بيئة

ماذا تعني التسهيلات الفرنسية الجديدة للشركات الراغبة في دخول السوق السورية؟

ماذا تعني التسهيلات الفرنسية الجديدة للشركات الراغبة في دخول السوق السورية؟

أحمد علي

لا تسأل الشركة التي تفكر اليوم في دخول السوق السورية عن حجم الفرصة فقط، بل عن شيء أبسط وأشد حساسية، هل صار الدخول ممكناً قانونياً ومالياً ومصرفياً، وهل انخفضت الكلفة السياسية والامتثالية بما يكفي كي يتحول الاهتمام إلى قرار. هنا بالضبط يظهر معنى التسهيلات الفرنسية الجديدة، لا بوصفها إعلاناً كبيراً عن اندفاعة استثمارية فرنسية، بل بوصفها إشارة عملية إلى أن باريس باتت ترى أن باب العودة المدروسة إلى سوريا لم يعد موصداً كما كان، وأن على الشركات أن تنتقل من سؤال المنع المطلق إلى سؤال الشروط والحدود والمخاطر.

السوق السورية بعد التسهيلات

لم يبدأ هذا التحول من باريس وحدها، فالإطار الحاسم كان أوروبياً أولاً. مجلس الاتحاد الأوروبي قال في شباط 2025 إنه علّق جملة من القيود على قطاعات الطاقة والنقل وبعض المعاملات المالية المرتبطة بها وبأغراض إعادة الإعمار، ثم عاد في أيار 2025 ليقر رفع معظم العقوبات الاقتصادية على سوريا مع إبقاء القيود المرتبطة بالأمن الداخلي والسلاح والجهات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.

التقطت وزارة الخزانة الفرنسية هذا التحول وحدثت صفحتها الخاصة بسوريا في 19 آذار 2026 لتقول بوضوح إن معظم العقوبات القطاعية رُفعت، بما في ذلك القيود على القطاع المالي والاستثمارات والعلاقات المصرفية، وإن الشركات التي تفكر في استئناف النشاط يمكنها التواصل مسبقاً مع مكتب العقوبات للحصول على إرشاد قبل الدخول.

المعنى الأول لهذا التطور أن السوق السورية خرجت من خانة السوق المحظورة بالكامل، ودخلت خانة السوق الممكنة بشروط. وهذا فرق كبير. طوال سنوات الحرب كانت المشكلة الأساسية أمام الشركات الأوروبية، ومنها الفرنسية، أن المخاطر القانونية كانت تسبق أي حساب تجاري. اليوم لم يعد المشهد كذلك بالدرجة نفسها. صار ممكناً من حيث المبدأ التفكير في تمويل، أو شراكة، أو مساهمة، أو خدمات لوجستية، أو عقود في قطاعات مدنية غير محظورة. لكن هذا الإمكان لا يعني أن السوق السورية صارت سوقاً عادية، ولا أن الدولة الفرنسية تقدم ضمانة سياسية أو مالية شاملة لمن يدخلها.

ما الذي تغيّر فعلاً

الذي تغيّر هو ثلاث طبقات في وقت واحد.. أولاً، تقلصت دائرة الحظر القطاعي على الطاقة والنقل والمال والاستثمار. ثانياً، أزيلت أسماء عدد من الكيانات من لوائح تجميد الأصول الأوروبية، وبينها مصارف وجهات تعمل في قطاعات يحتاجها التعافي الاقتصادي. ثالثاً، ظهرت في فرنسا لغة رسمية أكثر مباشرة تجاه الشركات، فبدلاً من الاكتفاء بالتحذير العام، باتت الخزانة تقول عملياً إن العودة إلى سوريا قابلة للدراسة، شرط الفحص المسبق والامتثال الدقيق. هذا بحد ذاته تسهيل مهم، لأن أكبر ما يربك الشركات في البيئات الخارجة من العقوبات ليس النص وحده، بل ضبابية تفسيره.

لكن الطبقة المقابلة لا تقل وزناً، فالتسهيلات الفرنسية الجديدة لا تلغي أن بعض القيود ما زال قائماً على المعدات ذات الاستخدام المزدوج، وعلى السلع أو التقنيات ذات الصلة بالقمع الداخلي، وعلى المواد المدرجة في القوائم العسكرية، وعلى كيانات وأشخاص ما زالوا تحت تجميد الأصول. أضف إلى ذلك أن باريس نفسها تنبّه إلى أن أنظمة عقوبات أخرى قد تنطبق في سوريا، سواء على صلة بمكافحة الإرهاب أو بالأسلحة الكيميائية أو بانتهاكات حقوق الإنسان.

بعبارة أبسط، الشركة الفرنسية لا تدخل السوق السورية اليوم بعقد تجاري فقط، بل بملف امتثال كامل، فيه تدقيق على الشركاء، وعلى الملكية، وعلى مسار المدفوعات، وعلى طبيعة التكنولوجيا، وعلى المصرف الوسيط.

فرنسا تفتح بحذر

لهذا السبب تبدو النافذة الفرنسية نافذة تنظيمية أكثر من كونها حملة تشجيع استثماري واسع. فرنسا تقول للشركات إن الباب لم يعد مغلقاً تماماً، لكنها لا تقول إن المخاطر انخفضت إلى الحد الذي يجعل السوق السورية أشبه بأي سوق ناشئة أخرى. المؤشرات الاقتصادية نفسها تدعو إلى الحذر، البنك الدولي توقع نمواً متواضعاً قدره 1 بالمئة في 2025، مع استمرار ضغوط السيولة وضعف المساعدات وتحديات الأمن والخدمات. وفي تشرين الأول 2025 قدّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار.

هذه أرقام كبيرة، تعني أن الفرصة موجودة، لكنها مربوطة ببلد ما زال يعاني من بنية تحتية مثقلة، ومصرفية غير مستقرة بما يكفي، وطلب محلي لا يزال هشاً خارج القطاعات الأساسية.

الفرصة وحدها لا تكفي

مع ذلك، لا يمكن التقليل من وزن الإشارة الفرنسية.. فعندما يدعو إيمانويل ماكرون في أيار 2025 إلى إنهاء العقوبات الأوروبية على سوريا، وعندما تقول باريس في مؤتمر شباط من العام نفسه إن رفع العقوبات يجري خطوة خطوة، وعندما تُحدّث الخزانة مسار الاستفسار المسبق للشركات، فهذا يعني أن فرنسا لا تريد البقاء خارج لحظة إعادة التموضع الاقتصادي في سوريا.

المثال الأوضح كان بقاء شركة فرنسية كبيرة مثل CMA CGM داخل المعادلة السورية، ثم توقيعها اتفاقاً طويل الأجل لتطوير محطة اللاذقية. وهذا لا يثبت أن السوق جاهزة، لكنه يثبت أن بعض الفاعلين الكبار يقرأون المرحلة الجديدة باعتبارها لحظة تأسيس مبكر، لا لحظة انتظار كامل.

السؤال الأهم ليس هل ستدخل الشركات الفرنسية إلى السوق السورية، بل أي شركات ستدخل وكيف؟ الشركات التي تبحث عن دورة سريعة، أو بيئة تمويل سلسة، أو نزاعات منخفضة، لن تجد ما يكفي لإغراءها. أما الشركات القادرة على العمل في بيئات انتقالية، والتي تملك فرق امتثال قوية ونفساً أطول وشركاء موثوقين، فقد ترى في السوق السورية فرصة مبكرة في اللوجستيات، وإدارة الموانئ، والخدمات الحضرية، والطاقة، والاتصالات، وبعض مشاريع إعادة التأهيل المرتبطة بالحاجات الأساسية.. وهنا تصبح التسهيلات الفرنسية الجديدة بمثابة خفض لكلفة الدخول الأولى، لا أكثر.

دخول ممكن لا سهل

في الخلاصة، ما قدمته فرنسا ليس جسراً معبّداً إلى السوق السورية، بل خريطة أوضح لعبور شديد الحساسية. التسهيل الحقيقي هنا هو أن المنع الشامل تراجع، وأن باب السؤال القانوني والمالي فتح على نحو أكثر صراحة، وأن الشركات الفرنسية صارت قادرة على دراسة السوق السورية بجدية أكبر. لكن من يقرأ ذلك على أنه ضوء أخضر بلا تحفظ يقرأ نصف المشهد فقط. النصف الثاني يقول إن الدخول ممكن، نعم، لكنه ما زال مشروطاً بالأمن والامتثال وبنوك الدفع ونوعية الشريك وطبيعة القطاع. وهذا في سوريا اليوم ليس تفصيلاً، إنه أصل الحكاية…

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.