اقتصاد

الفقر: فتيل أشعل الثورة السورية.. فهل انطفأ بعد التحرير؟

الفقر: فتيل أشعل الثورة السورية.. فهل انطفأ بعد التحرير؟

يرى الكثيرون أن نقطة البداية لانهيار الاقتصاد السوري كانت في عام 2011 بسبب الصراعات الداخلية واندلاع شرارة الثورة ضد النظام البائد، حيث يستندون في رأيهم على أن سوريا في عام 2010 كانت في ذروة الأداء الاقتصادي. ولكن في الحقيقة، يتجاهل هذا الرأي أن انهيار سوريا الاقتصادي لم يكن مفاجئاً وليس وليد لحظة معينة بحد ذاتها، إنما كان نتيجة حتمية لمجموعة من السياسات والتراكمات التي تعود إلى حقيبة التسعينيات.

هذه السياسات التي ارتدت قناع الإصلاحات الضرورية لانفتاح البلاد، تسببت في الحقيقة في تراجع دور الدولة وسيطرة أصحاب المال، مما تسبب في زيادة الفقر والبطالة والفجوة الطبقية في المجتمع الذي انفجر في عام 2011.

فيما يلي سوف نستعرض مجموعة من الأرقام والإحصاءات التي تؤكد أن جذور الأزمة السورية تعود إلى ما قبل عام 2011 بسنين، وكيف كانت الأحوال المعيشية في سوريا خلال فترة الحرب المدمرة، كما سوف نتطرق إلى ما آلت إليه أوضاع الفقراء في سوريا بعد سقوط النظام البائد

شعلة تحت الرماد وأرقام تروي الحكاية

يا تُرى هل كانت الثورة السورية حراكاً سياسياً فقط، أم أنها كانت نتيجة تراكمات اقتصادية مزمنة؟

نسب الفقر في سوريا قبل عام 2011

وفقاً لتقرير أورده مركز السياسات الدولية من أجل النمو الشامل، كانت نسب الفقر في سوريا قبل عام 2011 متزايدة، خاصة في السنوات القليلة التي سبقت الأزمة، حيث شهد عام 2004 معدل فقر عام بلغ حوالي 30.1%، بينما معدل الفقر المدقع فقد بلغ 11.4%.

وبعد ذلك ارتفعت هذه المعدلات، لتصبح 33.6% و12.3% لكل من الفقر العام والفقر المدقع على التوالي، أما عن عام 2009 فتشير التقديرات إلى أن نسبة الفقر المدقع ارتفعت إلى 14.85%.

وفيما يخص نسب توزع الفقر في مختلف المناطق السورية، فيُشار إلى أنه بشكل عام كانت المناطق الريفية وبشكل خاص في حماة ودير الزور ودرعا أكثر فقراً من المناطق الحضرية، وكانت هناك فجوة آخذة في الاتساع بينهما.

ومن الجدير بالذكر، أن الجفاف الذي ضرب المنطقة الشرقية في البلاد بين عامي 2006 و2009 قد لعب دوراً كبيراً في ارتفاع معدل الفقر، حيث بدأت الهجرة الداخلية نحو الجنوب وعلى وجه الخصوص باتجاه درعا التي انطلقت فيها شرارة الثورة السورية.

مؤشرات اقتصادية

بين عامي 2000 و2010 شهد اقتصاد سوريا ارتفاعاً في الناتج المحلي الإجمالي بلغت نسبته 4.3%، ولكن الأمر المهم هو أن معدل التضخم السنوي كان أكبر من هذا الرقم حيث بلغ 4.9%.

كما أن الأمر الجدير بالملاحظة هو أن هذا النمو كان فاقداً للتوازن، حيث كانت معظم نسب النمو تتركز في قطاعي الخدمات المصارف التي نالت 14% وقطاع التجارة الذي كان نصيبه 12%، أما قطاع الزراعة فقد كانت حصته من النمو فقط 0.6%، وهو الأمر الذي يُفسر تركز الفقر في الأرياف أكثر من المدن.

أما الميزان التجاري فقد كان يواجه عجزاً متزايداً في تلك الفترة، حيث وصل العجز في الميزان التجاري خلال عام 2006 إلى 26.3 مليار ليرة سورية، واستمر في التزايد ليبلغ 131 مليار ليرة في عام 2008.

ويُشار إلى أن الجزء الأكبر من هذا العجز كان لمصلحة الدول الغربية التي كانت تستحوذ على 50% من معدل التجارة السورية، مقابل 18% فقط لصالح الدول الصاعدة.

الحد الأدنى للأجور مقابل الحد الأدنى لتكاليف المعيشة

في عام 2000، كانت هناك فجوة كبيرة بين الأجور وتكاليف المعيشة، حيث كان الحد الأدنى الرسمي للأجور يبلغ 3,045 ليرة سورية، بينما كان الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الشهرية لأسرة من خمسة أفراد تصل إلى 18,180 ليرة سورية، أي ما يُعادل ستة أضعاف.

ويُشار أيضاً إلى أن هذه الفجوة بدت جلية في توزيع الدخل الوطني، حيث كانت الأجور تحظى بنسبة 21% فقط، مقابل 79% لصالح الأرباح، مما يُشير إلى أن الثروة كانت تتركز في يد قلة من الأشخاص في حين يكافح الباقون بشق الأنفس للوصول إلى أدنى متطلبات العيش.

الفقر الريفي.. وقود الحراك

الآن قد بات جلياً من كل هذه المؤشرات والأرقام أن المجتمع السوري كان يُعاني من هشاشة كبيرة وتفاوت في مستويات المعيشة التي أدت إلى ارتفاع معدلات الفقر، وانهيارات متوالية في الاقتصاد التي لم تلقَ ولا رد فعل إيجابي، حتى محاولة للإصلاح الذي كانت تتقنّع به المرحلة السياسية في حينها.

تراجع القطاع الزراعي.. الرزق الأساسي لسكان الأرياف

بما أن القطاع الزراعي هو المغذي الأساسي إن لم يكون الوحيد لسكان الأرياف ونظراً لأنه كان القطاع الأكثر تأثراً من كافة الجوانب البيئية، والاقتصادية، والسياسية، فقد بات سكان الأرياف في حينها قنبلة موقوتة ليست بحاجة سوى لشرارة واحدة لكي تنفجر.

فبين عامي 2002 و2008، انخفض عدد العاملين في القطاع الزراعي بسوريا من 1.4 مليون إلى 800 ألف عامل، وقد ترافق هذا الانخفاض في معدل العمالة الزراعية مع خصخصة الأراضي التي أضرت بآلاف المزارعين وخصوصاً في مناطق الشمال الشرقي، وما زاد الطين بلة هي الظروف المناخية القاسية وموجة الجفاف بين عامي 2007 و2009.

دفعت جميع هذه العوامل أكثر من مليون مزارع للاعتماد على الإعانات، في حين نزج أكثر من 300 ألف شخص من الشمال الشرقي نحو المدن الكبرى والمناطق الحضرية.

ارتفاع نسبة البطالة وسط قوانين مجحفة

في عام 2010 كانت نسبة البطالة في البلاد بحدود 25%، وذلك خلافاً لما أعلنت الدولة عنه حينها والتي قدرتها بـ 8.6%، في حين بلغت نسبة البطالة بين فئة الشباب في حينها حوالي 48% والتي تركز معظمها في المناطق الريفية، مما دفع معظمهم إلى الهجرة الداخلية باتجاه المدن بحثاً عن فرص للعمل والحصول على أجورٍ أفضل.

وفي الفترة بين 2004 و2009 ازداد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً، وذلك على حد وصف الاتحاد العام لنقابات العمال حينها، وكان السبب في ذلك هو انخفاض حصة الأجور، والتي تمثل معظمها عمالة ريفية، من الدخل القومي: من 41% في عام 2004 إلى 33% في عام 2009.

وفوق ذلك كله، لم تكتفِ الظروف بالوقوف في وجه العمال بل باتت القوانين غير منصفة لهم كذلك، حيث جاء قانون العمل رقم 17 لعام 2010 ليتجاهل حقوق العمال بشكل شبه كامل، ويمنح الصلاحية لأرباب العمل بفصل موظفيهم، ليس فقط دون مبرر بل ربما بدون تعويضات أيضاً.

فقر غير مسبوق في الأرياف

جميع تلك العوامل تسببت في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل كبير خصوصاً في المناطق الريفية، حيث كان 62% من الفقراء يعيشون فيها في عام 2004، مقارنة بـ 38% في المناطق الحضرية، كما أن نصف العاطلين عن العمل تقريباً كانوا من سكان الريف.

وعلى الرغم من سياسة إفقار الأرياف كانت قد بدأت ملامحها تتبلور منذ الثمانينيات، إلا أن ما حدث في الفترة بين عام 2000 وعام 2010 كان بمثابة الشعرة التي قسمت ظهر البعير، حيث كان غياب الديمقراطية وارتفاع معدلات الفقر، وتفاقم الفساد والتفاوت الاجتماعي، من أبرز العوامل التي مهدت للانتفاضة الشعبية في سوريا.

السوريون في زمن الحرب

بعد اندلاع الثورة السورية، دخلت البلاد في مرحلة جديدة لا تشبه سابقتها ولا بأي شكل من الأشكال، حيث انخفض عدد العاملين المسجلين في سوريا من أكثر من 5 ملايين إلى حوالي 3 ملايين شخص وذلك بين عامي 2011 و2019، وكان السبب الرئيسي لذلك هو عسكرة المجتمع والتهجير القسري للملايين.

وفي المقابل تراجعت حصة الأجور من الدخل القومي لتبلغ 20% فقط في تموز 2020، مقابل 80% من الأرباح والإيجارات كما تجددت معاناة القطاع الزراعي بسبب نقص المياه والطاقة وارتفاع قيمة التكاليف.

زيادات في الأجور لا تواكب التضخم وتدهور القدرة الشرائية

على الرغم من ارتفاع الأجور في القطاع العام وتعديل قانون العمل في عام 2019، إلا أن الظروف المعيشية للعمال لم تلحظ أي تحسن ملحوظ، والسبب في ذلك هو أن زيادة الأجور كانت لا تتناسب أبداً مع تكاليف المعيشة التي كانت في ارتفاع مطرد يوماً بعد يوم.

ففي كانون الأول من عام 2021 كان الحد الأدنى للأجور 92,970 ليرة سورية، وهو أبداً ما لا يتناسب مع تكاليف الحياة اليومية، حيث كانت القوة الشرائية مستمرة في التراجع في ظل الارتفاع الهائل في التضخم، الذي تسبب في ارتفاع تكلفة سلة الغذاء القياسية بنسبة 45% في حزيران من عام 2022 مقارنة بذات الفترة من العام الذي يسبقه.

وترافق ذلك مع سياسات رفع الدعم عن المشتقات النفطية والسلع الأساسية، الأمر الذي أجبر الأسر المتضررة على تقليل استهلاكها من أجل تقليل الفجوة الكبيرة التي تواصل الاتساع بين الدخل والمصروف.

سوريا بعد التحرير

أفاد تقرير صادر عن البنك الدولي خلال شهر يونيو من عام 2025، بأن نحو 25% من سكان سوريا يعانون من الفقر المدقع أي بأقل من 2.15 دولار يومياً، في حين يواجه 67% من سكان البلاد حياة بمعدل 3.65 دولار يومياً أي تحت خطر الفقر.

بالإضافة إلى ذلك، أوضح التقرير أن الناتج المحلي الإجمالي في البلاد قد انخفض بنحو 50% مقارنة بعام 2011، مما يُشير إلى أن اقتصاد سوريا لا يزال في حالة من التدهور الحاد.

ورغم انتهاء الحرب في سوريا إلا أن اقتصادها لا يزال يواجه مجموعة كبيرة من التحديات، حيث تأتي الأوضاع الأمنية غير المستقرة في مقدمتها، بالإضافة إلى أزمة السيولة وتداعيات الجفاف والحرائق التي يُعاني منها القطاع الزراعي في البلاد، فكل تلك العوامل مجتمعة تشير إلى أنه من غير الممكن تحقيق نمو يتجاوز 1% خلال هذا العام.

اقرأ أيضاً: حمّى الذهب والتنقيب في سوريا: الحرب والفقر يهددان التاريخ والذاكرة!

تحذير من فخ الفقر الجديد

في ختام مقالنا هذا نجد أن الفقر وخصوصاً في المناطق الريفية لم يكن بسبب الأزمة إنما كان محركاً أساسياً لها، وذلك لأسباب عدة من أبرزها الفجوة الطبقية وتراجع القطاعات الإنتاجية، بالإضافة إلى السياسات الاقتصادية السابقة.

ومن هنا يجب الحذر، فإذا كان الفقر قبل عام 2011 هو الفتيل الصاعق للثورة، فإن الفقر الحالي، الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، ينذر بعواقب أخطر بكثير، لذلك فإن تجاهل هذه الأوضاع المعيشية المتردية قد تسبب انفجار جديد، والذي قد يكون أخطر بكثير من سابقه.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.