الكاتب: أحمد علي
ليس الرقم وحده ما يلفت الانتباه في المنحة الجديدة التي وافق عليها البنك الدولي لسوريا، بل الباب الذي اختار أن يدخل منه، فعشرون مليون دولار لا تبدو، في بلد أنهكته الحرب وتآكلت بناه ومؤسساته، مبلغاً يصلح لالتقاط صورة كبرى عن الإعمار، لكنها تكفي تماماً لطرح سؤال أكبر من المال نفسه، ماذا ترى المؤسسات الدولية حين تنظر اليوم إلى الدولة السورية، وأين تعتقد أن نقطة البدء الفعلية يجب أن تكون؟ هنا تبدو المنحة أشبه بمؤشر بارد لكنه بالغ الدلالة، لأنها لا تتجه إلى الإسمنت ولا إلى الشبكات ولا إلى المشاريع اللامعة بصرياً، بل إلى ما هو أقل ظهوراً وأكثر حساسية، إدارة المال العام، كفاءة الموازنة، أنظمة المشتريات، الرقابة، والقدرة على إنتاج بيانات مالية يمكن الوثوق بها.
منحة البنك الدولي لسوريا
بحسب الإعلان الذي جرى تداوله في قبل أيام من الشهر الجاري، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 20 مليون دولار مقدمة من المؤسسة الدولية للتنمية، وموزعة على ثلاث سنوات، بهدف دعم الكفاءة والشفافية والمساءلة في استخدام الأموال العامة في سوريا. والمشروع، كما يشرحه البنك، لا يركز على الإنفاق الاستثماري المباشر، بل على تقوية الوظائف الأساسية للإدارة المالية العامة والمشتريات الحكومية، ووضع الأسس الرقمية لنظام معلومات مالي حكومي متكامل، مع تحسين إعداد الموازنة وتنفيذها، وتعزيز التقارير المالية، وإنشاء ترتيبات مؤسسية للإشراف على إصلاحات المالية العامة.
وجاءت منحة البنك الدولي لسوريا ضمن مسار أوسع بدأ بعد تسوية متأخرات سوريا لدى المؤسسة الدولية للتنمية في أيار 2025، وهو ما أعاد أهلية البلاد للحصول على تمويلات جديدة، ثم تلاه انخراط متدرج للبنك الدولي وصندوق النقد في نقاشات إعادة التأهيل المؤسسي وبناء القدرات.
مال صغير ومعنى كبير
حين يُقاس الأمر بحجم الاحتياجات السورية الهائلة، تبدو المنحة متواضعة إلى حد القسوة، لكن القراءة المالية الرصينة لا تتوقف عند الحجم فقط. فالمؤسسات الدولية لا تختار عادةً مشاريع بناء القدرات بهذا الوضوح إلا عندما تعتبر أن عنق الزجاجة الحقيقي يقع في البنية الإدارية نفسها. والمعنى هنا أن الطريق إلى تمويلات أكبر لا يمر أولاً عبر طلب أموال أكثر، بل عبر إقناع الممولين بأن المال العام سيُدار ضمن قواعد قابلة للتتبع والرقابة والتقييم.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تركيز البنك الدولي على ما سماه نهج “الأساسيات أولاً”، أي البدء من الوظائف الأشد بداهة في المالية العامة قبل الانتقال إلى مستويات أكثر تعقيداً. هي رسالة تحتمل وجهين في آن واحد، من جهة تعكس استعداداً دولياً للمساعدة، ومن جهة أخرى تكشف مقدار الحذر حيال كفاءة المنظومة القائمة، أو على الأقل حيال قدرتها الحالية على استيعاب برامج أكبر وأسرع.
ما الذي يقوله الاقتصاديون
في القراءات السورية المتداولة لهذا التطور، يبرز اتجاه نقدي يعتبر أن اختيار هذا النوع من التمويل يشي بأن المعضلة ليست في غياب الخبرات السورية بقدر ما هي في ضعف توظيفها داخل المواقع الحساسة، وفي هشاشة آليات الإدارة والترجيح والاختيار داخل المؤسسات المالية والنقدية.
وترى هذه القراءة أن تدريب الكوادر على أساسيات المالية العامة، وإدخال نظم معلومات وضوابط مشتريات، لا يعني فقط دعماً فنياً، بل يعني أيضاً أن المانحين لا يزالون يختبرون أهلية الجهاز الإداري قبل الذهاب إلى مراحل أوسع.
وفي المقابل، يقدّم مسؤولون اقتصاديون سوريون قراءة أقل تشاؤماً، إذ يرى وزير المالية محمد يسر برنية أن المشروع جزء من إصلاحات يفترض أن تدعم التعافي الاقتصادي على المدى المتوسط، وأن تحسن تقديم الخدمات بطريقة أكثر شفافية وخضوعاً للمساءلة. كما ذهب الخبير الاقتصادي السوري فراس حداد، في قراءة سابقة لعودة تمويلات البنك الدولي إلى سوريا، إلى أن هذا المسار يعيد البلاد تدريجياً إلى خارطة التمويل العالمية، ما يجعل المنحة الحالية قابلة للفهم بوصفها حلقة ثانية في نهج التدرج لا قفزة مكتملة.
وبين القراءتين مساحة لا يجوز القفز فوقها، لأن كليهما يلتقط جانباً من الحقيقة، الأولى تضيء هشاشة البنية الإدارية، والثانية تذكّر بأن إعادة بناء المؤسسات لا تبدأ عادةً من المشاريع الكبرى، بل من ترميم القواعد التي تسمح لتلك المشاريع بأن تعمل لاحقاً.
الإصلاح قبل أبواب الإعمار
تحدث الصندوق عن ضرورة اعتماد موازنة واضحة، وتحسين تعبئة الإيرادات، وتحديث النظامين الضريبي والجمركي، وتعزيز الإدارة المالية العامة، وتمكين المصرف المركزي، وإعادة تأهيل نظام المدفوعات والجهاز المصرفي، وتحسين جمع البيانات ونشرها.
وهذه ليست قائمة تقنية باردة كما قد تبدو للوهلة الأولى، بل خريطة طريق تقول إن الإعمار نفسه لا يستطيع أن يقف على أرض رخوة. فلا جدوى من تمويلات كبيرة إذا كانت الموازنة غير منضبطة، وإذا كانت المشتريات العامة عرضة للارتباك، وإذا كانت البيانات شحيحة، وإذا كان النظام المالي ما يزال يحاول استعادة الحد الأدنى من الثقة داخلياً وخارجياً. ومن هنا يمكن القول إن منحة البنك الدولي لسوريا لا تفتح ورشة إعادة الإعمار، لكنها تحاول إصلاح باب الورشة قبل فتحه.
سوريا بين الفرصة والاختبار
ولا يعني هذا كله أن المنحة ستبدل المشهد الاقتصادي السوري بمفردها، ولا أن عشرين مليون دولار قادرة على حمل اقتصاد مثقل بالفقر، والسيولة الشحيحة، وتآكل القاعدة الإنتاجية، وصعوبات الوصول إلى النظام المصرفي الدولي.
البنك الدولي نفسه كان قد قدّر في منتصف 2025 أن الاقتصاد السوري قد يحقق نمواً متواضعاً بنسبة 1% بعد انكماش بلغ 1.5% في 2024، مع تنبيه واضح إلى أن تخفيف العقوبات يوفر فرصة، لكنه لا يكفي وحده ما دامت الأصول مجمدة والتمويل الخارجي والوصول المصرفي يواجهان قيوداً كبيرة. لذلك تبدو المنحة الحالية أقرب إلى اختبار مزدوج، اختبار للسلطات السورية في قدرتها على تحويل التدريب والرقمنة والحوكمة إلى ممارسة فعلية، واختبار للمؤسسات الدولية في قدرتها على الانتقال من التمويل التحضيري إلى تمويل تنموي أوسع إذا ثبت أن الإصلاح يمضي فعلاً إلى الأمام.
وبين الاختبارين يقف السوريون أمام معادلة شديدة البساطة وشديدة القسوة في الوقت نفسه، إذ لا يكفي أن يعود الباب الدولي إلى الانفتاح، بل يجب أن تجد الأموال عندما تصل جهازاً يعرف كيف يخطط، وكيف ينفق، وكيف يراقب، وكيف يشرح للناس أين ذهبت الليرة وأين سيذهب الدولار.
رأي ثالث…!
من زاوية ثالثة ربما، لا تبدو هذه المنحة حدثاً مالياً صغيراً يمكن عزله عن سياقه، بل تبدو أشبه باختبار سياسي مغلف بلغة الإدارة والحوكمة، لأن الجهة المانحة لا تدخل من باب الحاجة السورية المباشرة إلى الإنتاج والخدمات وإعادة الإعمار، بل من باب إعادة تشكيل الطريقة التي تُدار بها الدولة مالياً، أي من العصب الحساس الذي يقرر كيف تُجمع الموارد وكيف تُنفق ولمن تُعطى الأولوية. وبهذا المعنى، فإن الخطر لا يُقاس بحجم العشرين مليون دولار، بل بما يمكن أن تفتحه من أبواب أوسع أمام التدخل في بنية القرار الاقتصادي نفسه، حيث تتحول الشفافية من قيمة مطلوبة إلى أداة اشتراط، وتتحول الكفاءة من هدف إداري إلى ممر إلزامي لإعادة هندسة السياسات العامة بما يوافق نظرة الممولين لا حاجات المجتمع.
وإذا صحّ أن الحصة الكبرى من هذا التمويل ستعود عملياً إلى خبراء واستشاريين وأنظمة مرتبطة بالخارج، فإننا لا نكون أمام دعم ينقذ الاقتصاد السوري، بل أمام دورة جديدة يجري فيها تسويق التبعية على أنها إصلاح، بينما يظل الداخل السوري متلقياً لدرس مكلف في إدارة أزمته بعيون الآخرين.
اقرأ أيضاً: هل الانفتاح على صندوق النقد أمر يبشر السوريين بالخير؟!
اقرأ أيضاً: «ساخر» يتساءل: هل ستلوي الحكومة السورية يد صندوق النقد الدولي؟!