تقنية

التشرد في سوريا ظاهرة متفاقمة.. من ينصف تلك الوجوه الشاحبة!

التشرد في سوريا ظاهرة متفاقمة.. من ينصف تلك الوجوه الشاحبة!

بقلم: ريم ريّا

ظاهرة التشرد في سوريا من أبرز القضايا الاجتماعية التي طفت على السطح في الآونة الأخيرة، وبكثرة خلال السنوات الماضية. تداخل في ظهور هذه الظاهرة العديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية وتوازت مع التطورات الأمنية في البلاد. كذلك لاتساع رقعة الفقر وغياب فرص العمل إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة آثارها على الأفراد، فكل تلك العوامل هي ما دفعتهم للتشرد والتسول. هذه الظاهرة ما زالت تتنامى في صمت في البلاد سنعرضها في هذا المقال.

ظاهرة التشرد والتسول في سوريا

أشارت آخر الاحصائيات عن ظاهرة التسول والتشرد، فسجلت نسبة التسول نحو 1200 حالة تسول في دمشق، ونحو 900 في ريفها، ويوجد 130 حالة تقيم في مركزي باب مصلى للإناث، وقدسيا التابع لجمعية حقوق الطفل. واختلفت النسب قياساً لمحافظات أخرى، أما التشرد فلا إحصائيات دقيقة شاملة حتى اللحظة.

تعاني محافظات عديدة في سوريا من انتشار هذه الظاهرة، ففي حلب، المشردون يفترشون الشوارع بلا سقف ولا جدران، بثيابهم الرثة وشكلهم المتعب يتسولون تارة ويبحثون عن ملجأ تارةً أخرى.

أما في حي الرميلة في محافظة الرقة، فأشار السكان إلى ازدياد التشرد بشكل ملحوظ، حيث تعج الشوارع بالمشردين والأطفال الذين ينامون في الطرقات. فالسكان  يشاهدون يومياً أطفالاً ومراهقين يفتعلون الشجار أو يطلبون المال بأساليب عدوانية، مما يولد توتراً بين الأهالي، وتخوفاً من موجات السرقة التي تجتاح المدينة سواء سرقة محتويات السيارات أو المحال التجارية وحتى أن الأمر طال المنازل. كذلك شهد أحياء مثل الطيار، والدرعية في مدينة الرقة تفاقماً ملحوظاً في ظاهرتي السرقة والتشرد، مما أثار قلق السكان وزاد من شعورهم بانعدام الأمان. وتعتبر هذه الظاهرة من أبرز المشكلات الاجتماعية التي تواجه المدينة.

اقرأ أيضاً: التسوّل في حلب … بين الظاهرة الاجتماعية ونتائج الأزمة الاقتصادية أو صناعة منظمة؟

القانون السوري وظاهرة التسول والتشرد

ينظر القانون السوري إلى التسول والتشرد كجرائم، مع عقوبات تتدرج حسب الحالة. يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز السنة كل من يتسول في الأماكن العامة، مع إمكانية إيداع المتسول في مؤسسات إصلاحية بدلاً من الحبس. أما التشرد، فعقوبته تختلف حسب الظروف. فقد يعاقب الأب الذي ترك قاصراً يتشرد، بينما يخضع الطفل المشرد لتدابير إصلاحية خاصة. كما يشدد القانون العقوبات في حالات معينة كاستغلال الأطفال، أو مرافقة متسول لقاصر غير ابنه، أو حمل السلاح أثناء التسول.

فالعقوبات تتفاوت بين عقوبات بسيطة، تتمثل في الحبس مع التشغيل لمدة شهر إلى ستة أشهر، والإيداع في دار للتشغيل في حال التكرار، وعقوبات مشددة، تشمل الحبس مع التشغيل من ستة أشهر إلى سنتين في حال ارتكاب التسول مصحوباً بالتهديد، والتظاهر بجروح أو عاهات، واستخدام الأطفال، أو التسول بشكل جماعي ومنظم، وفي حال كان المتسول عاجزاً، يعاقب بالحبس البسيط لمدة مماثلة، مع إمكانية فرض المراقبة.

في السياق ذاته، أولى القانون السوري اهتماماً بظاهرة التسول، وأدرجها ضمن الباب العاشر من قانون العقوبات السوري النافذ، رقم 148 لعام 1949 وتعديلاته في المواد (596–599)، تحت عنوان الجرائم التي يرتكبها أشخاص خطرون بسبب عادات حياتهم. كما أن الفقه الجزائي عرّف التسول، بأنه حالة يُظهر فيها الشخص رفضه للعمل واللجوء لاستجداء إحسان الغير، سواء صراحة أو تحت ستار أعمال أو خدمات تافهة.

كما يدعم القانون رقم 16 لعام 1975 مكافحة التسول من خلال إنشاء دور تشغيل ومكاتب لمتابعة حالات المتسولين والمشردين، وتقديم تقارير اجتماعية قبل الحكم على الموقوفين.

في زمن النظام السابق، تداولت الأوساط الإعلامية آنذاك الحديث عن مسودة مشروع قانون عن التسول يحدد مسؤوليات كل جهة، ويفرق بين التسول الإلكتروني والمتسول الممتهن والمشغل والمتشرد. وقيل أنه سيبصر النور خلال 3 شهور كحد أقصى.

بالمحصلة، القانون السوري لم يغفل عن الظاهرة، لكن تطبيقه يعترضه العديد من الصعوبات منها: ازدواجية النظرة، إذ يجرّم التسول باعتباره خطراً إجرامياً، لكنه في الوقت الحالي يعكس أزمة اقتصادية واجتماعية، ما يخلق فجوة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي. كذلك يوجد شبكات تستغل الأطفال والنساء أو ما يعرف (التسول المنظم)، ما يصعب الملاحقة الفردية وإثبات المسؤولية الجنائية للرؤوس المدبرة، فضلاً عن قصور الرقابة من قبل الجهات المختصة ونقص الكوادر المؤهلة لإعداد التقارير الاجتماعية ما يؤدي إلى بطء الإجراءات أو الاكتفاء بالحل الجزائي التقليدي.

جهود الحكومة السورية لمكافحة ظاهرة التشرد والتسول

وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا تقوم بالتحضير لخطة وطنية شاملة لمكافحة التسول، بالتعاون مع مختلف الوزارات والجهات المعنية. هدفها معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة من خلال برامج متكاملة للدعم والرعاية، بالإضافة إلى تنظيم الجهود الميدانية والإعلامية لمتابعة الحالات والحد من انتشارها.

وفقاً لرئيس مكتب مكافحة التسول والتشرد بدمشق، “خزامى النجاد”، تُنفذ الخطة تحت إشراف لجنة برئاسة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، “هند قبوات”، وتضم ممثلين عن وزارات العدل والصحة والداخلية والأوقاف والطوارئ وإدارة الكوارث والسياحة، بالإضافة إلى محافظتي دمشق وريفها. تتفرع عن هذه اللجنة، لجنة تنسيق وإدارة، ولجنة إعلامية، ولجنة برامج ومشاريع، وأخرى ميدانية متخصصة بجمع الحالات بالتعاون مع أقسام الشرطة،.

كما تم تأسيس ثلاثة مراكز جديدة لمكافحة التسول في دمشق، اثنان في منطقة باب مصلى، أحدهما للإناث من عمر 4 إلى 18 سنة بطاقة استيعابية 90 حالة، والآخر للعائلات بطاقة استيعابية 40 حالة، والثالث في مدينة الكسوة بريف دمشق.

الخدمات التي تقدمها المراكز تشمل: الإيواء وإدارة الحالة والدعم النفسي للطفل وتعديل سلوكه وتدريبات مهنية للأعمار من 15 إلى 18 عاماً، إلى جانب الرعاية الصحية عبر وجود أطباء داخل المركز والخدمات القانونية للأطفال مجهولي النسب، وخدمات التعليم للأطفال المتسربين من المدارس.

مدة الإقامة في المراكز تتراوح بين 6 أشهر وعامين للطفل، حيث يخضع خلالها لتعديل في سلوكه وعملية تأهيل، وتمكين الأهل اقتصادياً واجتماعياً. من جانبها المنظمات غير الحكومية ستقدم أنشطة للأطفال من خلال اختصاصيين داخل المراكز بصفتهم مديري حالة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.