بقلم هلا يوسف
يطمح كل شخص إلى مظهر أكثر شباباً وحيوية، لذلك يصبح الحديث عن الشيخوخة مصدر اهتمام الكثير من الناس مع التقدم بالعمر، فتتغير الحسابات، وما كان بالأمس من طعام غير مهم يصبح اليوم مهم، ويتجه الكثيرون نحو فوائد الطعام والمواد الغذائية الذي يحتويه. وهنا تلمع فكرة الفيتامينات، الحل السحري لعلاج النقص في أي مادة من المواد الغذائية، وكذلك طريقة لمكافحة الشيخوخة. فقد أثارت دراسة حديثة اهتماماً كبيراً بعدما أشارت إلى احتمال أن يساهم تناول هذه الفيتامينات يومياً في إبطاء الشيخوخة البيولوجية.
نتائج التجارب السريرية: إشارات مشجعة ولكن محدودة
في تجربة سريرية عشوائية شملت 958 بالغاً تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر، درس باحثون تأثير تناول مكملات متعددة الفيتامينات والمعادن لمدة عامين. وقد ركزت الدراسة على ما يُعرف “بالساعات اللاجينية”، وهي مؤشرات جزيئية تعتمد على تغيرات كيميائية في الحمض النووي، تُسمى مثيلة الحمض النووي، لتقدير العمر البيولوجي للفرد.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تناولوا هذه المكملات شهدوا تباطؤاً خفيفاً في اثنين من هذه المؤشرات، هما PCPhenoAge وPCGrimAge، حيث تباطأ معدل التقدم البيولوجي لديهم بما يقارب شهراً إلى شهرين سنوياً مقارنةً بمن تناولوا دواءً وهمياً. وقد نشرت هذه النتائج في مجلة Nature Medicine، واعتبرها الباحثون “مشجعة”، مع تأكيدهم على الحاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم الآليات بشكل أعمق.
على الرغم من ذلك، دعا عدد من الخبراء إلى الحذر في تفسير هذه النتائج. فقد أوضح البروفيسور خوسيه أوردوفاس، أستاذ التغذية وعلم الوراثة في جامعة تافتس، أن التأثير الإيجابي اقتصر على مؤشرين فقط من بين عدة مؤشرات تم قياسها، ما يجعل من الصعب تعميم النتيجة على الشيخوخة بشكل كامل. كما أشار الدكتور زاكاري كلايتون من جامعة كولورادو أنشوتز إلى أن الفروق المسجلة كانت محدودة، وأن أهميتها السريرية لا تزال غير واضحة، رغم قوة تصميم الدراسة واعتمادها على مطابقة دقيقة بين المجموعتين.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الدراسة لم تأخذ بعين الاعتبار النظام الغذائي للمشاركين أو مستوى نشاطهم البدني خلال فترة الدراسة، وهي عوامل قد يكون لها تأثير مباشر على الشيخوخة البيولوجية.
الأدلة الوبائية والتحليل الواسع: نظرة أكثر شمولاً
وفي دراسة أخرى كانت أوسع، حللت بيانات أكثر من 15 ألف مشارك ضمن المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية (NHANES) في الولايات المتحدة، خلال الفترة بين 2007 و2018، بمتوسط عمر بلغ 51 عاماً. وركزت هذه الدراسة على تأثير 11 فيتامين، وتشمل: A، وB1، وB2، وB3، وB6، وB9، وB12، وC، وD، وE، وK، سواء من المصادر الغذائية أو المكملات.
استخدم الباحثون ثلاث طرق مختلفة لقياس الشيخوخة البيولوجية: طريقة كليميرا–دوبال، والعمر الظاهري، ومؤشر اختلال التوازن الداخلي. ويعود اختيار هذه المقاييس المتعددة إلى إدراك أن الشيخوخة عملية معقدة تؤثر على أنظمة متعددة في الجسم، ولا يمكن اختزالها في مؤشر واحد.
أظهرت النتائج أن الأفراد الذين تناولوا فيتامينات لمدة طويلة كانوا أقل عرضة لتسارع الشيخوخة البيولوجية مقارنةً بمن لم يتناولوا أي نوع من الفيتامين. واستمرت هذه العلاقة حتى بعد تعديل العوامل المختلفة، بينما لم تظهر دلالة إحصائية واضحة في مؤشر.
بين الفيتامينات مجتمعة ومنفردة: من الأكثر تأثيراً؟
عند تحليل الفيتامينات بشكل فردي، تبين أن التأثير الإيجابي على الشيخوخة البيولوجية كان أوضح لدى من لديهم أعلى مستويات من تناول الفيتامينات بشكل عام، إلا أن التأثير كان واضحاً بشكل خاص لفيتامينات B2 وB9 وC وفق بعض المقاييس.
وقد برز فيتامين C كأهم عامل وقائي، ويرجح الباحثون أن ذلك يعود إلى خصائصه المضادة للأكسدة التي تحمي الخلايا من التلف المرتبط بالشيخوخة. كما جاء فيتامين B2 في المرتبة الثانية، بسبب دوره في دعم التمثيل الغذائي وصحة الجهاز المناعي.
بينما أظهرت بعض الفيتامينات نتائج أكثر تعقيداً. فمثلاً، قد يكون لفيتامين D تأثيرات غير خطية تعتمد على الجرعة، حيث يمكن أن تؤدي الجرعات المرتفعة إلى نتائج عكسية، وهو ما لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحث. أما فيتامين B12، فرغم أهميته لصحة الأعصاب وخلايا الدم وتكوين الحمض النووي، فقد أُشير إلى احتمال وجود آثار جانبية في بعض الحالات.
تأثير العوامل الفردية ونمط الحياة
أظهرت النتائج أيضاً أن تأثير الفيتامينات لا يكون موحداً لدى الجميع، بل يختلف بحسب من شخص لآخر بحسب الخصائص الصحية والديموغرافية. فقد لوحظت فوائد أكبر لدى الرجال، والأشخاص الذين لديهم مؤشر كتلة جسم أقل من 30، وكذلك لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو مستويات أعلى من الالتهاب.
كما ظهرت فوائد أكبر لدى الأشخاص ذوي المستويات التعليمية المنخفضة، أو الذين يستهلكون سعرات حرارية أقل من 1500 يومياً، أو حتى لدى من يتناولون الكحول. ويفسر ذلك بأن الأفراد الذين يعانون من ضغط فسيولوجي أعلى قد يستفيدون أكثر من تحسين مستوى الفيتامينات لديهم.
وعند تحليل البيانات اعتماداً على المصادر الغذائية فقط، ظهرت نتائج مشابهة، ما يعزز أهمية الحصول على الفيتامينات من نظام غذائي متوازن، وليس فقط من المكملات.
باختصار، الدراسات السابقة قد تعطينا نتائج ومؤشرات حيوية لكنها لا تقول لنا أن نستبدل الغذاء بالفيتامينات، وتلقائياً عندما يحصل الجسم على كافة عناصره الغذائية، من الطبيعي أن يتباطئ الشيخوخة لديه. فمن يمتلك نمط حياة صحي تظهر علامات الصحة النفسية والجسدية عليه.
اقرأ أيضاً: التمارين الرياضية أم تمارين الاسترخاء: أيهما أنسب لعلاج الهلع؟