مال و أعمال

الأسباب الحقيقية خلف قرار إغلاق مصنع الحجار

الأسباب الحقيقية خلف قرار إغلاق مصنع الحجار

الكاتب: أحمد علي

ماكينات كانت تدور حتى الأمس القريب صمتت فجأة، وضجيج العمل الذي اعتادت عليه عيون العاملين تلاشى إلى فراغ ثقيل. إعلان إغلاق مصنع الحجار لم يكن خبراً عابراً في شريط الأحداث؛ بل شرارة أسئلة عن واقع الصناعة السورية اليوم: ما الذي تعطّل حقاً؟ وأين يبدأ الخلل وأين ينتهي؟ بين سردية «فواتير الكهرباء» وسردية «الاقتصاد الحر»، ينهض هذا التقرير ليتتبع الخيوط من مصدرها، كما تتبع ماكينة الغزل مسار الخيط حتى تصير قماشاً قابلاً للحياة.

إغلاق مصنع الحجار: ما الذي حدث فعلاً؟

انتشر خلال الأيام الأخيرة مقطعٌ مصوّر لرجل أعمال يعلن توقّف مصنعه مؤقتاً، ما رجّحته مصادر محلية بأنه إغلاق مصنع الحجار للأقمشة والنسيج، مع تقديرات بتأثر نحو 360 عاملاً بهذا التوقف. وعلى الرغم من تضارب الروايات الأولى حول السبب، صعدت الكهرباء إلى واجهة الاتهام الشعبي، قبل أن تتكشف تفاصيل أوسع من فاتورة طاقة مرتفعة.

ما الذي قاله المدير؟ أربعة أسباب تتجاوز الكهرباء

في مقابلة مصوّرة مع «سوريا الآن»، خرج المدير العام للمصنع حسان الحجار ليفكك المشهد بأربعة أسباب متشابكة:

أولها القيود المصرفية وعدم القدرة على فتح الاعتمادات المستندية بسبب استمرار أثر العقوبات والحصار المالي؛

ثانيها ارتفاع كلف حوامل الطاقة واحتكارها وتسعيرها داخلياً بما يفوق أسعار الجوار؛

ثالثها فوضى أسعار الصرف التي رفعت الكلف الصناعية بالعملة المحلية، حيث قفزت فواتير الكهرباء بنحو 30–35% والأجور قرابة 100% والمواد المساعدة للإنتاج نحو 45%؛

ورابعها فتح باب الاستيراد على مصراعيه برسوم جمركية متدنية أدّى إلى «إغراق» السوق بمنتج أجنبي رديء ينافس الحلقة الأضعف في السلسلة: مصانع الألبسة المحلية، وهي بالأساس زبائن خيط الحجار.

هذا التفصيل المباشر من صاحب القرار نفسه يعيد ترتيب الأسباب من الأكثر بنيوياً إلى الأكثر ظرفية، ويضع إغلاق مصنع الحجار ضمن سياق اقتصادي أشمل من فاتورة كهرباء.

لماذا يوجع الإغلاق قطاعاً كاملاً؟

هذا المصنع يختص بغزل الخيوط التركيبية المستخدمة في الألبسة الصوفية، بطاقة يومية تُقدّر بأربعة أطنان، وتغذية لمئات معامل الألبسة داخل سوريا. حين تتوقف حلقة الغزل، تتداعى حلقات القص والخياطة والتوزيع، فتخسر الورش الصغيرة والمصانع المتوسطة إيقاعها المعتاد.

وهنا يصبح خبر إغلاق مصنع الحجار مؤشراً لا حدثاً معزولاً، لأنه يكشف هشاشة «سلسلة القيمة» للصناعة النسيجية من المادة الخام حتى المنتج النهائي، ويُظهِر كيف يحوّل الاستيراد غير المنضبط، مع تعقّد التمويل وارتفاع كلف الطاقة، الفاعلين المحليين المهمين إلى متفرّجين في سوقهم.

من الكهرباء إلى العملة: كلفة «اللايقين»

تعمل الصناعة على اليقين: يقين التزوّد بالطاقة، يقين التسعير، يقين تدفق المواد الأولية، ويقين تسديد المدفوعات الخارجية. فحين تُحبس السيولة المصرفية وتتقلب أسعار الصرف بعنف، تصبح أي معادلة ربحية مُعلّقة على مزاج السوق السوداء.

يشرح حسان الحجار أن ضعف العملة نظرياً يفيد التصدير، لكن عملياً يرفع كلف الطاقة والأجور والمستلزمات ويبتلع هامش الربح، خاصة مع غياب أدوات تمويل تجاري (اعتمادات مستندية) تُخَفِّض المخاطر وتضمن استقرار التوريد. وفي ظل هذا «اللايقين»، يتحوّل القرار الصناعي إلى مقامرة يومية، وتتعطل قرارات التوسعة، ويغدو التوقف المؤقت—ولو على مضض—قراراً عقلانياً لتفادي خسائر تراكمية.

اسم وراء الصناعة: من هو حسان الحجار؟

لا يهبط اسم حسان الحجار على القطاع من فراغ؛ فهو اسم حاضر منذ سنوات في مشهد الغزل السوري، ويظهر في وثائق وبيانات قديمة كرئيس تنفيذي أو شريك رئيسي في المجموعة الوطنية للغزل والنسيج، ما يمنح تصريحاته وزناً خاصاً لأنها صادرة عن خبرة طويلة في الصناعة، لا عن انفعال عابر. وفي هذا الإطار، يكتسب تشخيصه لأزمة التمويل والطاقة والاستيراد مصداقية إضافية بوصفه فاعلاً أساسياً في هذا القطاع.

بين الاتهام والدفاع: شهادة على «الجهاد الاقتصادي»

صاخبةٌ كانت التعليقات التي لاحقت خبر إغلاق مصنع الحجار، حتى إن بعضها ذهب إلى تخوين صاحبه بسؤالٍ استفزازي: «كيف يستمر في زمن الأتاوات ويغلق في زمن التحرير؟».

هذا الاتهام ينهار أمام الوقائع حين تُروى كاملة؛ فالخبير الاقتصادي جورج خزام قدّم روايةً ميدانية مغايرة، لا تُلمِّع الصورة ولا تُخفي خسائرها، بل تُثبت أن القرار لم يكن نزوة عابرة ولا مناورة للضغط، وإنما محصلة أشهر طويلة من الاستنزاف سعى خلالها صاحب المصنع إلى الإبقاء على «نبض الحياة» في قاعة الإنتاج مهما كلف الأمر.

يؤكد خزام أن الحجار رفض تصفية المعمل، وتمسّك بتدوير آلته أحد عشر شهراً متواصلة، مع أن الخسائر كانت فادحة، أملاً بأن تُرفَع الرسوم الجمركية على البدائل المستوردة التي أغرقت السوق بملابس صينية وتركية رخيصة تُباع في المولات بأسعار لا تَصمدُ أمامها ورش الخياطة المحلية.

والمعادلة هنا ليست عاطفية؛ فحين تُباع السلعة الأجنبية بجمارك منخفضة، وتتصاعد تكاليف الطاقة والعمالة والمواد المساعدة، ثم يأتي «التخفيض الوهمي» لسعر الصرف ليزيد التشوهات بدل أن يخففها، يصبح المصنع الوطني محشوراً في زاوية ضيقة: إمّا أن يتحول إلى مستورد ينافس أبناء بلده على لقمة العيش، أو يرحل برأسماله وخبرته إلى بلدٍ يحمي صناعته كتركيا أو مصر، أو يواصل «الجهاد الاقتصادي» في موقعه الأصلي ولو على حافة الخسارة.

والحجار – بحسب خزام – اختار الخيار الأصعب: لا تهريب لرأس المال، لا هجرة للمصنع، ولا انقلاب على دوره من صناعة الخيط إلى استيراده. بقي في دمشق منتجاً، يحاول أن يوازن معادلة مستحيلة، لأن خلفه ثلاثمئة وستين عاملاً وأسراً تنتظر راتباً آخر الشهر.

دروس للحكومة وصنّاع القرار

الطاقة ليست تفصيلاً، لكنها أيضاً ليست القضية كلها. حماية الصناعة الوطنية تبدأ من سياسة استيراد ذكية تمنع الإغراق وتوازن بين حاجة السوق وتوطين الإنتاج، ولا تمانع الاستغناء عنه إن لم يكن ضرورياً، وتتطلب شبكة تمويل تجاري تعمل—ولو جزئياً—عبر قنوات بديلة تحاكي الاعتمادات المستندية وتخفف مخاطر الدفع المسبق، إضافة إلى إطار تعرفة طاقة مستقر وقابل للتنبؤ طويل الأجل للمصانع، مع مسارات دعم موجهة للكفاءة الطاقية.

وقبل ذلك وبعده، تحتاج الصناعة إلى «حكم يقين» في سعر الصرف، عبر أدوات سوقية وشفافة تُقلِّص فجوة السعر وتُعيد بناء الثقة.

هل تصل الرسالة؟

ليست القصة صراعاً بين فاتورة كهرباء مرتفعة و«رجل أعمال متذمّر». القصة أن مصنعاً يغزل أربعة أطنان يومياً ويغذي مئات المصانع في بلدٍ يحتاج كل فرصة عمل، قرر التوقف لأنه محاصر بحلقات ضعف متداخلة: تمويلٌ معطّل، طاقةٌ مكلفة، عملةٌ مضطربة، وسوقٌ مفتوحة بلا ضوابط. السؤال الذي يبقى: هل ستصل هذه الرسالة إلى الحكومة، فيعاد ترتيب الأولويات وتُصان قدرة المنتج المحلي على البقاء، أم سنقرأ قريباً عناوين جديدة تبدأ بعبارة «إغلاق مصنع» وتنتهي بجيوب عاطلين جدد؟

اقرأ أيضاً: تبديل العملة في سوريا: هل يغفل وزير الاقتصاد الفرق بين مهلتي السحب والتبديل؟!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.