بيئة

أدوية بلا رقابة في حمص: كيف تهدد الأدوية المهربة المرضى؟

أدوية بلا رقابة في حمص: كيف تهدد الأدوية المهربة المرضى؟

بقلم هلا يوسف

يبرز ملف الأدوية المهربة في مدينة حمص كواحدٍ من الملفات الأكثر حساسية لكونها مرتبطة بشكل مباشر بصحة الإنسان وعلاجه. عدا عن تأثيراته على سوق القطاع الدوائي. حيث أصبحت الأدوية المهربة عنوان العلاج، وكأن الصحة الجسدية للمواطن السوري هي من آخر الاهتمامات.

يأتي موضوع الأدوية المهربة في وقت تشهد فيه وزارة الصحة هجوماً كبيراً بسبب الإهمال، وانتشار مرض الجرب لدى بعض من الكادر الطبي في مشفى المجتهد في دمشق، بالإضافة إلى إعلانات تتعلق بالخصخصة عارضها المواطنون السوريون بشدة لكونها تمس جوهر صحتهم. هذا ما يطرح تساؤلات حول تأثيرات انتشار الأدوية المهربة قي الأسواق؟ وسبب غياب الإجراءات الحكومية لمكافحتها؟ وكيف يمكن فرض السيطرة على قطاع حيوي وهام كالقطاع الدوائي؟

تشهد مدينة حمص خلال الفترة الأخيرة انتشاراً متزايداً للأدوية المهربة التي تدخل إلى الأسواق بطرق غير قانونية، بعيداً عن أي إشراف صحي أو رقابة رسمية. ويأتي هذا الواقع في وقت يعتمد فيه كثير من المرضى على الصيدليات كمصدر أساسي للعلاج، مما يجعل أي خلل في هذا القطاع أمراً خطير جداً.

وتكمن خطورة هذه الأدوية في أنها تصل إلى المستهلك دون معرفة دقيقة بمصدرها أو ظروف تصنيعها، وغالباً ما تكون خارج أي متابعة صحية، الأمر الذي يفتح الباب أمام مخاطر متعددة تبدأ من ضعف الفعالية العلاجية ولا تنتهي عند حدود التسمم أو المضاعفات الصحية الخطيرة.

ومع اتساع هذه الظاهرة، يتحول سوق الدواء في بعض الأحيان إلى مساحة غير منضبطة، تختلط فيها الأدوية النظامية بمنتجات مجهولة المصدر، مما يجعل المريض أمام خيارات غير آمنة قد تؤثر بشكل مباشر على حياته.

الربح السريع وتفكك منظومة الرقابة

يشير مختصون في الشأن الصحي إلى أن الأدوية المهربة غالباً ما تُطرح في السوق بهدف تحقيق أرباح سريعة، دون الالتزام بأي معايير مهنية أو طبية. فهي لا تمر عبر القنوات الرسمية، ولا تخضع لفحوصات الجودة أو شروط التخزين المطلوبة، سواء من حيث الحرارة أو الرطوبة أو طريقة النقل.

وتؤكد نقابة الصيادلة في حمص أن هذه الأدوية تكون في معظمها مجهولة المصدر أو حتى مزورة، ويتم تداولها عبر قنوات غير شرعية، أحياناً بأيدي غير مختصة. وهذا ما يجعل المريض الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يتحول العلاج إلى مخاطرة بدل أن يكون وسيلة للشفاء.

كما أن غياب الرقابة الصارمة في بعض الحالات، أو ضعف الالتزام بالقوانين، ساهم في انتشار هذه الظاهرة، خاصة في ظل الطلب المرتفع على الدواء وارتفاع تكاليف بعض الأصناف النظامية.

تنتشر الأدوية المهربة في السوق بطرق غير قانونية، بعيداً عن أي إشراف صحي أو رقابي، ما يجعلها مصدر قلق متزايد للجهات الطبية. وغالباً ما تكون هذه الأدوية مجهولة المصدر، أو مزورة، أو منتهية الصلاحية، أو مخزنة بطرق غير سليمة، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان فعاليتها العلاجية، وقد يتسبب في مضاعفات خطيرة تصل إلى التسمم الدوائي أو فشل العلاج بالكامل. هذا الواقع يضع المريض في مواجهة مباشرة مع مخاطر لا يمكن التنبؤ بنتائجها، خصوصاً عندما يتم تداول الدواء خارج القنوات الرسمية.

الأدوية المهربة بين مخاطر صحية وسلوك استغلالي

يرى مختصون في القطاع الصحي أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الضرر الصحي فقط، بل تمتد إلى سلوكيات استغلالية مرتبطة بسوق الدواء غير النظامي. فبحسب نقيب صيادلة حمص، فإن هذه الأدوية غالباً ما تدخل عبر قنوات غير مرخصة، وتتم عمليات نقلها وتخزينها بأيدٍ غير مؤهلة، حيث يغلب عليها هدف الربح السريع دون أي اعتبار لسلامة المريض أو شروط التخزين السليمة.

ويشير هذا الواقع إلى أن غياب الرقابة الصارمة يفتح الباب أمام ممارسات غير مهنية، قد تصل إلى تداول أدوية حساسة مثل الأنسولين أو أدوية الأورام والهرمونات دون ضمانات حقيقية لجودتها. ومع هذا الوضع، يصبح المريض الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من المخاطر، تبدأ من مصدر الدواء ولا تنتهي عند نتائجه العلاجية.

ولا تقتصر آثار الأدوية المهربة على الجانب الصحي، بل تمتد لتشكل عبئاً اقتصادياً واضحاً على الدولة والقطاع الدوائي النظامي. فانتشارها يؤدي إلى خسائر للمستوردين الشرعيين، ويضعف قدرة السوق الرسمية على المنافسة، كما يساهم في هدر المال العام نتيجة تداول منتجات غير خاضعة للضرائب أو التنظيم.

كما أن هذه الظاهرة تشجع على انتشار العلاج الذاتي، وتفتح المجال أمام غير المختصين لممارسة مهن طبية أو صيدلانية دون ترخيص، مما يزيد من فوضى السوق ويضعف ثقة المواطن بالنظام الصحي.

وفي المقابل، تعمل الجهات الصحية والنقابية على تشديد الرقابة من خلال جولات تفتيشية دورية على الصيدليات والمستودعات، والتأكد من شروط التخزين وسجلات الأدوية، إضافة إلى مراقبة الأدوية النفسية وتداولها. كما يتم اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين تبدأ بالغرامات وقد تصل إلى إغلاق الصيدليات أو الإحالة للمساءلة التأديبية، في محاولة لضبط السوق ومنع تسرب الدواء غير النظامي.

كما تؤكد الجهات الرقابية على ضرورة شراء الدواء من مصادر مرخصة فقط، والانتباه لأي تغير في شكل العبوة أو لونها أو رائحتها، والإبلاغ الفوري عند الاشتباه بوجود منتجات مهربة أو مقلدة، في إطار تعزيز دور المواطن كشريك في عملية الرقابة.

وتعقيباً على ذلك، يلفت عدد من المختصين إلى أن السوق الدوائية شهدت في السنة الأخيرة تغيرات كبيرة، سواء من حيث انفتاح الاستيراد أو دخول أدوية جديدة من مناطق إنتاج محلية مختلفة، الأمر الذي ساهم في زيادة توفر بعض الأصناف، لكنه في الوقت نفسه خلق تحديات تتعلق بضبط الجودة وتوحيد المعايير.

كما يشير خبراء في الصناعة الدوائية إلى أن دعم الإنتاج المحلي يبقى ضرورة أساسية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع أهمية تطوير خطوط الإنتاج وتوسيع القدرة على تغطية الاحتياجات، خاصة في الأدوية الحساسة التي لا تحتمل أي خلل في الجودة أو التخزين.

ومن هنا يتضح أن مواجهة ظاهرة الأدوية المهربة لا ترتبط فقط بالإجراءات الرقابية، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل تعزيز الصناعة الوطنية، وتوحيد قنوات الاستيراد، وتفعيل الرقابة الميدانية، إلى جانب رفع وعي المواطن بمخاطر التعامل مع الدواء غير النظامي.

وفي النهاية، إن الحد من انتشار الأدوية المهربة يمثل خطوة أساسية لحماية صحة المجتمع واستقرار السوق الدوائي في آن واحد. فبينما تشكل هذه الأدوية خطراً مباشراً على حياة المرضى، فإن ضبطها يسهم أيضاً في تعزيز الثقة بالنظام الصحي ودعم الاقتصاد الوطني. لذل يجب التعاون بين الجهات الرقابية والقطاع الصحي والصناعة الدوائية، حتى يمكن تحقيق بيئة دوائية مستقرة وآمنة.

اقرأ أيضاً: شركة تاميكو: رحلة تعكس حجم التحديات في القطاع الدوائي

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.