اقتصاد

البنوك أولاً ثم السياحة: هل تدخل سوريا مرحلة استثمار ما بعد العزلة؟

البنوك أولاً ثم السياحة: هل تدخل سوريا مرحلة استثمار ما بعد العزلة؟

الكاتب: أحمد علي

عندما تتقدم المصارف إلى واجهة الخبر الاقتصادي، فذلك يعني عادة أن السوق تحاول استعادة أكثر من الثقة، تحاول استعادة الحركة نفسها. وحين يأتي خبر مصرفي في اليوم نفسه الذي يخرج فيه مشروع سياحي كبير إلى العلن، يصبح السؤال أوسع من حدود خبرين منفصلين. هل نحن أمام وقائع متفرقة، أم بداية مسار جديد يقول إن سوريا تدخل فعلاً طوراً استثمارياً مختلفاً؟

في 7 نيسان، تسارع الحديث عن التعاون المصرفي السوري التركي، مع إعلان وزير التجارة التركي عمر بولاط أن التعاون بين البنكين المركزيين يتسارع، وأن حاكم مصرف سوريا المركزي سيلتقي الجهات الناظمة التركية، فيما قالت رويترز إن بنك زراعات الحكومي وأكتف بنك الخاص يعملان على تأسيس حضور في السوق السورية، وقدما طلبات ويتوقعان بدء العمليات قريباً.

وفي اليوم نفسه، أطلقت وزارة السياحة السورية مشروع «ذا بومنت دمشق» بالشراكة مع «ازدهار القابضة»، على مساحة تقارب 77 ألف متر مربع وبقيمة تقديرية تقارب 300 مليون دولار، بينما نقلت تغطيات محلية أن الكلفة المتداولة تقع بين 250 و300 مليون دولار.

الجمع بين الحدثين ليس تفصيلاً، فالمصرف هنا ليس قطاعاً عادياً، بل بوابة والسياحة ليست مجرد فندق أو برج، بل اختباراً لقدرة السوق على جذب رأسمال طويل النفس. لذلك، فإن قراءة الخبرين معاً تكشف شيئاً أهم من الأرقام نفسها، وهو أن الحديث عن الاستثمار في سوريا بدأ ينتقل من باب الوعود العامة إلى باب الأدوات العملية، ولو على نحو أولي ومتحفظ.

الاستثمار في سوريا يبدأ من المصارف

تبدو الخطوة المصرفية، للوهلة الأولى، تقنية. لكنها في الحقيقة شديدة الصلة بالاقتصاد والسياسة معاً. أي مستثمر يريد الدخول إلى سوق ما يحتاج إلى تحويلات، واعتمادات، ومدفوعات، وضمانات، وقنوات تسوية واضحة. ومن دون ذلك، تبقى التجارة أبطأ، وتبقى المشاريع الكبيرة أقرب إلى النوايا منها إلى العقود القابلة للحياة.

تعطي المعطيات المعلنة من الجانب التركي هذه المسألة وزناً إضافياً، إذ قالت وزارة التجارة التركية بعد اجتماع الدورة الأولى للجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة إن الجانبين بحثا آليات رفع التجارة الثنائية، التي بلغت 3.7 مليارات دولار في 2025، إلى 5 مليارات أولاً ثم إلى 10 مليارات لاحقاً، مع العمل على تحديث المعابر وتطوير التسليم المباشر وتخفيف متطلبات النقل. وهذا يعني أن الدخول المصرفي لا يجري التعامل معه بوصفه خطوة معزولة، بل كجزء من رزمة أوسع هدفها تحويل الانفتاح السياسي إلى بنية تجارية ومالية أكثر انتظاماً.

لكن هذه النقطة بالذات تفرض قدراً من الحذر. ما أعلن حتى الآن يتعلق بتعاون متسارع، وزيارات تنظيمية، وطلبات مقدمة، وتوقعات ببدء العمل قريباً. وهو تطور مهم، لكنه لا يعني أن السوق المصرفية السورية استعادت عافيتها، ولا أن التمويل الخارجي بات يتدفق بصورة طبيعية. الفارق كبير بين فتح الباب وبين انتظام الدخول منه.

مشروع كبير ورسائل أكبر

على الجهة الأخرى من المشهد، جاء إطلاق مشروع «ذا بومنت دمشق» ليعطي صورة مختلفة للاستثمار، صورة مادية ومرئية وسهلة القياس. وزارة السياحة قالت إن المشروع يقام على نهر بردى، ويضم برجين رئيسيين، أحدهما فندقي من فئة خمس نجوم والآخر سكني، مع مركز تجاري ومركز أعمال، وإنه قد يوفر بين 1500 و2500 فرصة عمل مباشرة ونحو 3500 فرصة غير مباشرة. أما وزارة السياحة ووسائل إعلام تابعت الحدث، فوضعت القيمة الاستثمارية بين 250 و300 مليون دولار، مع مدة تنفيذ تصل إلى أربع سنوات.

هذه الأرقام وحدها لا تصنع مرحلة جديدة. لكنها تحمل دلالة تتجاوز القطاع السياحي نفسه. المشروع لا يقدم بوصفه مرفقاً ترفيهياً فقط، بل كمساحة أعمال وضيافة وشركات ومقار محتملة لنشاط اقتصادي جديد في العاصمة. ولهذا بدا الإعلان عنه في اليوم نفسه الذي تصاعدت فيه الأخبار المصرفية كأنه يقول شيئاً واضحاً، لا استثمار من دون بنية مالية، ولا جدوى من البنية المالية إذا لم تظهر مشاريع قادرة على امتصاصها.

المهم هنا أن السوق بدأت تلمس منطقاً مختلفاً في ترتيب الأولويات. قبل سنوات، كان الكلام يدور حول إعادة الإعمار بكلمات أكبر من الأدوات. الآن تظهر أدوات أولاً، ثم تظهر المشاريع التي تريد الاستفادة منها. وهذا، حتى لو بقي في بداياته، أكثر جدية من الضجيج الذي لا يترك أثراً على الأرض.

ما الذي تغيّر فعلاً؟

الحديث عن استثمار ما بعد العزلة لا يمكن عزله عن البيئة الخارجية التي تبدلت خلال العام الماضي. الاتحاد الأوروبي أعلن في أيار 2025 رفع جميع العقوبات الاقتصادية عن سوريا باستثناء ما يرتبط بالاعتبارات الأمنية، كما أزال 24 كياناً من لائحة تجميد الأموال، بينها مصرف سوريا المركزي وعدد من المصارف والشركات العاملة في قطاعات تعد أساسية للتعافي الاقتصادي. وهذا التغيير لا يحل كل العقد، لكنه يبدل الإطار القانوني والسياسي الذي تتحرك داخله التجارة والتمويل.

بالتوازي، أعلن البنك الدولي في أيار 2025 تسوية متأخرات سوريا البالغة نحو 15.5 مليون دولار بعد سدادها من السعودية وقطر، ما أعاد أهلية البلاد لعمليات جديدة. وبعد ذلك بأسابيع، وافق البنك على منحة بقيمة 146 مليون دولار لقطاع الكهرباء، في أول مشروع له في سوريا منذ ما يقارب أربعة عقود. وهذه ليست تفاصيل ثانوية، لأن أي مستثمر يقرأ المشهد لا ينظر إلى الفندق أو المعبر فقط، بل ينظر إلى قدرة الدولة على إعادة وصل نفسها بمؤسسات التمويل الدولية وبشبكات الخدمة الأساسية.

مع ذلك، فإن المؤسسات الدولية نفسها لا تتحدث بلغة انتصار اقتصادي. البنك الدولي قال في تموز 2025 إن الناتج المحلي الإجمالي السوري يتجه إلى نمو متواضع عند حدود 1% في 2025 بعد انكماش 1.5% في 2024، وإن التقدم ما زال محدوداً بسبب الأصول المجمدة وصعوبة الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، كما أشار إلى أن الاقتصاد انكمش بأكثر من 50% منذ 2010، وأن دخل الفرد القومي هبط إلى نحو 830 دولاراً في 2024، مع استمرار أزمة سيولة حادة داخل البلاد. وهذا يعني أن بيئة الاستثمار تتحسن، نعم، لكنها لا تزال تعمل فوق أرض رخوة.

الاختبار الحقيقي للمرحلة

صندوق النقد الدولي قدم قراءة أكثر مباشرة في شباط 2026. الصندوق قال إن النشاط الاقتصادي يتحسن، وإن تحسن المزاج الاستهلاكي والاستثماري، وعودة اللاجئين، وارتفاع إمدادات الكهرباء، وظهور عدة مشاريع استثمارية كبيرة، كلها عوامل تدعم آفاق 2026. لكنه قال أيضاً إن إعادة تأهيل البنوك وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتقييم الملاءة المالية للمصارف تبقى شروطاً لازمة لاستعادة الثقة العامة ولتمكين النظام المصرفي من أداء دوره في الوساطة المالية وتسهيل المدفوعات محلياً ودولياً.

وهنا تحديداً يصبح السؤال المطروح في عنوان هذا المقال أكثر وضوحاً. هل تدخل سوريا مرحلة استثمار ما بعد العزلة؟ المعطيات المتاحة تسمح بالقول إن الباب فُتح أكثر من السابق، وإن الإشارات لم تعد رمزية فقط. هناك بيئة قانونية أخف من قبل، وانخراط إقليمي أوضح، وأدوات تمويل بدأت تعود، ومشاريع أكبر حجماً تظهر إلى العلن. لكن القول إن البلاد دخلت مرحلة استثمارية مستقرة ما زال يحتاج إلى ما هو أكثر من الإعلانات والتفاهمات.

المرحلة الجديدة، إن كانت قد بدأت فعلاً، لن تُقاس بعدد المذكرات الموقعة ولا بحجم الصور التي ترافقها. ستُقاس بثلاث مسائل شديدة البساطة. هل تعمل المصارف الجديدة فعلاً وتفتح قنوات دفع موثوقة، وهل تنتقل المشاريع المعلنة من التوقيع إلى التنفيذ ضمن مدد معقولة، وهل تتحسن الخدمات الأساسية والبنية التنظيمية بما يكفي لخفض كلفة المخاطرة على المستثمر. من دون ذلك، يبقى المشهد واعداً أكثر مما هو راسخ.

لهذا يمكن القول ختاماً إن سوريا لا تقف بعد أمام طفرة استثمارية مكتملة، لكنها تقف، على الأرجح، عند أول عتبة جدية لها منذ سنوات طويلة….

اقرأ أيضاً: إعادة إعمار القابون وجوبر بين وعود الاستثمار ومخاوف فقدان الأرض

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.