الكاتب: أحمد علي
حين تهدأ طبول الحرب، تبقى الأسئلة الاقتصادية أعلى صوتاً. كيف سيعيش الناس؟ من أين تبدأ عجلة العمل؟ وأيُّ طريقٍ أقصر لاستعادة الخدمات وتسكين نار الأسعار؟ أسئلةٌ حاولت الإجابة عنها دراسةٌ ميدانية صادرة عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة في حزيران 2025 بعنوان: «تطلّعات السوريين الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة الجديدة: دراسة ميدانية في دمشق وريفها أنموذجاً»، واعتمد هذا المقال على خلاصاتها.
تطلعات السوريين الاقتصادية: ميدان الدراسة وسياقها
انطلقت الدراسة من البيئة الحضرية والريفية لدمشق، ورسمت صورة مركّبة لتوقّعات السوريين في المرحلة الجديدة التي جرى فيها انتقال السلطة وتشكّل حكومة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ولم تُقارب الدراسة الأسئلة نظرياً فحسب، بل قرأت نبض الشارع عبر عيّنةٍ ميدانية تلتقط الأولويات كما يراها الناس: العمل الكريم، ضبط الغلاء، واستعادة الخدمات الأساسية.
قدّم المشاركون «العمل» بوصفه المفتاح الأول: وظيفةٌ أو فرصةٌ تولّد دخلاً مستقراً وتكسر دورة الارتهان للمساعدات والتحويلات. وتقاطعت التطلعات حول اقتصادٍ يخلق وظائف سريعة في قطاعات البناء وإعادة التأهيل والخدمات، مع مسارٍ أطول في الزراعة والصناعة والتقانات الخدمية. وتجلّت حساسية سوق العمل في المطالبة ببرامج تأهيلٍ مهني قصيرة ومكثّفة، تُشبك الخريجين بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة بدل الاكتفاء بشهاداتٍ لا تجد طريقها إلى المصانع والحقول والمشاغل. هذا المزاج العملي أعاد تعريف «الاستقرار» كقدرةٍ على كسب الرزق قبل أي شيء آخر.
كبح الأسعار واستعادة الثقة النقدية
تقدّم السعر اليومي لسلّة العائلة على أي مؤشرٍ آخر. رأت الدراسة أن توقّعات الناس تتجه إلى سياساتٍ عاجلة لكبح التضخم، وتوحيد سعر الصرف، وإرساء قواعد شفافة للتجارة والاستيراد، بحيث يشعر المستهلك بأن الليرة (أو أي ترتيبات نقدية انتقالية) تستعيد جزءاً معقولاً من وظيفتها، وأن الأسواق تُدار بقواعد معلنة لا بمزاج الاحتكار أو تعدّد المرجعيات. وتظهر هنا أهمية استقلالية السياسة النقدية وتماسك المالية العامة كشرطٍ نفسي واقتصادي في آن، إذ لا يمكن لـ«تطلعات السوريين الاقتصادية» أن تصمد إذا بقي السعر اليومي رهينة الإشاعة.
الكهرباء والماء والطرق… بنية حياةٍ لا بنية تحتية فقط
عادت الخدمات الأساسية في أجوبة المشاركين كشرطٍ اجتماعي واقتصادي واحد. إذ لم تُفصل مطالب الكهرباء عن تشغيل الورش والمعامل، ولا الماء عن الزراعة، ولا الطرق عن تنقل العمال والبضائع. لذلك دفعت الدراسة باتجاه برنامجٍ يأخذ شكل «حزم تأهيل سريعة» توجّه الموارد إلى نقاط رافعة: إصلاح شبكات التوزيع، إعادة تشغيل محطاتٍ جزئية تتزاوج فيها حلول الطوارئ مع الاستثمارات الدائمة، وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس على مستوى الأحياء والبلدات.
ولم تُظهر الدراسة مزاجاً «منفّراً» للاستثمار، لكنها ربطت جذبه بشبكة أمان تشريعية وقضائية: ملكيةٌ محمية، عقودٌ قابلة للإنفاذ، منافسةٌ مفتوحة، ومحاربةٌ جدية للفساد. وتقدّم هذا الشرط على أي إعفاءاتٍ أو حوافز مالية؛ فالناس تعلّمت أن الأهم من الإغراءات هو سيادة القانون التي تمنع تحوّل المشاريع إلى امتيازاتٍ مسيّجة. من هنا ظهر الميل إلى توزيعٍ أوضح للأدوار بين الدولة والقطاع الخاص: دولةٌ تنظّم وتراقب وتوفّر البنية والخدمات، وقطاعٌ خاصٌ ينتج ويخاطر ضمن قواعد عادلة.
شبكة حماية لا تُبقي أحداً خلف الركب
بالتوازي، لامست الدراسة قاع الفئات الأكثر هشاشة: الأسر ذات الدخل المحدود، ذوو الإعاقة، كبار السن، والأسر التي فقدت معيلها. حيث ارتفعت التطلعات نحو شبكة حمايةٍ اجتماعية تُموَّل بوضوح وتُصرف بآليات استهدافٍ دقيقة، تربط الإعانة بالتأهيل وفرص العمل حيثما أمكن. أي لا عودة إلى الدعم العشوائي الذي يبدّد المال العام؛ بل إلى منصةٍ تُظهر للمواطن أين تذهب الليرة ولماذا. هنا، تُفهم تطلعات السوريين الاقتصادية كحقٍ في الكرامة قبل أن تكون مطلباً معيشياً.
ولم تُعامَل عودة اللاجئين في التطلعات بوصفها ملفاً سياسياً وأمنياً فحسب؛ إذ ربطتها الإجابات بأفق العيش: وظيفةٌ، سكنٌ ميسور، مدرسةٌ للأولاد، وإجراءاتٌ سهلة لتسوية الأوضاع القانونية والوثائق. فالعودة لا تستقيم بلا اقتصادٍ يستوعب الداخلين الجدد، ويتيح تحويل خبرات الشتات إلى قيمةٍ مضافة عبر حوافز للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وشراكاتٍ مع البلديات.
تمويل التعافي: من أين نبدأ؟
اقترحت الدراسة مسار تمويلٍ تدريجي ومُركّب: مزيجٌ من الموارد المحلية المُستعادة، والتمويل الميسر، واستثمارات الشتات، ومشاريع شراكةٍ مع القطاع الخاص، على أن تُربط جميعها بنظامٍ للشفافية والمساءلة وتتبّع الأثر. ويتقدّم هنا شرط الإطار المؤسسي: جهازٌ وطني لإدارة برامج التعافي، يُعلن أولوياته وخططه ومناقصاته ونتائجه على الملأ، ويتيح للجامعات ومراكز البحث مراقبة الأداء واقتراح التصحيحات.
وترسم الدراسة جدول أعمالٍ عملياً ينسجم مع صوت الناس: إطلاق برنامج وظائفٍ سريع في قطاعاتٍ كثيفة العمالة، اعتماد «عقود خدمة» لتأهيل الكهرباء والمياه والطرق، تمتين السياسة النقدية وضبط منافذ التجارة لمحاصرة التضخم، سنّ حزمة قوانين منافسة ومكافحة فساد قابلة للتطبيق، وبناء شبكة حمايةٍ اجتماعية ذكية. وتكمل الخريطة بآليةٍ تشاركية مع النقابات والبلديات والقطاع الخاص والجامعات؛ لأن تطلعات السوريين الاقتصادية لا تتحقق بقرارٍ فوقيّ، بل بعقدٍ اجتماعي جديد يوزّع الأعباء ويقاسم العوائد.
اقرأ أيضاً: حذف صفرين من الليرة السورية: خطوة رمزية أم إصلاح نقدي فعلي؟!