تفاقمت أزمة المياه في سوريا إلى حدٍ أصبح فيه الأمن المائي مهدداً بالخطر، وليس كل شيء يعود للظروف المناخية، بل كان لأيدي البشر وحفارات الآبار دورٌ كبيرٌ في ذلك. في مقالنا هذا سوف نستعرض الأزمة المائية في سوريا، وكيف تؤثر الآبار العشوائية في استنزاف المياه الجوفية، بالإضافة إلى مجموعة من المقترحات لمواجهة هذا الخطر المحدق.
تدهور الواقع المائي في سوريا
تواجه سوريا واقعاً مائياً متردياً في معظم المناطق، ويعود السبب في ذلك إلى عوامل عديدة، في مقدمتها العوامل المناخية بالإضافة إلى استنزاف المصادر المائية، حيث أن الأمن المائي للبلاد بات مهدداً بالخطر.
وفي هذا السياق، أكد مدير الموارد المائية في درعا، هاني شاكر عبد الله، في تصريح له لإحدى الصحف، وجود عجز مائي كبير يعود إلى التغيرات المناخية، وقلة الأمطار، وارتفاع الاستهلاك البشري، مما تسبب في انخفاض حاد في كميات المياه السطحية والجوفية، بما فيها الآبار.
ومن جهة أخرى، أشار مدير الموارد المائية بحماة، طراد النهار، لصحيفة محلية، إلى أنه تم إيقاف منح التراخيص اللازمة لحفر آبار زراعية جديدة باستثناء منشآت معينة توافق عليها وزارة الطاقة، والسبب في ذلك يعود إلى انخفاض مناسيب المياه في المنطقة.
انخفاض واردات المياه السطحية
في حديثه لإحدى الصحف، أوضح مدير الموارد المائية في درعا، أن هناك نفاذ في مخزون السدود في المحافظة، وذلك بسبب قلة الموارد المائية السطحية الناتج عن انخفاض معدل الأمطار. مشيراً إلى أن هذا النقص الشديد في المياه السطحية، تسبب بالتوجه بشكل كبير نحو المياه الجوفية وخصوصاً الآبار التي شهدت انخفاضاً كبيراً في مناسيبها خلال السنوات الأخيرة.
تاريخ وتداعيات حفر الآبار العشوائية في سوريا
الاعتماد على مياه الآبار ليس بالقضية الجديدة، حيث يُشير المهندس عبد الله، لإحدى الصحف المحلية، إلى أن تزايد الاعتماد على مياه الآبار، وخصوصاً فيما يخص القطاع الزراعي، يعود إلى فترة الثمانينيات، حيث كانت القوانين والأنظمة تسمح بذلك، دون مراعاة البعد الاستراتيجي لهذه القضية.
وحين تم إدراك خطورة هذا الموضوع على المدى البعيد وبدء العمل بمنح التراخيص بشكل مدروس، بدأ حفر الآبار بشكل مخالف، التي بلغ عددها، بحسب المهندس عبد الله، 192 بئراً في عام 2001 ليرتفع بشكل كبير بعد ذلك ويبلغ أكثر من 605 آبار بحلول عام 2010.
ومن الجدير بالذكر، أن ظاهرة الآبار المخالفة لم يقتصر على المشاريع الزراعية، وإنما امتد ليشمل المناطق السكنية، تحت ذريعة تأمين مياه الشرب. وما زاد الطين بلة، هو انتشار منظومات الطاقة البديلة التي ساهمت في تشغيل هذه الآبار طوال النهار، الأمر زاد من وتيرة الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية.
وبالتأكيد، هذه الآبار العشوائية التي تفتقر إلى التنظيم، سواء من حيث موقعها أو من حيث ساعات تشغيلها، لم تكن بدون عواقب. حيث كان لذلك أثر كبير على مخزون المياه الجوفية، بالتالي تراجع غزارة الينابيع، مما تسبب في ظهور الحاجة إلى حفر المزيد من الآبار المخصصة لمياه الشرب، وبالتالي دخلت أزمة المياه في سوريا في حلقة مفرغة كتهديد واضح للأمن المائي في البلاد.
الإجراءات المقترحة لمواجهة أزمة المياه
نبّه المهندس عبد الله على ضرورة اتخاذ إجراءات جادة وفعالة لمواجهة أزمة المياه في البلاد بشكل عام. مشيراً إلى أن وقف الحفر العشوائي للآبار عبر التنسيق مع الجهات الأمنية ومصادرة الحفارات المخالفة بات ضرورة ملحة.
هذا وأكد على ضرورة مراجعة الخطة الزراعية، بحيث يكون التركيز على الزراعات الشتوية والاعتماد على المياه السطحية، وتطبيق نظام الري الحديث، وذلك لتفادي الحسب الكبير من مخزون المياه الجوفية الذي بات مهدداً بالخطر.
ومن الجدير بالذكر، أنه في ظل هذا الواقع المائي الصعب، لابد من الإسراع في بناء محطات معالجة لمياه الصرف الصحي، وذلك بهدف استخدامها في ري المزروعات، وتوفير ما يمكن توفيره من المياه الجوفية الصالحة للشرب.
أزمة مياه الشرب في درعا: جفاف الينابيع وتراجع غزارة الآبار
تشهد محافظة درعا، تراجعاً كبيراً في المصادر الرئيسية لمياه الشرب، حيث أن العديد من المشاريع القائمة على الينابيع قد توقفت عن العمل، سواء بسبب الجفاف في المصدر المائي، أو بسبب التدمير. بالإضافة إلى انخفاض غزارة تدفق الينابيع التي لا زالت قائمة، الأمر الذي يؤثر على قدرة إرواء المناطق السكنية في المحافظة.
ويُشار أيضاً، إلى أن الآبار ليست أفضل حالاً من الينابيع، فهناك 105 آبار خارج الخدمة من أصل 618 بئراً، وبحسب تصريحات المدير العام لمؤسسة مياه درعا، لإحدى الصحف، فإن الآبار التي لا تزال في الخدمة، تشهد انخفاضاً كبيراً في غزارتها قد يصل في بعض الحالات إلى أقل من النصف.
اقرأ أيضاً: سوريا عطشى: أزمة المياه تهدّد حياة الملايين والمستقبل مخيف!
في الختام، يبدو أن أزمة المياه في سوريا هي نتيجة لتراكم عوامل عديدة، من أبرزها وما يمكن السيطرة عليه، هو الاستنزاف غير المنظم للمياه الجوفية. لذا، لابد من اتخاذ إجراءات حقيقية وفعالة لمواجهة هذا الخطر، والحفاظ على الموارد المائية في البلاد.