بقلم هلا يوسف
شهدت الفترة الأخيرة تزايد ملحوظ في حالات اعتداء الطلاب على المعلمين، مما أدى إلى تراجع هيبة المعلم التي لطالما كانت محط احترام وتقدير من الطلاب. وهذه الظاهرة تمثل تهديد خطير ليس فقط على المجتمع، بل على التعليم نفسه، حيث أن المعلم يعتبر ركيزة أساسية في بناء الأجيال. فإذا كان المعلم عاجزاً عن فرض الاحترام على طلابه، فكيف يمكننا أن نخرّج جيلاً متعلماً ومثقفاً ومنضبطاً؟ في هذا المقال، سنتناول أبرز حوادث الاعتداءات على المعلمين من قبل الطلاب، ونبحث في أسبابها وسبل معالجتها من منظور علم النفس التربوي.
الاعتداء الطلاب على المعلمين يطال عدد من المحافظات
تتردد في حمص شائعات حول اعتداء بعض تلاميذ مدرسة سعد عاقل الإعدادية في وادي الذهب على معلمتهم، حيث ضربوها بعصا على رأسها مما تسبب في إصابتها بشق في رأسها. وتم نقلها إلى المستشفى بعد الحادث. وبحسب بعض المصادر غير المؤكدة، خرج الطلاب من المدرسة وهم يتفاخرون بما فعلوه، وكانوا يرددون قول “شكلها تربت من ورا هل قتلة”.
وتقول شيرين، وهي معلمة في إحدى مدارس حمص، إن الاعتداءات على المعلمين أصبحت ظاهرة شائعة. فبعض الطلاب، بهدف التفاخر أمام زملائهم، يضربون المعلمين أو المعلمات. وتشير إلى أن هذه التصرفات تعكس تدهور الوضع التعليمي بشكل عام، خاصة في ظل التحديات والصعوبات التي يواجهها المعلمون.
الاعتداءات على المعلمين لم تقتصر على حمص فقط، بل امتدت إلى مناطق أخرى مثل دير الزور، حيث قام أحد أولياء الأمور باقتحام مدرسة برهان الدين حاج محمد بعد أن قامت معلمة بتوبيخ ابنه بسبب سوء سلوكه وعدم التزامه بالواجبات المدرسية. وحسب الرواية، لم يتضمن التوبيخ أي اعتداء جسدي أو إساءة لفظية، إلا أن الطالب نقل صورة مختلفة لوالده، الذي جاء إلى المدرسة مهدداً قائلاً: “يلي تمد إيدها على ابني أو بنتي، والله لأدفنها بالإدارة!”.
وفي حادثة أخرى، تعرضت معلمة الرياضة في مدرسة العرفي للبنات في الصف التاسع للكم من إحدى الطالبات على كتفها بقوة، مما تسبب في إصابة المعلمة بصدمة جعلتها تبكي، واضطرت للجوء إلى الإدارة في حالة من الانهيار، حتى وصل زوجها لأخذها. وفي درعا، شهدنا حادثة مشابهة حيث قام طالب بضرب مدير مدرسة ثانوية البنين في بلدة المزيريب.
أحمد وهو معلم في المرحلة الإعدادية، يعتقد أن هذه الظاهرة تشكل تهديداً حقيقياً لمستقبل التعليم. يقول إن المعلم يجب أن يكون بمثابة الأب للطلاب، وأنه يتحمل ضغوطاً نفسية ومالية كبيرة من أجل أداء واجبه وتأمين لقمة عيشه.
تزايدت هذه الحوادث في الفترة الأخيرة بعد التعميم الذي أصدرته وزارة التربية والذي يمنع أي شكل من أشكال الاعتداء الجسدي أو اللفظي على الطلاب تحت أي ظرف. ودعت الوزارة المعلمين إلى استخدام وسائل تربوية بديلة تهدف إلى تعزيز الانضباط والسلوك الإيجابي دون اللجوء للإيذاء، مع فرض العقوبات المناسبة وفقاً للأنظمة الداخلية.
إلا أن ما غفلت عنه الوزارة هو تدعيم قرارها بإجراءات ميدانية مرافقة لتطبيقه بشكل فعّال دون الإضرار بالمعلم والطالب معاً. فمع تزايد حالات الاعتداء لا بد مثلاً من تفعيل قسم الإرشاد النفسي في المدارس، وتوفير تدريبات للكوادر التدريسية حول بدائل العقاب البدني، بحيث يتمكن المعلمون من إدارة الصفوف بطرق تربوية بديلة. بالإضافة إلى وضع بروتوكول واضح للتعامل مع اعتداءات الأهالي أو الطلاب على المعلمين، بهدف تحقيق التوازن بين تعزيز الانضباط وحماية الكادر التعليمي من أي انتهاك لحقوقهم.
أسباب هذه الاعتداءات
يشير التربويون إلى أن انتشار حالات العنف اللفظي ضد المعلمين والمعلمات يعكس تراجعاً في الثقة الاجتماعية بمؤسسة التعليم، وغياب ثقافة الحوار التربوي داخل المدارس. ففي حين يفترض أن يكون التعميم الوزاري رادعاً لأي تجاوز ضد الطلاب، فإن تطبيقه دون توفير آليات حماية فعّالة للكوادر التعليمية قد يؤدي إلى شعور المعلمين بالخوف ويضعف هيبة المؤسسة التعليمية ككل.
تقول الأخصائية التربوية والاجتماعية د. يارا أحمد إن ظاهرة الاعتداء على المعلمين من قبل بعض الطلاب بدأت تظهر في السنوات الأخيرة، وأصبحت مؤشراً على خلل أعمق في العلاقة التربوية بين المدرسة والمجتمع. وتشير إلى أن رفع الطالب صوته أو مد يده على معلمه هو انعكاس لتحول ثقافي وتربوي يؤثر على قيم الاحترام والتقدير التي تربينا عليها.
وتضيف د. أحمد أن هذه الظاهرة هي نتيجة لتراكمات تبدأ من المنزل، حيث لا تتابع الكثير من الأسر أبناءها بشكل كافي، وبعضها ينظر إلى المعلم كخصم للطالب وليس شريكاً في تربيته. هذا الموقف الأسري المتراخي يعزز شعور الطالب بالتمرد على سلطة المعلم ويضعف احترامه له.
كما تشير د. أحمد إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشويه صورة المعلم، حيث تنتشر مقاطع تسخر من المعلمين أو تسيء إليهم، مما يعزز لدى بعض الطلاب فكرة أن المعلم يمكن مهاجمته أو انتقاده دون حدود. وهذا التراجع في مكانة المعلم ينعكس بشكل مباشر على سلوك الطلاب داخل الصفوف الدراسية.
وبالنسبة للقرارات التربوية الحديثة التي منعت العقوبات الجسدية واللفظية في المدارس، ترى د. أحمد أنها سليمة من حيث المبدأ، إذ تتماشى مع التربية الحديثة المبنية على الاحترام والحوار. لكن المشكلة تكمن في أن هذه القرارات لم ترفق ببدائل تربوية واضحة تمكن المعلم من ضبط سلوك الطلاب بطرق فعّالة بعيداً عن العنف. الأمر الذي جعل بعض الطلاب يفهمون هذه القرارات على أنها رفع للسلطة التربوية عنهم، فتحولت الحرية إلى فوضى، وتحولت حقوق الطفل إلى ذريعة لتبرير التصرفات الخاطئة.
بروتوكول ورؤية تربوية واضحة
فيما يتعلق بظاهرة الاعتداء على المعلمين، ترى خبيرة التوجيه والإرشاد النفسي والاجتماعي مي برقاوي أن حماية الكوادر التعليمية يجب أن تبدأ من التخطيط التربوي المستمر في المدارس، بحيث يُؤخذ في الاعتبار مشكلات الطلاب والمعلمين على حد سواء. وتؤكد على ضرورة وجود رؤية تربوية واضحة يتم تطبيقها في المدرسة، ترتكز على مبادئ حقوق الإنسان وتستخدم لحل النزاعات سواء بين الطلاب أو بين الطلاب والمعلمين. واعتبرت أن هذه الرؤية يجب أن تكون بمثابة مدونة سلوك تحكم العلاقة بين جميع الأطراف في المدرسة.
برقاوي ترى أن على المعلمين أن يتخلوا عن المفاهيم القديمة للعقاب التقليدي، وأن يدركوا أن العقاب بالأسلوب التقليدي لم يعد ذا جدوى في تعديل سلوك الطلاب أو رفع مستواهم الدراسي. بل على العكس، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل توليد مشاعر الكراهية والعداء أو حتى التسرب المدرسي. وأشارت إلى ضرورة أن يكون المعلمون على دراية ببدائل التربية الحديثة التي تعتمد على التحفيز والإقناع أكثر من العقاب.
كما شددت برقاوي على دور الأهل في مواجهة هذه السلوكيات، مشيرة إلى أهمية أن يكون هناك تعاون مستمر بين الأسرة والمدرسة. وأوضحت أن الأسر يجب أن تثقف نفسها حول كيفية التعامل مع أبنائهم وتعزيز احترامهم للقوانين المدرسية، مما يساهم في منع وقوع مثل هذه الحوادث. ودعت إلى ضرورة تفعيل برنامج الإرشاد النفسي والاجتماعي في المدارس لدعم الطلاب في جوانبهم النفسية والاجتماعية، مما يساهم في تطوير سلوكهم وتنمية قدراتهم الشخصية.
أضافت برقاوي أن المدرسة يجب أن تكون بيئة آمنة ومشجعة للطلاب والمعلمين على حد سواء. فالمعلم يحتاج إلى الشعور بالأمان والاحترام في مكان عمله، كما يحتاج إلى دعم حقيقي من الإدارة والزملاء. وبالمثل، يجب أن يشعر الطالب بالأمان في المدرسة حتى يتمكن من التعلم والنمو بشكل سليم.
كما ترى د. أحمد أن حل هذه المشكلة يتطلب نهجاً شاملاً يعيد التوازن للعلاقة بين الطالب والمعلم. وهذا يشمل إعادة الاعتبار للمعلم في المجتمع، تفعيل الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتدريب المعلمين على طرق التعامل مع الطلاب بشكل إيجابي، مما يعزز بيئة تعليمية خالية من العنف.
في الختام، تظل العلاقة بين الطالب ومعلمه أحد العوامل التي تشكل ذاكرة الطالب وتؤثر في مستقبله الدراسي. يجب أن تقوم هذه العلاقة على أساس من التعاون والمصلحة المشتركة، بهدف تحقيق أفضل ما في الطالب وضمان مستقبله الأكاديمي. ومن هنا، يجب أن تكون الاعتداءات على المعلمين مسألة ذات أهمية بالغة لدى الأهل، الذين عليهم أن يكونوا على دراية بتصرفات أبنائهم، والعمل بالتعاون مع المعلمين لضبط سلوكهم داخل المدرسة. هذه الشراكة بين الأسرة والمدرسة هي التي تضمن بيئة تعليمية صحية وآمنة للجميع، وتساهم في بناء جيل قادر على التفاعل مع محيطه باحترام وتقدير.
اقرأ أيضاً: أجيال على حافة الهاوية: التسرب المدرسي يهدّد مستقبل البلاد فما العمل؟!