ألعاب

باب توما كإنذار مبكر: ما هو شكل الحريات في دمشق!

باب توما كإنذار مبكر: ما هو شكل الحريات في دمشق!

الكاتب: أحمد علي

ليست الحكاية حكاية زجاجة على رف، ولا رخصة معلقة على باب محل، ولا خلافاً عابراً على ما تسميه السلطة آداباً عامة ويسميه معترضون توسعاً غير محسوب لحدود التدخل.. ما جرى في باب توما بدا، في ظاهره، قراراً يخص بيع المشروبات الكحولية في دمشق، لكنه تحوّل سريعاً إلى مرآة أوسع تكشف سؤالاً أثقل من القرار نفسه، كيف تُدار المدينة الجديدة، وأين تنتهي صلاحية التنظيم وتبدأ ملامح الضبط الاجتماعي.

الحدث اكتسب حساسيته لأن باب توما ليس حياً عادياً في الوعي الدمشقي، هو مكان تختلط فيه الذاكرة اليومية بالسياحة الداخلية، وتتجاور فيه المطاعم والأحياء السكنية والكنائس والحياة الليلية، لذلك فإن أي قرار يمر عبره لا يبقى محصوراً في نطاقه الإداري. من هنا، لم يُقرأ الاعتصام الذي شهدته ساحة الحي بوصفه احتجاجاً على بيع الكحول فقط، بل باعتباره اعتراضاً على الطريقة التي يمكن أن يُعاد بها تعريف المدينة وسكانها وأنماط العيش المقبولة فيها.

باب توما واختبار المدينة

خلال الأسبوع المنصرم، أصدرت محافظة دمشق القرار رقم 311، الذي منع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية في المدينة، وحصر بيعها مختومة في باب توما والقصاع وباب شرقي، مع شروط تتعلق بالترخيص والمسافات عن دور العبادة والمدارس والمقابر والدوائر الرسمية، ومنحت المحال مهلة ثلاثة أشهر لتسوية أوضاعها. المحافظة بررت القرار بأنه جاء بعد شكاوى وطلبات من المجتمع المحلي، وبهدف التخلص من الظواهر المخلّة بالآداب العامة.

لكن ما جعل باب توما كلمة مفتاحية في الجدل كله، هو أن القرار لم يكتف بمنع الخدمة داخل المطاعم، بل أعاد توزيع بيع الكحول جغرافياً على أحياء بعينها. وهنا خرج الاعتراض من إطار الرفض التجاري إلى إطار أوسع يتصل بفكرة الفرز داخل المدينة. فبحسب لجنة حي باب توما، القرار صدر من دون تشاور مع المجتمع المحلي، ويخالف مبادئ المساواة وعدم التمييز، كما يحمّل أحياء محددة دلالة رمزية ليست عابرة، ويعيد ربط سلوك فردي بهوية مناطقية أو دينية.

من الشكوى إلى الساحة

هذا الاعتراض لم يبق في البيانات، بل تحوّل إلى الشارع يوم أمس الأحد 22 آذار، حيث نزل مئات المحتجين إلى ساحة باب توما في اعتصام هادئ، شارك فيه أشخاص من انتماءات دينية مختلفة، ورفعوا شعارات تؤكد وحدة السوريين ورفض تقسيم أحياء دمشق على أسس طائفية. وعبر المتابعة، ظهر من قال من المشاركين إن المسألة ليست دفاعاً عن شرب الكحول بحد ذاته، بل عن الحرية الشخصية وعن الفكرة التي يحاول القرار تكريسها، كما أظهرت التغطية حضوراً أمنياً كثيفاً حول المتظاهرين من دون صدام.

والمشهد هنا بالغ الدلالة، فالناس لم يناقشوا قائمة مشروبات مثلاً، بل ناقشوا المسافة التي يجوز للسلطة أن تدخلها في تفاصيل الحياة اليومية، واللغة التي تستخدمها لتبرير ذلك. وقد زاد من هذا الانطباع أن السلطات أصدرت لاحقاً توضيحاً قالت فيه إن القرار لا يمس الحريات الشخصية ولا خصوصية الأحياء، وقدمت اعتذاراً عن أي التباس لدى المكوّن المسيحي، مع توضيح أن الفنادق مستثناة من القيود الجديدة، لكن هذه التوضيحات المتأخرة لم تجد آذاناً صاغية لدى المعترضين ولم تكن كافية من وجهة نظرهم، إذ أن المطلوب من قبلهم هو إلغاء القرار بشكل كامل وهذا ما لم يحصل حتى اللحظة.

كما أن تسبيب القرار بقانون من عام 1952 يسمح بالكحول في “المناطق ذات الأغلبية المسيحية”، دفع ببعض المعتصمين إلى التخوف من نبش قرارات قديمة عفا عليها الزمن، قد يقود في نهاية المطاف إلى تقسيم المجتمع بشكل سلبي. ففي إحدى التصريحات الإعلامية لأحد المعتصمين: “بكرا بينبشوا قرار من أيام الاستعمار الفرنسي بنصير نحمل بهويتنا ملتنا ومذهبنا منشان ناخد حقوقنا”، حيث أعلن المتحدث تخوف مجموعة كبيرة من أن يتم التعامل مع الناس بوصفهم “طوائف وأديان وأقليات ومدري شو”، في زمنٍ باتت فيه دمشق مدينة مختلطة بامتياز، في جميع مناطقها وضواحيها.

السوق بين الرخص والرزق

اقتصادياً، يصعب التقليل من أثر القرار حتى لو قُدِّم بوصفه تنظيماً محدوداً، فالنص نفسه يفرض على الحانات والملاهي تحويل تراخيصها إلى تراخيص مقاهٍ، ويمنع الخدمة داخل المطاعم، ما يعني عملياً الضغط على منشآت بنت حضورها على الخدمة داخل المكان لا على البيع المختوم الخارجي، وهذا لا يطال باب توما وحده، بل يطاول شبكة أوسع من المطاعم والحانات والوجهات التي ارتبطت بصورة دمشق الليلية والسياحية.

ونقلت تغطيات محلية مخاوف من إغلاق منشآت مرخّصة منذ سنوات، ومن تراجع الحركة السياحية، ومن انتقال جزء من السوق إلى مسارات أقل شفافية وأكثر ميلاً إلى التهريب أو السوق السوداء. وما يعزز هذا القلق أن المدينة اختبرت شيئاً قريباً من ذلك قبل عام. ففي آذار 2025، أغلقت السلطات نحو ستين باراً في دمشق أو أنذرتها بالإغلاق بسبب ملفات الترخيص، قبل أن تتراجع سريعاً بعد ضجة اجتماعية وإعلامية، وفق تقرير لإذاعة NPR. وتلك الواقعة لا تطابق ما يحدث الآن حرفياً، لكنها تكشف أن ملف الكحول في دمشق لم يعد قضية خدمية صرفة، بل صار ساحة اختبار متكررة للعلاقة بين السلطة الجديدة ونمط العيش في العاصمة.

من التنظيم إلى الفرز

هنا تظهر أهمية الحديث عن مفهوم الآداب العامة في سوريا، ورصدت وسائل الإعلام المحلية كيف يجري توسيع استخدام عبارة الآداب العامة في غياب تعريف قانوني محكم، وكيف تتحول أحياناً إلى باب لتقييد السلوك الفردي استناداً إلى تأويلات اجتماعية أو دينية متغيرة. وعندما يوضع قرار باب توما داخل هذا السياق، يصبح السؤال مشروعاً، هل نحن أمام إجراء تنظيمي محدود، أم أمام نموذج حكم يختبر حدود التدخل في الحياة الخاصة خطوة خطوة.

الذين يدافعون عن القرار يقولون إن دولاً كثيرة تنظّم بيع الكحول، وإن تنظيم الأسواق ليس اعتداء على الحريات بذاته. وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن الاعتراض الحالي لا ينصب على أصل التنظيم، بل على منطقه وآثاره الرمزية، فحين يُربط بيع مادة معيّنة بأحياء ذات غالبية دينية بعينها، يصبح التنظيم نفسه منتجاً لمعنى اجتماعي جديد، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً في نص القرار.

أي دمشق تتشكل الآن؟

التحقيق في قصة باب توما يقود إلى خلاصة أبعد من القرار نفسه، فدمشق ليست فقط مدينة تتبدل إدارتها، بل مدينة يجري التفاوض فيها يومياً على شكل المجال العام، وعلى الخط الفاصل بين ما هو تنظيمي وما هو معياري. لذلك، فإن أهمية ما جرى في الشارع وفي اعتصام باب توما لا تكمن في أنه كسب أو خسر هذه الجولة، بل في أنه كشف مبكراً حساسية المجتمع الدمشقي تجاه أي خطوة توحي بإعادة تصنيف الأحياء أو السكان أو أنماط العيش… والأهم من ذلك ربما، هو أنه أظهر الشارع السوري ووحدته بصورة شديدة الوضوح، وربما لأول مرة -بهذا الوضوح- منذ 8 كانون الأول 2024.

قد يتم التراجع عن القرار، وقد يُعدّل، وقد تُضاف إليه توضيحات تخفف من مفاعيله المباشرة، لكن أثره الأعمق وقع بالفعل، فقد فتح النقاش على مسألة أكبر، فأي صورة تريدها السلطة لدمشق؟ وأي مدينة يريدها سكانها لأنفسهم ولمن يطرق أبوابهم زائراً أو سائحاً؟ بين هذين السؤالين، يبدو حدث باب توما أكثر من نقطة احتجاج، يبدو إنذاراً مدنياً هادئاً وصامتاً وأولياً لمخاطر التعرّض والتضييق على الحريات في دمشق وعلى طول مساحة البلاد التي يكاد يكون لكل شارع فيها حكاية وخصوصية.

في المقابل، ومنذ بدأ الوقفة في باب توما، بدأنا نسمع دعواتٍ لاحتجاجات مقابلة تمنع الكحول بشكل كلي في سوريا. ربّما ستطلق هذه الوقفة سيلاً لن يتمكن أحد من إيقافه من شارعٍ وشارع مضاد، خاصة الذين يريدون ألّا يتمّ إيقافه… علينا أن ننتظر ونترقب مفاعيل ما سيحدث في الأيام التالية

اقرأ أيضاً: ما التأثير الاقتصادي لقرار الكحول على السياحة في دمشق؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.