تقنية

الإعلام الرسمي بين المساءلة والدعاية: سقط النظام فمتى تتغير العقلية؟

الإعلام الرسمي بين المساءلة والدعاية: سقط النظام فمتى تتغير العقلية؟

الكاتب: أحمد علي

قبل أيام، نقلت قناة الإخبارية عن تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن أحداث الساحل السوري أنه «يتطابق مع ما توصلت إليه اللجنة الوطنية المستقلة لتقصي الحقائق في سوريا»، مشيدةً بتعاون الحكومة السورية مع التحقيق الأممي على عكس النظام السابق. بدا لوهلة أن الإعلام الرسمي السوري يكسر عاداته القديمة ويستشهد بمصدر أممي بحيادية. لكن ما إن غاص المتابع في التفاصيل حتى أدرك أن ثمة حلقة مفقودة: فالتقرير الأممي ذاته وثّق فظائع مروعة حدثت في الساحل. غير أن شيئاً من تلك الانتهاكات الدامية لم يجد طريقه إلى شاشة الإخبارية التي اكتفت بالاقتباسات المنتقاة التي تدعم رواية السلطة. عند هذه النقطة يبرز السؤال: هل يمكن لجهة رسمية أن تكون حيادية وتنقل أخباراً لا تعجب السلطة؟

الإعلام الرسمي بين المساءلة والدعاية: جذور أزمة عالمية وتاريخ سوري

لطالما وقف الإعلام الرسمي في معظم دول العالم على مفترق طرق بين المساءلة والدعاية. نظرياً، يفترض أن يكون الإعلام – لا سيما الممول حكومياً – صوتاً للمصلحة العامة وأداة مساءلة للسلطة، بوصفه السلطة الرابعة الرقابية في المجتمع. لكن التجربة التاريخية، عالمياً وعربياً، تكشف أن الإعلام الرسمي كثيراً ما جنح ليصبح بوقاً للدعاية يخدم رواية الحكومات على حساب الحقيقة.

فالمواطن الذي يعيش تحت نظام استبدادي يجد نفسه أمام عدد كبير من وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الدولة، تُبرِز الأخبار الإيجابية عن أداء النظام وتقلّل من شأن الأخبار السلبية أو تبعد اللوم عن السلطات. الهدف من ذلك واضح: إقناع الشعوب الواقعة تحت الحكم السلطوي بأن حالهم أفضل تحت هذه السلطة، وتثبيط مطالبهم بالتغيير والإصلاح. بهذا تحوّل الإعلام الرسمي في الأنظمة غير الديمقراطية إلى آلة بروباغندا فعّالة ضمن ترسانة الحاكم، سلاح لتوجيه الرأي العام والتلاعب به، بدلاً من أن يكون مرآةً ناقدةً للواقع.

وفي سوريا، عرفت البلاد واحدةً من أكثر التجارب قسوة في سيطرة الدولة على الإعلام. فمنذ عقود ما بعد الاستقلال ثم حقبة البعث، احتكر النظام السوري بقيادة عائلة الأسد الإعلام لخدمة بقائه واستمراره. فالدولة هيمنت بشكل مطلق على الصحف والإذاعات والتلفزيون لعشرات السنين، وحتى ما سُمح به من وسائل خاصة كان منسجماً تماماً مع الخطاب الرسمي بفضل التناغم التاريخي بين رأس المال والسلطة في سوريا. هكذا تأسست صحافة بعيدة عن القيم والمعايير المهنية والأخلاقية؛ نقابة الصحفيين نفسها تحولت إلى سيفٍ مسلّط على رقاب الصحفيين بدلاً من حمايتهم. وكانت النتيجة أن انعدمت تقريباً أي مساحة لإعلام مستقل قبل 2011، وتم وأدُ أية محاولات خجولة في مهدها على يد أجهزة المخابرات.

مع مرور الزمن، تفاقمت أزمة الإعلام الرسمي السوري. في الثمانينيات والتسعينيات، تحولت المؤسسات الصحفية الحكومية إلى مجرد دوائر وظيفية لامتصاص البطالة، فحُشِدت فيها مئات الأجراء من غير أهل الخبرة الصحفية. وإبّان صدام النظام مع الإخوان المسلمين أواخر السبعينيات، اشتدت قبضة السلطة على الصحافة واتحدت المؤسسات الإعلامية والنقابية بالكامل مع سياسات الحكومة. وبفعل القمع والخوف، تجنّب معظم العاملين في الإعلام الرسمي التطرّق لأي ملفات حساسة تتعلق بالفساد أو الانتهاكات التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية، فتحوّل الإعلام الحكومي بشكل خاص إلى آلة دعائية للسلطة أفقدته كل القيم الإعلامية. ومع غياب المنافسة وتعوّد الجمهور على خطاب خشبي أحادي، تدهورت ثقة الناس بالإعلام الرسمي إلى الحضيض، وصار اعتماده أساساً على الاشتراكات المفروضة قسراً على مؤسسات الدولة.

وكان من المأمول أن نشهد إعلاماً وطنياً حقيقياً بعد سقوط سلطة بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، لكن جاءت الوقائع لتثبط بدايتها أحلام السوريين بإعلام على قدر تطلعاتهم، يعمل لأجلهم، ولا يخشى في الانتقاد لومة لائم من السلطة. فما شهدناه من الإعلام الرسمي حتى اليوم، ودرته الإخبارية السورية، هو أقل بكثير ممّا يجب أن يتمتع به إعلام ناشئ يريد إعادة الناس إلى شاشاته.

الإعلام الرسمي في دول ديمقراطية: استقلالية تحت الاختبار

على الجانب الآخر من العالم، سلك الإعلام الرسمي مساراً مختلفاً في الدول الديمقراطية، حيث وُجد نموذج “هيئات الإذاعة العامة” المستقلة نسبياً عن الحكومة. أبرز مثال تاريخي هو هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) التي تأسست منذ بدايات القرن العشرين كخدمة عامة ممولة برسوم الترخيص لا بشكل حكومي مباشر. تتمتع الـBBC بتفويض قانوني للمصداقية والحياد، وقد أرست تقاليد عريقة في مساءلة المسؤولين وكشف الحقائق أمام الجمهور البريطاني. وكثيراً ما تتحدى وسائل الإعلام العامة في الديمقراطيات السلطاتِ الحاكمة عبر تحقيقات صحفية جريئة أو مقابلات صعبة مع المسؤولين، مما يرسّخ مبدأ الشفافية.

لكن حتى في هذه الأجواء المنفتحة نسبياً، يبقى الإعلام الرسمي خاضعاً لاختبارات وضغوط دائمة تهدد استقلاليته. إذ يُلزم القانون البريطاني مثلاً الـBBC بالحياد التام، مما يفرض على صحفييها ومقدميها قيوداً على إبداء الرأي في القضايا الخلافية. وقد رأينا مؤخّراً كيف غادر مقدم رياضي بارز في الـBBC منصبه “باتفاق متبادل” إثر عاصفة انتقادات طالت منشوراً له على وسائل التواصل الاجتماعي يتحدث عن الصهيونية. هذه الحادثة أظهرت أن حتى الإعلام العام العريق ليس بمنأى عن الخطوط الحمراء: فالضغط السياسي يمكن أن يدفع مؤسسة إعلامية إلى التضحية بأحد وجوهها حفاظاً على صورة الحياد.

كذلك، في دول أخرى كبعض الإذاعات القومية الأوروبية أو شبكة NPR الأميركية، توجد هوامش لانتقاد السياسات الحكومية، لكن يظل التمويل الحكومي أو العمومي لتلك المؤسسات مصدر تجاذب قد يؤثر أحياناً على نهج تغطيتها. ومع ذلك، تبقى القاعدة الذهبية للإعلام العام الحر هي الفصل الواضح بين ملكية الدولة وبين خط التحرير؛ فكلما استطاع الإعلام الرسمي أن يؤكد استقلال قراره التحريري عن نفوذ السلطة، تمكن من أداء دوره كناقل أمين للأخبار وكسلطة مساءلة حقيقية.

ومن الأمثلة اللافتة أيضاً أن بعض وسائل الإعلام المملوكة للدولة في الديمقراطيات لا تتردد في نشر تقارير تحرج الحكومة. فقد شهدنا وسائل إعلام عامة تكشف فضائح أو أخطاء حكومية وكبار المسؤولين، مستندةً إلى حق الجمهور في المعرفة. هذا النموذج المثالي يقابله بالطبع الوجه المظلم حين يتم تسييس الإعلام الرسمي حتى في الدول الحرة، إلا أنه يظل الاستثناء لا القاعدة. فبفضل تقاليد قانونية راسخة وهيئات إشراف مستقلة، تحافظ هيئات البث العامة الغربية على قدر معقول من الثقة لدى جمهورها، لأنها في الأغلب لا تُدار كأبواق حزبية حكومية بل كمؤسسات خدمة عامة تمثل صوت المجتمع أمام السلطة، وليس العكس.

الإعلام الرسمي السوري: أداة سلطة أم خدمة عامة بعد السقوط؟

عوداً إلى المشهد السوري الراهن؛ لقد سقط النظام القديم وهرب رأسه، وتنفست البلاد الصعداء على أمل ولادة عصر إعلامي جديد ينفض عقود الدعاية والتوجيه الأمني. غير أن المؤشرات الأولى تدعو للتساؤل والقلق: هل تبدّلت عقلية الإعلام الرسمي فعلاً أم بقي في طور “أداة السلطة” كما كان؟

مع انهيار مؤسسات النظام السابقة، انهارت أيضاً معظم المنابر الإعلامية الحكومية التي كانت قائمة، ولم تستطع الحكومة الانتقالية تشغيلها مجدداً سوى قناة الإخبارية السورية ووكالة سانا الرسمية. بيد أن هاتين المؤسستين ما زالتا تتخبطان في خطاب إعلامي مرتبك، لا ملامح له سوى هوية السلطة الجديدة ذاتها.

فحتى اليوم، وبعد شهور من التغيير السياسي، لم يرسو الإعلام الرسمي السوري على بر واضح من المهنية والاستقلال. ولعلّ تغطية أحداث الساحل المذكورة آنفاً خير مثال: إذ بقيت المجازر والانتهاكات في الساحل دون تغطية تُذكر وغلفها الغموض في البداية، وكأن الإعلام الرسمي يشيح بوجهه عنها لحماية صورة السلطة الانتقالية. وما زال الإعلام الرسمي عاجزاً عن خلق مساحات حرة يستطيع من خلالها نقل الواقع السوري بحيادية، بعيداً عن توجهات السلطة التي حلّت محل النظام السابق. هكذا يشعر السوريون أن سقوط الأسد لم يحمل معه بالضرورة سقوط نهج التعتيم والتوجيه الذي لازَم إعلام الدولة طويلاً.

لكن في المقابل، لا يمكن إنكار بعض بوادر التغيير الإيجابي التي تلوح في الأفق الإعلامي الجديد. فعلى سبيل المثال، أظهرت السلطات انفتاحاً نسبياً على المنظمات الدولية وممثلّي المجتمع المدني في الإعلام. سماح الحكومة للجنة التحقيق الأممية بدخول مناطق الساحل وتسهيل عملها شكّل نقطة مضيئة قياساً برفض النظام السابق القاطع لأي رقابة دولية.

كما شاهدنا وجوهاً من خارج العباءة الحكومية – كخبراء حقوقيين وإعلاميين مستقلين – بدأت تظهر عبر شاشة الإعلام الرسمي لتناقش قضايا المساءلة والعدالة الانتقالية. هذه الانفتاحات، وإن كانت محدودة، تشير إلى فرصة حقيقية لجعل الإعلام الرسمي السوري أكثر تحرراً من الأوامر الفوقية وأكثر تمثيلاً لتنوع المجتمع ووجهات نظره.

من أجل اغتنام هذه الفرصة التاريخية، يقدّم خبراء الإعلام وروّاد المهنة في سوريا تصورات واضحة المعالم لإصلاح قطاع الإعلام الرسمي وانتشاله من إرث الدعاية إلى رحاب الخدمة العامة.

من أبرز المقترحات تشكيل هيئة مستقلة خاصة بالإعلام تتولى تنظيم العمل الإعلامي وقوننته بعيداً عن هيمنة الحكومة. كذلك يُطرح بقوة إعادة هيكلة مؤسسات الإعلام التابعة للدولة وتخليصها من هيمنة السلطات، بحيث تصبح فعلاً معبّرة عن مصالح المجتمع السوري بكل مكوّناته لا عن أجندة الجهة الحاكمة. ويتوازى مع ذلك ضرورة تأهيل كوادر إعلامية جديدة وفق معايير المهنية والأخلاقيات، وتنقية الخطاب الإعلامي من رواسب التحريض والكراهية، وسنّ قوانين تُحاسب أي جهة إعلامية تبثّ التضليل والتزييف المتعمّد. ويشدد مختصون على أهمية إقرار قانون إعلام عصري يكفل الحرية والاستقلالية للصحافة، ليكون منطلقاً لطرح المواضيع التي تهم الفرد والمجتمع والحكومة معاً، بشكل متوازن. فالإعلام الحر النزيه هو ركيزة تطور المجتمعات عبر رسائله وخطابه الرقابي؛ وإذا ما أريد لسوريا الجديدة أن تبلغ بر الأمان الديمقراطي الحقيقي، فلا غنى عن إعلام قوي ومسؤول ينقل الواقع كما هو بلا تزييف، ويتيح لجميع الأطراف إيصال صوتها، ويخضع الجميع – بمن فيهم السلطة الانتقالية – لمنطق المساءلة والشفافية.

في الخلاصة، الإعلام الرسمي بين المساءلة والدعاية كان ولا يزال امتحاناً لمدى جدية التحولات السياسية. لقد سقط النظام القديم في دمشق، لكن العقلية المتجذرة لعقود في أروقة الإعلام الرسمي لم تتغير كثيراً حتى اللحظة.

لكن إرادة التغيير الموجودة عند الناس بقوة ورغبتها بتحوّل جذري في الإعلام، ربما سيشكلان عامل ضغط كبير في المستقبل يفتح الفرصة لتأسيس إعلام دولة بمعناه الحقيقي: إعلام يخدم المواطن قبل الحاكم، ينتقد بأمانة ويُبرز الإنجاز بعدالة، ويضع مصلحة الوطن فوق مصالح السلطة.. فهل نشهد قريباً ولادة هذا الإعلام المنشود الذي طال انتظاره؟

اقرأ أيضاً: وزير الإعلام: 300 ألف حساب وهمي لنشر الأخبار المضللة

اقرأ أيضاً: حسام جزماتي: عن الإعلام السوري المعارض وجمهوره

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.