إنذار مبكر، للعودة إلى صفحات يُفترض أنها طُويت منذ التحرير، مشيرين إلى أن أساليب العنف الأمني مطبوعة في ذاكرة السوريين الذين دفعوا ثمن التخلص منها غالياً، فانعدام الرقابة أو مساءلة المتورطين يحول المجتمع إلى غابة تفتقر للقوانين العملية في ظل تزاحمها نظرياً، مشددين على أن تعذيب الموقوفين محظور بشكل مطلق وفقاً للقانون الدولي والمحلي.

وفي هذا الصدد يرى المحامي عادل خليان عبر منشور له على فيسبوك أنه في حال صحة الأنباء المتداولة حول تعذيب الموقوفين في مخفر عين ترما، فإن المجتمع السوري أمام جريمة قانونية كبرى لا يقتصر أثرها على الضحية فحسب، وإنما “تضرب أساس دولة القانون وكرامة الإنسان”.

كما يشير خليان إلى أن التعذيب لا يمكن أن يكون من وسائل الضبط أو أدوات التحقيق، بل هو انتهاك صارخ يُسأل عنه جزائياً كلّ من مرتكبيه أو المتسترين عليه، مؤكداً أن التهاون في المساءلة والمحاسبة يعني العودة إلى ممارسات قمعية سابقة.

بدوره، يؤكد المحامي عارف الشعال أن ما جرى في مخفر عين ترما في حال صحته، يتعدى كونه إحدى الجرائم الأخلاقية والقانونية، فهو اعتداء صريح على مبادئ الثورة وقيمها، وضرب لأسس دولة القانون والجذور المؤسساتية “التي يُفترض أننا نعمل من أجلها”.

وإلى ذلك، يبين الشعال أن التعذيب ليس وسيلة لإنتاج الأمن والعدالة، وإنما هو أداة لتقويض الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، موضحاً أن إهمال محاسبة هذا النوع من الأساليب يمكن له أن ينتج ثقافة الإفلات من المحاسبة والعقاب، مما يحول دور السلطة من الحماية إلى القمع.

كما يُطالب الشعال بفتح تحقيق رسمي شفاف، ومحاسبة مرتكبي هذا التجاوز القانوني مسلكياً وجزائياً، واصفاً تلك الجريمة بالإنذار المبكر للانزلاق نحو مرحلة استبداد جديدة، تُنتهك فيها كرامة الإنسان.

تجارب خارجية ناجحة

مع تصاعد الآراء والتحذيرات الحقوقية، يطرح مراقبون سؤالاً مشروعاً حول طبيعة ما جرى: هل هو تجاوز فردي عابر، أم أن تكرار الحوادث المشابهة يجعله بمثابة دليل آخر على وجود خلل أوسع داخل بيئة الاحتجاز والآليات المتبعة ضمن المؤسسات الأمنية؟

وما بين السؤال والإجابة، تبرز قضية أكثر أهمية وهي الإصلاح المؤسسي الذي يجب أن يرافق أي مرحلة انتقالية للتخلص من الإرث الأمني القمعي السابق، وصولاً إلى تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ولتحقيق تلك النقطة يمكن الاستفادة من تجارب عدة دول، نجحت في ضبط ومعالجة إرث الانتهاكات داخل أجهزتها الأمنية مثل جورجيا والبوسنة إضافة إلى تجربة جنوب إفريقيا.

وفي هذا السياق، يمكن طرح تجربة جنوب إفريقيا كمثال ناجح، فبعد سقوط نظام الفصل العنصري “الأبارتهايد” 1994، نجحت الجهات الجديدة في إحداث تغيير نموذجي وصفه العديد من السياسيين بالمعجزة، فهناك تحول جذري من بلد تسوده العنصرية والعنف إلى الديمقراطية والحقوق المتساوية للجميع، حيث اعتمدت إنشاء لجان الحقيقة والمصالحة، وأثبتت قدرتها على التخلص من الإرث العنصري المتجذر لقرون طويلة، وذلك من خلال عدة إصلاحات جوهرية، أبرزها وضع نظام جديد لمحاسبة انتهاكات وخروقات عناصر الشرطة الجديدة بصرامة مع تحويلها للقضاء، عبر نظام رقابة داخلي يضم محامين مدنيين إلى جانب عدد من ضباط الشرطة.

كما تركز اهتمام جنوب إفريقيا على إعادة الثقة بين المواطنين والشرطة، من خلال الاستغناء عن مبدأ العسكرة الشرطية وتحويل الرتب العسكرية إلى مدنية، فبدلاً من رتبة اللواء، أصبح هناك مدير وهكذا، كما تم تغيير زي الشرطة وطلاء السيارات، إضافة إلى البعد عن تسييس العمل الشرطي، فضلاً عن تأسيس الإدارات المحلية لمراقبة الوحدات الشرطية المحلية.

خلاصة: جنوب إفريقيا نجحت في إرساء قواعد السياسة الأمنية المثالية، بما يتعلق باحترام القوانين وحقوق الإنسان، مع تأسيس هياكل رقابة للإشراف على عمل أفراد الشرطة، إلى جانب الإشراف المدني.

فضيحة تلاها استثمار في العدالة

تمكنت جورجيا من إجراء عدة إصلاحات ناجحة نسبياً بعد فضيحة المعاملة السيئة للسجناء عام 2012، التي استقال على إثرها كل من وزير الداخلية ووزير السجون، كما تم توقيف عدد من المتورطين.

ويمكن اتخاذ التجربة الجورجية كنقطة للإصلاح المؤسساتي، حيث اعتمدت مبدأ إعادة الاستثمار في العدالة، عبر عدة إجراءات منها المحاسبة الشفافة للطاقم المتورط في حادثة التعذيب، إلى جانب إعادة تأهيل وتفعيل برامج التدريب المهني للعناصر وفقاً للمعايير الدولية في التعامل مع السجناء منعاً لتكرار تلك الانتهاكات، مع دعم الجهات المسؤولة عن المحاسبة، فضلاً عن تحسين آليات الرقابة والرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز، إضافة إلى إطلاقها مبادرة إعادة دمج السجناء بالمجتمع.

تبقى مسألة تجاوزات مخفر عين ترما اختباراً جديداً للجهات المسؤولة في التخلص من ثقافة التعدي على حقوق الإنسان والانفلات من العقاب الذي لطالما عانى منه الشعب السوري، والتوجه نحو إصلاحات أمنية من شأنها إعادة روابط الثقة بالأجهزة الأمنية، بوصفها حماية للمدنيين لا أداة للقمع.

اقرأ أيضاً: حوادث الاعتداء الأخيرة… كيف ستحاربها وزارة الداخلية؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.