بقلم هلا يوسف
يشهد القطاع الزراعي تراجع كبير في السنوات الأخيرة، لكن الخطر الأبرز كان في إنتاج القمح، المحصول الذي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي الذي حذرت منه الأمم المتحدة بشكل متكرر. وللتخفيف من هذا التهديد في المستقبل، أطلقت وزارة الزراعة برنامج “القرض الحسن” المخصص لمزارعي القمح. في هذا المقال نستعرض شروط هذا القرض، ودوره في رفع إنتاجية القمح، وكيف يمكن ضمان نجاحه على أرض الواقع.
أكد وزير الزراعة أمجد بدر أن إطلاق مشروع القرض الحسن يهدف بشكل مباشر إلى دعم زراعة القمح وضمان إنتاج جيد في الموسم المقبل. وأوضح أن المشروع يقوم على منح المزارعين قرضاً عينياً بلا فوائد، يشمل كميات البذار والأسمدة الآزوتية والفوسفاتية اللازمة للزراعة.
شروط القرض الحسن
يتطلب الحصول على القرض الحسن تقديم وثيقة تثبت ملكية الأرض أو حق استثمارها، وذلك من خلال التنظيم الزراعي المعتمد. وفي حال عدم توفره، يمكن قبول الكشف الحسي الذي تجريه لجنة مختصة للتأكد من جاهزية الأرض للزراعة، بشرط تقديم كفالة من شخصين قادرين ماليًا أو كفالة عقارية بديلة. كما يُلزم المزارع بتوقيع عقد قرض عيني يتعهد فيه بصحة المعلومات التي يقدمها والتعاون مع لجان الكشف والمتابعة.
ويطبق برنامج القرض بالتنسيق بين وزارة الزراعة والمصرف الزراعي في المناطق التي تتوفر فيها مصادر الري أو تقع ضمن مناطق الاستقرار المطري الأولى. ويشمل القرض تقديم مواد عينية مثل بذار القمح والأسمدة الآزوتية والفوسفاتية، على أن تُوزّع بما يتناسب مع مساحة الأرض المزروعة.
يبدأ تنفيذ البرنامج من تاريخ الإعلان وحتى موسم الحصاد، مع خطة لاستثمار نحو 300 ألف هكتار بهدف رفع الإنتاج المتوقع إلى أكثر من مليون طن. ويتم تسديد قيمة البذار والسماد بعد الحصاد نقدًا وفق الأسعار المحددة، مع تطبيق الإجراءات القانونية في حال التأخر عن السداد. كما تم تشكيل لجنة لمتابعة المشروع ميدانيًا وتقديم الإرشاد الزراعي، بينما يستمر التسجيل للاستفادة من القرض من 17 حتى 27 تشرين الثاني عبر الدوائر الزراعية والوحدات الإرشادية .
المزارعون بين الترحيب بالقرض والتحفظ من تكاليف الوقود
رحب كثير من مزارعي القمح ببرنامج القرض الحسن، معتبرين أنه خطوة تساعدهم على تخفيف أعباء الموسم وتوفير مستلزمات الزراعة. لكن في المقابل، ما زالت هناك مخاوف تتعلق بأسعار البذار والأسمدة والمازوت، إذ يؤكد بعض المختصين أن نجاح المشروع يرتبط بتقديم مازوت مدعوم خصيصاً للقطاع الزراعي، ووضوح أسعار المواد التي ستسلم للمزارعين كي يتمكنوا من التخطيط بشكل صحيح.
وفي الوقت نفسه، شهدت أسعار المشتقات النفطية انخفاضاً بعد سلسلة من الارتفاعات خلال الشهر الماضي، وهو ما وصفه المهندس الزراعي أسعد عبد الله بأنه خطوة مهمة لتخفيف الأعباء التشغيلية التي أثرت على المزارعين في السنوات الماضية. وأوضح أن فرق الإرشاد الزراعي في القرى بدأت بإعادة ترتيب خطط الري والحراثة بالاعتماد على الأسعار الجديدة، وأن المزارعين يدرسون تعديل برامج عملهم بهدف ترشيد الاستهلاك ورفع جاهزية المعدات قبل بدء الموسم الشتوي.
ويتوقع عبد الله أن يساعد هذا الانخفاض في تحسين انتظام عمليات الري ورفع جودة المحاصيل. كما يرى أن انخفاض الكلفة التشغيلية قد يشجع على توسعة الرقعة المزروعة وإعادة استثمار الأراضي التي تركت سابقاً، بما ينعكس إيجابياً على النشاط الزراعي وحركة العمل في المناطق الريفية.
ويؤكد عبد الله أن الاعتماد الكبير على المازوت لتشغيل المضخات والجرارات يجعل من سعر الوقود عاملاً أساسياً في تحديد كلفة الإنتاج. فارتفاع أسعاره سابقاً أدى إلى تراجع ساعات التشغيل وتقليص المساحات المزروعة، وهو ما أثر في وفرة المنتجات وأسعارها في الأسواق.
الأهمية الاقتصادية للقرض ومتطلبات نجاحه
يرى الخبير الاقتصادي فادي ديب أن القرض الحسن يشكل أداة تمويل ضرورية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، لأنه يقدم تمويل بلا فوائد ويعتمد على مبدأ التكافل، ما يجعله مناسب لدعم القطاعات الإنتاجية دون تحميلها أعباء إضافية. ويبين ديب أن هذا النوع من القروض يهدف بالدرجة الأولى إلى تمكين المستفيد من تطوير عمله بدلاً من تحقيق الربح للممول، الأمر الذي يمنحه قيمة اجتماعية واقتصادية كبيرة.
ويبرز دور القرض الحسن بشكل خاص في القطاع الزراعي الذي يعاني من نقص حاد في التمويل اللازم لشراء البذار والأسمدة والوقود. فالحصول على تمويل دون فوائد يتيح للمزارعين تجاوز هذه العقبات ورفع الإنتاجية، بما يعزز الأمن الغذائي. كما يساهم القرض الحسن في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ما يولد فرص عمل جديدة ويساعد في الحد من الفقر والبطالة.
ويشدد ديب على ضرورة تعاون جميع الجهات لضمان نجاح هذا النوع من القروض، بدءاً من الدولة ومصرف سورية المركزي ووزارة المالية، وذلك من خلال تأسيس صندوق خاص بالقروض الحسنة ووضع إطار قانوني ينظم عملية منحها، إلى جانب تقديم حوافز تشجع المصارف على التوسع في هذا النوع من التمويل.
كما يجب على المصارف تبسيط إجراءات التقديم والتركيز على الجدوى الاجتماعية للمشاريع، مع متابعة المستفيدين وتقديم الإرشاد لضمان الاستخدام الصحيح للأموال. وفي المقابل يتحمل المزارعون والمقترضون مسؤولية الالتزام بخطط واضحة وشفافة حول كيفية استثمار القرض، والاستفادة منه في الغرض المخصص لتحقيق أفضل نتائج ممكنة.
باختصار، القرض الحسن خطوة جيدة نحو تحريك الإنتاج وتجاوز أزمة الأمن الغذائي، لكن إذا تم تطبيقه على جميع القطاعات سيشكل قفزة نوعية في الاقتصاد المحلي وخصوصاً في المشاريع المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.
اقرأ أيضاً: بين التقنين والدَّين.. جدوى قروض الطاقة الشمسية في سوريا