الكاتب: أحمد علي
الهاتف يرنّ في دمشق القديمة، لكن الإشارة التي تصل إلى الناس لم تعد هي ذاتها التي كانت تُملى من فوق. منذ كانون الأول 2024 تبدّلت خرائط القوة، وتبدّل معها معنى التنظيم في قطاع ظلّ لعقود أحد أكثر القطاعات حصريةً وابتعاداً عن الشفافية. القصة هنا ليست قصة موظفين أو هياكل شكلية؛ بل سرد لمسار قرارٍ يتشكّل خلف الأبواب المغلقة، في تمازجٍ بين مصالح أمنية واقتصادية وضغوط مانحين، وبين حاجةٍ ملحّة لالتقاط الثقة العامة وإعادة بناء بنية تحتية منهكة.
وسط هذا كله تقف الهيئة الناظمة للاتصالات في سوريا بين صورتين: ماضٍ ثقيل تتهمه أوساط واسعة بأنه «فرع مخابرات صغير»، وحاضر مضطرب يحاول أن يكتب ببطء قواعد لعبةٍ جديدة.
ما الذي تغيّر في الهيئة الناظمة للاتصالات في سوريا؟
فجأة صار السؤال مشروعاً: من يملك الكلمة اليوم في ضبط الطيف الترددي، ومن يرسم سياسة الترخيص والتسعير والشفافية؟ سقوط سلطة الأسد في 8 كانون الأول 2024 تبِعته ترتيبات انتقالية سريعة، شملت تعيين أحمد الشرع رئيساً وإلغاء دستور 2012، مع وعودٍ بدمج الفصائل في مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة السلطات التنفيذية، وهي سياقات انعكست مباشرة على طريقة إدارة القطاعات السيادية، ومنها الاتصالات.
ذاكرة مثقلة: من ريع الاحتكار إلى «وفا» وشبكة النفوذ
قبل السقوط، اعتُبرت بيئة الاتصالات أحد أهم خزانات الريع السياسي–الاقتصادي. الخلاف العلني عام 2020 بين رامي مخلوف ورأس السلطة السابقة حول «سيريتل» كشف بعض آليات الجباية والمحاصصة، إذ طالبت الجهة التنظيمية (المعروفة حينها باسم الهيئة الناظمة للاتصالات/سلطة الاتصالات) بمبالغ كبيرة اعتُبرت «حقوقاً للخزينة»، بينما قدّم مخلوف رواية مضادة. هذا الاشتباك أصبح في حينه مادة دسمة لعدد كبير من وسائل الإعلام الغربية والعربية، وأضاء على دور «الهيئة» كلاعب تنفيذي في صراع نفوذ داخل العائلة الحاكمة والمنظومة الأمنية.
ثم جاءت قصة الترخيص للمشغّل الثالث «وفا تيليكوم» في 2022 لتفتح باباً آخر على طبيعة القرار التنظيمي، إذ بيّنت تحقيقات صحفية دولية تقاطعاتٍ مع مصالح إقليمية إيرانية وشبكات رجال أعمال مقرّبين من الحلقة الضيقة السابقة. وهذه الوقائع رسّخت الانطباع العام بأن «الهيئة» كانت جزءاً من منظومة تحكّم وليست ضابطاً محايداً للسوق.
مثلث القرار الجديد: الرئاسة، وزارة الاتصالات، وشبكات المانحين
بعد كانون الأول 2024 بدا واضحاً أن القرار في قطاع الاتصالات لا يصدر من نافذة واحدة. ثمة مثلث تتوزّع أضلاعه بين مؤسسة الرئاسة التي تمسك بملفّي الأمن والاقتصاد الكلي، ووزارة الاتصالات التي تصوغ السياسات التنفيذية اليومية، والهيئة الناظمة للاتصالات التي يُفترض أن تعود إلى دورها الأصلي: التنظيم لا التملّك.
وفي الخلفية، يضغط عاملان: الحاجة العاجلة إلى تحسين الخدمة والبنية التحتية، واشتراطات شركاء إقليميين ودوليين يراقبون قواعد المنافسة والحوكمة.
تجسّد هذا عملياً في مسار تفاوضي انفتح مع شركات خليجية كبرى على مشروع ألياف ضوئية وطني («SilkLink») بحجم يناهز 300 مليون دولار، مع وعود بجعل سوريا عقدة ربط إقليمي.
وهذه المفاوضات، التي أُبلغ عنها في حزيران 2025، تزامنت مع نقاشات أوسع حول تخفيف/رفع العقوبات وتدفّق الاستثمارات، وهو ما حوّل «الهيئة» إلى بوابة تقنية – قانونية وموقع تفاوضي مع المستثمرين بعيداً عن قبضة الاحتكار القديمة.
في السياق ذاته، عكست موجاتٌ إعلامية وحقوقية ودبلوماسية أن المناخ السياسي العام سائرٌ نحو تثبيت مؤسسات المرحلة الانتقالية تحت رقابة أممية وأوروبية، مع استمرار تعقيدات ميدانية في الشمال الشرقي ومناطق أخرى؛ وكل ذلك يفرض على «الهيئة» أن تُمسك العصا من المنتصف: جذب الاستثمارات وتوسيع المنافسة، من دون إشعال حساسيات أمنية أو سياسية.
منطق القرار داخل «الهيئة»: قواعد جديدة بملامح قديمة
إذاً، كيف تُصنع القرارات اليوم داخل الهيئة الناظمة للاتصالات في سوريا؟ الشواهد المتاحة تشير إلى بروز ثلاث أولويات متداخلة. الأولى: استعادة ثقة الجمهور عبر إجراءات ملموسة تطال الفواتير وتقطّع الخدمة وجودتها؛ وقد سُجّل في آذار 2025 إعفاءٌ لفئات متضررة من رسوم الهاتف خلال فترات الانقطاع، في إشارة إلى رغبة في بناء تعاطف اجتماعي وتغيير اللغة التي اعتادها المستخدمون مع الإدارة السابقة.
الثانية: إرساء شفافية نسبية في التعاقدات والتراخيص، مع نفي رسمي لأي صفقات «مظلمة» خارج الأطر المعلنة، وهي رسائل سياسية بقدر ما هي تنظيمية. والثالثة: تحصين القرار التنظيمي بنصوصٍ مرحلية لحماية البيانات وحقوق المستخدم، عبر بلاغات حكومية تُقارب معايير الخصوصية المتعارف عليها دولياً، وهذه الأولويات لا تعني اكتمال التحوّل، لكنها ترسم «بوصلة» مغايرة عمّا كان سائداً.
ورغم أن «الهيئة» تعلن استقلالها الفني، إلا أن ظلّ الأمن لا يغيب بالمطلق، فالإرث الطويل من الضبط عبر الأجهزة يجعل أي قرارٍ كبير – من تسعيرٍ أو توزيع تراخيص أو فتح بوابات الإنترنت الفضائي – قابلاً للاصطدام بحاجات «الأمن الوطني» كما تُعرّفها مؤسسات ما زالت تتبلور.
وهنا تظهر أهمية أن تُنقل التوازنات إلى نصوصٍ علنية: لوائح مشاركة البُنى التحتية، قواعد الربط البيني وأسعار الجملة، صفحات شفافية لقياس جودة الخدمة، وآليات تظلّم للمستخدمين؛ كلها أدوات تُخرج القرار من الغرف المغلقة إلى فضاءٍ قابل للمساءلة.
امتحان «وفا» وإعادة ترخيص السوق: هل يكتمل القطع مع الماضي؟
ملف المشغّل الثالث «وفا» هو الامتحان الأكبر، فالتحقيقات الدولية التي ربطت الشركة بشبكات نفوذ خارجية وإقليمية لا تزال حاضرة في ذاكرة السوق، فأيّ إعادة ترخيص أو مراجعة لشروط الامتياز ستكشف إن كانت الهيئة قادرة فعلاً على فرض اشتراطات امتثال ومعايير ملكية نافذة وبيانات إفصاح دورية، أم أن منطق «التوزيع السياسي للريع» سيعاود الظهور بثوبٍ جديد.
ولذلك، تتابع الشركات الخليجية والدولية إشارات الحوكمة: هل ستكون هنالك منافسة فعلية على الطيف 5G؟ هل تُطبّق سياسة «الوصول المفتوح» للألياف؟ وكيف ستُسعّر خدمات الجملة حتى لا يُخنق الداخلون الجدد؟ والإجابات ستحدّد إن كان السوق يخرج حقاً من ضباب الماضي.
ماذا يعني ذلك للمستخدم والاقتصاد؟
كما هو معروف، فإن التغيير التنظيمي ليس تجميلاً لغوياً، فإذا نجحت الهيئة الناظمة للاتصالات في تثبيت استقلالها الفني، ستتراجع كلفة البيانات، وسيصبح دخول اللاعبين الجدد – من مقدّمي خدمات المحتوى إلى شركات الحوسبة السحابية والمال الرقمي – أكثر واقعية، ما يخلق وظائف ويعيد الحياة لشرايين التجارة الرقمية.
ومشروع الألياف الوطني، إذا أُنجز بشروط منافسة ومنصفة، يمكن أن يحوّل سوريا إلى عقدة عبور لنقل البيانات بين الخليج وتركيا وأوروبا، ويزيد العائدات لخزينة الدولة.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل: فهشاشة المشهد الأمني في بعض المناطق، وتقاطعات النفوذ الإقليمي، قد تعرقل قرارات تخصّ الطيف والتراخيص العابرة للمحافظات. وهنا تُختبر قدرة «الهيئة» على أن تكون حكماً لا طرفاً، وأن تُثبت أن التنظيم ليس قناعاً لاحتكار جديد، بل رافعةٌ لاقتصادٍ تنافسيٍ شفاف.
خلاصة: من «فرع» إلى مؤسسة
بعد عامٍ من التحوّلات، تظهر ملامح «عقلٍ منظِّم» يحاول مراجعة علاقته بالسلطة السياسية وبالسوق وبالمستخدم. لكن لا يكفي أن تتكرر عبارة «الشفافية» في البيانات، فالمطلوب نشر عقود الترخيص، إتاحة بيانات جودة الخدمة، رقمنة إجراءات الشكاوى، وتفعيل مشاورات عامة قبل أي قرارٍ جوهري.
وكما يبدو فإن الطريق طويل، والماضي قريب، لكن الإمكانية متاحة، بمعنى أن تتحول «الهيئة الناظمة للاتصالات من أداة نفوذ إلى مؤسسة قواعد». وهذا التحوّل، إن حدث واكتمل، سيكون المكسب الأهم للمستخدم السوري وللاقتصاد، قبل أن يكون عنواناً سياسياً لمرحلة ما بعد السقوط.
اقرأ أيضاً: هل يغير مشروع أوغاريت واقع الاتصالات في سوريا؟