الكاتب: أحمد علي
بالتأكيد، حينما نتحدث عن اتفاق العبور التركي – السعودي عبر الأراضي السورية، فهنا لا نتحدث عن معبر بوابة تفتح أو تُغلق بقرار إداري ثم ينتهي الأمر، فهذا النوع من الاتفاقات في هذه الحالة هو سياسة، وهو اختبار ثقة، وهو أيضاً امتحان لبلد خرج من حرب طويلة ويحاول أن يقنع جواره بأنه لم يعد مجرد عقدة أمنية، بل يمكن أن يعود وظيفةً اقتصادية في الإقليم.
من هنا تبدو قصة عبور الشاحنات التركية إلى الخليج عبر سوريا والأردن أكبر من خبر لوجستي عابر، لأنها تضع سوريا من جديد في سؤال قديم بصياغة جديدة، هل تستطيع أن تستعيد دورها كحلقة وصل، أم أن ما يجري الآن لا يزال أقل من ذلك بكثير.
التجارة الإقليمية تبدأ من البر
ما أُعلن في الأيام الأخيرة يعطي الانطباع بأن المسار البري عبر سوريا دخل مرحلة أكثر جدية. وزير التجارة التركي عمر بولاط قال في 31 آذار إن ترتيبات اتُّخذت مع الجانب السعودي لتسهيل عبور الشاحنات إلى دول الخليج، مضيفاً أن الوصول إلى الخليج قد يصبح ممكناً خلال ثلاثة إلى أربعة أيام، وأن هذا المسار يستند أيضاً إلى اتفاق النقل العابر الموقع مع سوريا في أغسطس الماضي.
والكلام هنا مهم، ليس فقط لأنه يتحدث عن اختصار زمن العبور، بل لأنه يربط التجارة الإقليمية بعودة الطريق السوري إلى الخدمة بعد سنوات من الانقطاع والاضطراب.
لكن هذا الجزء من الصورة لا يبدأ من الصفر، في تشرين الثاني 2025 كانت وكالة الأناضول قد نقلت عن مسؤول سوري أن تطبيقات اتفاق الترانزيت مع تركيا بدأت فعلياً، وأن نظام تفريغ الحمولة وإعادة شحنها عند الحدود سيتوقف، مع تسهيلات في التأشيرات وفي إجراءات العبور.
وبعد ذلك، في كانون الأول 2025، أعلنت منظمة النقل البري الدولي استئناف عمليات TIR من تركيا عبر سوريا إلى أسواق مجلس التعاون الخليجي، ووصفت ذلك بأنه استعادة لرابط بري استراتيجي طال انتظاره. هذا يعني أن التجارة الإقليمية عبر سوريا لم تعد مجرد تصور، بل دخلت فعلاً في طور التشغيل الأولي، ولو ضمن حدود ما يزال يجري اختباره على الأرض.
اتفاق عبور لا يكفي
مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين عودة العبور وولادة ممر إقليمي مستقر. فالممر لا يُقاس بمرور دفعة أولى من الشاحنات فقط، بل بانتظام الحركة، وثبات القواعد، وقدرة الدول المعنية على حل المشكلات اليومية بسرعة ومن دون ارتباك. وهذه النقطة بالذات ما تزال حساسة في الحالة السورية.
دمشق نفسها كانت قد شددت في فبراير إجراءات دخول الشاحنات غير السورية، مع استثناء شاحنات الترانزيت، قبل أن تعود في مارس إلى اتفاق مع الأردن يسمح للشاحنات السورية المحملة ببضائع سورية بالدخول مباشرة إلى الأردن والوصول إلى العقبة. هذا يكشف شيئاً بسيطاً لكنه حاسم، وهو أن الطريق يعمل، نعم، لكنه ما يزال يتشكل إدارياً، ولم يصل بعد إلى حالة الاستقرار الكامل.
المشكلة الأوضح أن الطريق الإقليمي لا تصنعه سوريا وحدها، ولا تركيا وحدها، ولا السعودية وحدها. هناك حلقة أردنية لا يمكن تجاوزها، وهناك إجراءات جمركية وتأشيرات وتوحيد مواصفات ونقاط تفتيش وحدود تأمين. لهذا فإن الاتفاق التركي السعودي، حتى لو كان مهماً، يظل في معناه العملي جزءاً من سلسلة أطول. أي خلل صغير في واحدة من حلقاتها يمكن أن يعيد الازدحام والتأخير ورفع الكلفة من جديد. هنا بالضبط تظهر المسافة بين الخبر الجيد وبين التحول البنيوي الحقيقي.
من الشاحنات إلى الطاقة
الحديث عن سوريا كممر بديل يزداد إغراء عندما يُربط بتعطل الملاحة في الخليج والضغط على مضيق هرمز. رويترز نقلت في 26 آذار أن ميرسك أبقت سلاسل إمداد الغذاء والدواء إلى الخليج عاملة عبر جسور برية بديلة، مستخدمة موانئ في جدة وصلالة وصحار وخورفكان ثم النقل براً إلى وجهات خليجية أخرى. وهذا مهم لأنه يبين أن السوق لم تنتظر سوريا كي تبحث عن بدائل، بل بدأت بالفعل باستخدام بدائل قائمة وذات جاهزية أعلى في بعض المقاطع.
من هنا يجب التعامل بحذر مع القفز من عبور الشاحنات إلى الحديث عن الطاقة. فما يجري اليوم يخص النقل البري التجاري أولاً. أما تحويل سوريا إلى بديل في مسارات الطاقة، فهذه قصة أخرى تماماً.
في شباط ناقش وزراء النقل في سوريا والسعودية وتركيا أفكاراً لدمج شبكات السكك والطرق وتسهيل تدفق البضائع بين أوروبا والخليج، كما ناقش الوزير السوري مع نظيره التركي مشروع سكة تربط تركيا وسوريا والأردن والسعودية. لكن هذا كله ما يزال في مستوى الخرائط والخرائط الفنية والجداول الزمنية المقترحة. لا توجد حتى الآن بنية تشغيلية مكتملة تسمح بالحديث عن سوريا كبديل جاهز لنقل الطاقة على نحو مماثل للحديث عن الشاحنات.
أمن الطريق ليس شعاراً
العبارة الأكثر تداولاً في هذه الملفات هي أن سوريا قد تصبح بديلاً آمناً. غير أن الأمان هنا ليس وصفاً سياسياً عاماً. هو مسألة كلفة تأمين، وثقة شركات، واستقرار تشريعي، وقدرة على حماية الشحنة من لحظة دخولها إلى لحظة خروجها. فالطريق الذي ينجح تجارياً ليس الطريق الأقصر فقط، بل الطريق الذي يعرف السائق والشركة والممول ما الذي ينتظرهم عليه.
وهنا تواجه سوريا عبئاً لا يمكن تجاهله. البنك الدولي قدّر في تشرين الأول 2025 كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 82 ملياراً للبنية التحتية وحدها، بعدما كانت هذه الفئة الأكثر تضرراً من الحرب.
وهذا الرقم لا يتحدث عن الرمزية، بل عن الطرق والجسور والعقد اللوجستية والمرافئ والسكك وأنظمة التشغيل. لذلك فإن أي حديث عن ممر آمن يجب أن يبقى مربوطاً بهذه الحقيقة الثقيلة. نعم، الجغرافيا السورية تمنح فرصة كبيرة، لكن الجغرافيا وحدها لا تشغل ممراً. الذي يشغله هو الاستثمار، والإدارة، والتمويل، والانضباط الأمني، والتنسيق العابر للحدود.
فرصة كبيرة بسقف واقعي
ما الذي يمكن قوله إذاً من دون مبالغة ومن دون تقليل وزن؟ يمكن القول إن سوريا عادت إلى الخريطة، وهذا بحد ذاته تطور مهم. ويمكن القول أيضاً إن اتفاقات العبور الأخيرة مع تركيا والأردن، والنقاشات مع السعودية حول الطرق والسكك، تعيد فتح باب كانت المنطقة قد أغلقته عملياً طوال سنوات الحرب. لكن لا يصح بعد ذلك القفز إلى نتيجة جاهزة تقول إن سوريا صارت بديلاً آمناً ومتكاملاً للتجارة الإقليمية أو للطاقة.
الأدق أن سوريا مرشحة لتكون جزءاً من شبكة بدائل، لا البديل الوحيد. ومرشحة لأن تستفيد من الضغط على المسارات البحرية ومن حاجة الإقليم إلى طرق أقصر وأرخص، لكن بشرط أن تنجح في شيء أصعب من توقيع الاتفاقات، وهو تثبيت قواعد العبور وتحويلها إلى روتين موثوق. إذا تحقق ذلك، فإن الطريق البري من تركيا إلى الخليج عبر الأراضي السورية قد يصبح واحداً من أكثر التطورات الاقتصادية أهمية في المشرق خلال السنوات المقبلة. أما إذا بقي في مستوى الوعود والاختبارات الجزئية، فسيظل خبراً جيداً، لكنه لن يرتقي بعد إلى اسم الممر.
اقرأ أيضاً: بين الإغراء الجغرافي والوقائع القاسية.. هل سوريا بديل واقعي عن هرمز؟!