الكاتب: أحمد علي
تقول تجارب الشعوب، إن الأطفال لا يخرجون من الحرب حين يخرج منها الكبار، فالخوف يبقى فترة أطول، ويظهر في النوم المتقطع، وفي الصمت المفاجئ، وفي صعوبة اللعب العادي، وفي ذلك التوتر الذي لا يملك الصغير لغة كافية لشرحه. لهذا لا تبدو الأنشطة التي شهدتها حمص وسلمية في 28 آذار خبراً خفيفاً عن يوم ترفيهي وانتهى، بل تبدو أقرب إلى سؤال عملي عن شكل التعافي نفسه، وكيف يمكن لمجتمع مثقل بالخسارات أن يمد يده إلى أطفاله من جديد… المهم هنا ليس المبالغة في أثر فعالية واحدة، ولا التقليل منها أيضاً. ما جرى في المدينتين يضيء على مسألة حساسة، وهي أن الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال لم يعد ترفاً مكملاً بعد الحرب، بل صار جزءاً من الحد الأدنى الذي يسمح للطفولة بأن تستعيد توازنها، ولو ببطء.
الدعم النفسي والاجتماعي أولاً
وفق ما تؤكده اليونيسف، ما زالت الطفولة السورية تدفع الكلفة الأثقل بعد أكثر من عقد من النزاع، وقد أظهر تقييم عام 2021 أن ثلث الأطفال في سوريا بدت عليهم علامات ضائقة نفسية مثل القلق والحزن والتعب واضطراب النوم. ولا يقدّم هذا المعطى خلفية عامة فقط، بل يشرح لماذا عادت المؤسسات الدولية والمحلية إلى التعامل مع الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال بوصفه ضرورة أساسية لا بنداً ثانوياً. واليونيسف تقول أيضاً إنها وصلت منذ بداية 2025 إلى أكثر من 50 ألف طفل في سوريا بخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، بينما يميّز نداءها الإنساني لعام 2026 بوضوح بين التدخلات المنظمة والمتخصصة وبين أنشطة الدعم الأخرى مثل الإسعاف النفسي الأولي والأنشطة الترفيهية.
وهذا التفريق مهم، لأنه يقول شيئاً بسيطاً ومباشراً، اللعب والرسم والمساحة الآمنة مهمة فعلاً، لكنها ليست بديلاً كاملاً عن الخدمة المستمرة.
حمص بين الفقد والعودة
في حمص، نقلت وكالة الأنباء السورية أن جمعية غراس الخير نظمت فعالية ترفيهية لـ 300 طفل يتيم في حي الوعر، واستهدفت أطفالاً من القصير وريفها، ضمن مشروع “بسمة” الذي يهدف إلى معالجة الاحتياجات النفسية للأيتام عبر برامج ترفيهية وتعليمية تعزز الاندماج الاجتماعي والشعور بالأمان والاستقرار.
التفاصيل هنا ليست صغيرة، أولاً لأن الرقم كبير نسبياً في فعالية محلية واحدة، وثانياً لأن اختيار أطفال القصير وريفها يضع المبادرة داخل جغرافيا عرفت التهجير والعودة والخراب الطويل. وتتحدث تقارير منظمات الإغاثة عن القصير في الأشهر الأخيرة عن عودة عائلات إلى بيوت مدمرة جزئياً، وعن خدمات غير مستقرة، وعن ندوب نفسية لم تختف مع العودة. في مثل هذا السياق، يصبح اليوم المفتوح أقل شبهاً بالاحتفال وأكثر شبهاً بمحاولة لإعادة الطفل إلى دائرة الحياة العادية، ولو لساعات.
سلمية ومساحة تنفس
في سلمية، الصورة كانت أبسط شكلاً، لكنها واضحة الدلالة.. اقام فريق ألوان التطوعي الشبابي يوماً مفتوحاً للأطفال من عمر خمس سنوات حتى 12 سنة، وتضمن نشاطات ترفيهية وفنية ومسابقات، بعضها جماعي لتعزيز العمل المشترك، وبعضها فردي لتنمية المهارات.
ما يلفت النظر هنا أن الجهة المنظمة ليست مؤسسة كبيرة ولا برنامجاً دولياً واسعاً، بل فريق محلي يعمل منذ 2014 على تمكين الأطفال واليافعين عبر أنشطة اجتماعية وثقافية وترفيهية. ومثل هذا النوع من المبادرات مهم لأنه قريب من الناس، قليل الكلفة نسبياً، وقادر على التكرار. كما أنه يقدّم شيئاً يحتاجه الطفل بعد الحرب بشدة، مساحة تنفس غير مشروطة، لا يُطلب فيها منه أن يشرح كل ما مر به، بل أن يعود إلى التفاعل واللعب والإحساس بأن المكان لا يهدده.
ما الذي ينقص فعلاً؟
هنا يجب التوقف قليلاً. لا فعالية في مدينة، ولا يوم مفتوح في مدينة أخرى، تكفي وحدها للقول إن الملف صار على سكة الحل. الأثر الإيجابي موجود، نعم. غير أن تحويل الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال إلى مسار تعافٍ حقيقي يحتاج ما هو أبعد من اللفتات الضرورية. يحتاج متابعة منتظمة، واختصاصيين، وربطاً بين المدرسة والأسرة والمجتمع المحلي، وبرامج تتعامل مع الطفل اليتيم والطفل العائد والطفل الذي عاش العنف أو الانقطاع المدرسي بوصفهم فئات متداخلة لا ملفات منفصلة. ويحتاج أيضاً إلى تمويل مستقر. وحتى المشاريع الممولة جيداً تفقد جزءاً من أثرها إذا بقيت موسمية أو مناسبة مرتبطة بعيد أو حدث عام.
من المبادرة إلى المسار
ما حدث في حمص وسلمية مهم. هذه هي النقطة الأولى التي نودّ قولها هنا، والنقطة الثانية أنه غير كافٍ وحده، فبين الأمرين تقع المسافة الحقيقية التي ينبغي النظر إليها بجدية. المبادرات الحالية تكشف أن هناك وعياً متزايداً بأن الطفولة بعد الحرب ليست مسألة خبز ومدرسة فقط، بل مسألة أمان داخلي أيضاً. لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الطريق ما زال طويلاً، لأن الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال لا ينجح حين يبقى نشاطاً منفصلاً، بل حين يدخل في نسيج التعافي المحلي كله. عندها فقط يمكن القول إن المجتمع لا يواسي أطفاله فحسب، بل يبدأ فعلاً بإعادتهم إلى الحياة ويرسم معهم شيئاً من المستقبل…
اقرأ أيضاً: قرى ريف سلمية عطشى: بنية تحتية متهالكة وأحلام مؤجلة باستدامة المياه