وقّع وزيرا الدفاع، التركي والسوري، مذكرة تفاهم مشتركة للتدريب والاستشارات في 13 آب، وهي خطوة مهمة أخرى في مسار التعاون العسكري بين البلدين.
في مقالنا هذا سوف نكتشف كيف تحولت تركيا إلى قوى كبرى في عالم تصنيع الأسلحة، وسوف نتناول تفاصيل هذه المذكرة ما خَفيَ بين سطورها، وما هي إمكانية تطبيقها في المستقبل القريب؟
تركيا: من الاكتفاء الذاتي إلى الهيمنة الإقليمية في الصناعات الدفاعية
حققت تركيا قفزة كبيرة في عالم الصناعات العسكرية، حيث انتقلت من مجرد مستهلك للمنتجات العسكرية الغربية، إلى بلد مُنتج ومصدر عالمي أساسي لمجموعة متنوعة من المنتجات العسكرية المتطورة، لتضع بذلك بصمتها بشكل واضح في سوق الأسلحة العالمي.
وبهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، والتخلص من التبعية العسكرية للخارج، شهد قطاع الصناعات العسكرية الدفاعية في تركيا ثورة حقيقية خلال العقدين الماضيين، وبذلك تحولت تركيا إلى قوة صناعية مؤثرة في سوق السلاح العالمي.
الطائرات المسيرة: جوهرة التاج في الصناعة التركية
تعتبر الطائرات بدون طيار من أبرز صادرات تركيا في المجال العسكري، حيث أنها تتملك أنواع متعددة من هذا السلاح، في مقدمتها الطائرة “بيرقدار TB2“، التي تمتلك فعالية قتالية عالية وبتكلفة منخفضة، مما جعل عشرات الدول ترغب في الحصول عليها.
وبالإضافة إلى بيرقدار TB2، نجد الطائرة المسيرة “بيرقدار أكنجي” القادرة على تنفيذ مهام تكتيكية معقدة، كما يمكنها حمل أسلحة ثقيلة، وإطلاق صواريخ من نوع كروز. وثالث هذه السلسلة، تأتي الطائرة “عنقاء”، والتي يُطلق عليها البعض اسم الشبح التركية، نتيجة قدرتها على تأدية المهام الاستطلاعية والهجوم في آن معاً وبكفاءة عالية.
القوات البرية والبحرية: دروع متطورة وأساطيل متنامية
وفي حالة مشابهة لسلاح الجو، تفوقت تركيا أيضاً في المجال البري، حيث تمكنت من تصنيع مركبات “كيربي” و”كوبرا”، اللتان أثبتتا جدارتهما في أعتى الظروف القتالية. هذا ويُشكل مشروع الدبابة الوطنية التي تحمل اسم “ألتاي” قمة الطموح التركي في مجال الصناعة العسكرية البرية.
أما عن المجال البحري، فيشهد قطاع بناء السفن الحربية نهضة ملحوظة في تركيا تتمثل في صناعة طرادات وفرقاطات “ميلغم – MİLGEM”، والتي تم تصديرها إلى باكستان. هذا ولم تكتفي تركيا بهذا القدر، بل واصلت العمل وأنتجت حاملة الطائرات المسيرة “TCG Anadolu” التي تعد الأولى من نوعها عالمياً.
قوة الردع الصاروخية والذخائر الذكية
نتيجة معرفتها بأن نواة القوة العسكرية تكمن في أسلحة الردع الدقيقة، قامت تركيا بتطوير منظومة صواريخ متكاملة، تبدأ بصواريخ كروز (جو – أرض)، مروراً بالذخائر المخصصة للطائرات المسيرة، وصولاً إلى الصواريخ البحرية المضادة للسفن مثل صاروخ “أتمجا”، ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، لتقوم بتطوير صواريخ باليستية والتي تتمثل أبرز أنواعها في صاروخي “بورا” و”تايفون”، بالإضافة إلى منظومات الدفاع الجوي.
خارطة طريق تركيا لتسليح الجيش السوري: أسلحة فعالة وسهلة الاستخدام
يبدو أن الدعم التركي للحكومة السورية الجديدة قد بدأ مرحلة جديدة، حيث ظهرت اتفاقيات التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة إلى العلن، مما يؤكد أن تركيا تهدف من خلال هذه الاتفاقيات إلى أن يكون لها مساهمة فعالة في بناء الجيش السوري الجديد وتسليحه.
إلا أنه نظراً للظروف الراهنة، يبدو أن الجيش السوري يحتاج إلى أسلحة قادرة على تلبية الاحتياجات العملية من جهة، ولا تتطلب فترات تدريب طويلة ومعقدة من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق سوف نستعرض فيما يلي مجموعة من الأسلحة التركية التي من المتوقع أن تمنحها تركيا للجيش السوري الجديد.
المركبات المدرعة الخفيفة والمتوسطة
نظراً لأن الجيش السوري لا يزال يسعى إلى فرض السيطرة وتأمين حركة قواته بشكل آمن، فإن المركبات المدرعة تعتبر ضرورة حتمية. ومن أبرز ما يمكن لتركيا تقديمه في هذا المجال نجد مركبة “كيربي” التي أثبتت قدرتها العالية في مقاومة الألغام. بالإضافة إلى ذلك هناك مركبة “كوبرا” التي تمتلك قدرات تكتيكية كبيرة.
الطائرات بدون طيار (الدرونات)
تعتبر الطائرات المسيرة التي تمتلكها تركيا هي الخيار الأمثل لتأمين التفوق الاستخباراتي للجيش السوري، ومن أبرز الأمثلة التي من الممكن أن يتم تزويد القوات السورية بها، هناك طائرة “بيرقدار TB2” والتي تتميز بسهولة تشغيلها والتعامل معها، مما يجعلها خياراً مثالياً للمرحلة الحالية.
الأسلحة الخفيفة والمتوسطة
فيما يخص الأسلحة الفردية، من المتوقع أن يتم تزويد الجنود السوريين ببنادق المشاة الوطنية التركية، ومن أبرز أمثلتها نجد ” MPT-76″ و” MPT-55″، والتي هي عبارة عن بنادق هجومية حديثة. وبهدف توفير قوة نارية كافية للتعامل مع مواقف مختلفة، من المتوقع أن يتم تزويد فرق المشاة بمجموعة من الرشاشات المتوسطة وقاذفات القنابل.
أنظمة المدفعية والصواريخ قصيرة المدى
بهدف تعزيز القدرات النارية للجيش السوري، وبحسب ظروف المرحلة الراهنة، من المتوقع أن تبدأ تركيا بتزويد الجيش براجمات صواريخ قصيرة المدى، على غرار راجمات عيار 122 ملم أو 107 ملم.
مما سبق، نستنتج أن الدعم المتوقع أن تقدمه تركيا للجيش السوري، يرتكز على أنواع الأسلحة التي لها الأثير كبير وسريع في ميادين القتال من جهة. ولا تتطلب بنية تحتية معقدة أو برامج تدريب طويلة.
تفاصيل التدريب التركي للجيش السوري الجديد
شهدت العلاقات السورية التركية تطوراً كبيراً بعد سقوط النظام البائد، وكانت آخر ثمار هذا التطور مذكرة تعاون عسكري تم توقيعها في 13 آب الجاري. حيث تمثل هذه الاتفاقية خطوة هامة من أجل البدء بمسيرة إعادة بناء الجيش السوري بعد سنوات طويلة من الحرب.
ويُشار إلى أنه بموجب هذه المذكرة، سوف تتولى تركيا، ستتولى تركيا مهمة الإشراف على تدريب الضباط والأفراد السوريين، وتقديم المشورة العسكرية لهم، سواء داخل سوريا أو في المؤسسات العسكرية التركية.
هذا وتشمل الاتفاقية أيضاً، تبادلاً منتظماً للخبرات العسكرية والمساعدة الفنية، مع التركيز على توفير المعدات الضرورية لمهام الأمن الداخلي ومكافحة المجموعات المسلحة، مع تجنب تزويد دمشق بأنظمة أسلحة استراتيجية مثل الدفاع الجوي المتقدم، وخصوصاً في ظل تزايد الضربات الإسرائيلية على سوريا.
وفي هذا السياق، أكد مصدر بوزارة الدفاع التركية، إن بلاده ستساعد سوريا بتزويدها بأنظمة أسلحة وأدوات لوجستية بموجب اتفاق تعاون عسكري، مضيفا أن أنقرة ستدرب الجيش السوري أيضاً على استخدام هذه المعدات إذا لزم الأمر.
واقعية الدعم التركي للجيش السوري: بين الفرص والتحديات
تكشف البنود المعلنة من اتفاقية التعاون العسكري الأخيرة بين تركيا وسوريا عن أنها خطة مدروسة وقابلة للتطبيق على المدى القريب، وذلك من خلال التركيز على التزويد بالأسلحة الفعالة والتي لا تحتاج إلى تدريب طويل أو بنية تحتية متخصصة، الأمر الذي يجعل من الممكن دمجها في صفوف الجيش السوري خلال وقت قصير.
إلا أن هذه الخطوة، كغيرها من أي خطوات تجاه سوريا ولاسيما في وضعها الراهن، قد تواجه مجموعة من التحديات التي قد تعوق تنفيذها. حيث أن تركيا تتجنب الدخول في صراع مع القوى الإقليمية والدولية مثل أمريكا وإسرائيل، وبالتالي من المحتمل أن يكون هناك قيود على الأسلحة التي سوف تقدمها للجيش السوري في المستقبل.
اقرأ أيضاً: ما السبيل لإنهاء الحالة الفصائلية وتشكيل جيش وطني في سوريا؟
بالإضافة إلى ذلك، تتسم سوريا حالياً بظروف أمنية داخلية غير مستقرة، وتواجه تحديات لوجستية ومالية، مما يجعلها غير قادرة على تحمل تبعات هذه الاتفاقية بشكل كامل.